قضايا و اراء

42905‏السنة 127-العدد2004مايو26‏7 من ربيع الاخر 1425 هـالأربعاء

ثقافة الاحتضار
بقلم : د‏.‏ جمال سلامة علي

هناك حادثة من التراث تتلخص في أن الخليفة عبد الملك بن مروان كان في مجلسه يأتيه الشعراء وبعض العامة ليمتدحوه فيغدق عليهم الدنانير‏,‏ وفي المجلس كان هناك رجل فقيه فسأله عبد الملك أن يدعو له‏,‏ فدعا له قائلا‏:‏ أتم الله عليك نعمه‏..‏ فأمر عبد الملك ابنه الوليد أن يعطيه درهما‏,‏ فاستنكر الوليد علي أبيه أن يغدق علي الشعراء والعامة ويمسك عن الفقهاء بما لايليق بقدرهم‏,‏ فقال عبد الملك لابنه إن هذا الرجل لايدعو لي بل يدعو علي ـ ألا تعلم يابني أنه ليس بعد تمام النعمة إلا نقصانها وزوالها‏.‏
وهناك تشبيه بليغ يجسد الامبراطوريات والدول في صورة الانسان‏,‏ فالانسان يولد طفلا ويصبح صبيا ثم شابا ثم رجلا الي أن يمسي كهلا‏,‏ ومرحلة الشباب في عمر الانسان التي وإن اتسمت بالقوه والحيوية إلا أنها قد تفتقد الحكمة‏,‏ أما مرحلة الرجولة التي تعقب مرحلة الشباب ويقدر البعض بأنها تبدأ عند سن الأربعين سنة فهي تجمع بين الحكمة والقوة وقد تستمر تلك المرحلة زمنا ما يطول او يقصر ما لم يعتر الانسان ما قد يعتريه من أسباب تنقله عاجلا ام آجلا الي مرحلة الكهولة‏,‏
معني ذلك أن كمال او تمام القوة من المحتم أن يتبعه نقصان‏..‏ وتلك هي سنة الله في خلقه‏.‏

من هذا المنطلق وبنظرة تحليلية الي المشهد الأمريكي نجد أن هناك عديدا من المؤشرات والدلائل تفرض نفسها وتؤدي كلها الي طريق النهاية للحلم الأمريكي‏,‏ فهذه‏..‏ الامبراطورية التي بلغت حدا من القوة لم تبلغه غيرها من الأمم خاصة في ظل احادية قطبية لم تتكرر كثيرا في تاريخ البشر ـ كلما استطاعت أن تصنعه هو بمثابة مجرد تصورات للمعيشة لكنها لم ولن تستطيع أن تضع مقومات البقاء أو التسيير الذاتي‏,‏ وبالتالي فإنها بطبيعة الحال لن تستطيع الإفلات من قانون التداول ـ وهو قانون أزلي سنة خالق الكون ورب العالمين في قوله تعالي في سورة آل عمران‏..‏ وتلك الأيام نداولها بين الناس‏,‏ ويضرب الله الأمثال للبرهان علي هذا القانون في سورة الروم بقوله تعالي أو لم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أشد منهم قوة وأثاروا الأرض وعمروها أكثر مما عمروها‏,‏ أكثر من ذلك يشرح الله تعالي في سورة الإسراء ليبين لنا حيثيات نهاية الحضارات ويربط ذلك بترفها وفسقها وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا
هذه السنة الكونية وهي سنة التداول لم يسنها الله لجماعة ما ولم يستثن منها أخري مؤمنة كانت أم كافرة بل هي سنة عامة للناس‏..‏ وهنا يحضرنا القول المأثور بأن الله ينصر الأمة الكافرة لعدلها علي الأمة المؤمنة لظلمها‏.‏

ولتوضيح ذلك يتحتم التفريق بين نوعين من السنن‏,‏ فلله سنن إيمانية وسنن كونية‏..‏ فالسنن الايمانية ترتبط بمخاطبة جماعة المؤمنين وتضمنها شريعة الإسلام‏,‏ أما السنن الكونية فهي قوانين عامة للكون وسنن عامة للناس لاتستثني مؤمنا أو كافرا ـ فعلي سبيل المثال نجد أن من سنن الله الكونية أنه هو الذي يرزق البشر كافة دون تفريق وهي سنة تتسق مع اسمه الرزاق‏.‏
نأتي الي مسألة الربط بين قانون التداول وبين السبب والأسباب فيما يتعلق بالمشهد الأمريكي‏,‏ فالولايات المتحدة قامت علي عدة دعائم كانت حاضرة في تصور مؤسسيها أهمها الديمقراطية والحرية‏..‏ ومبدأ الديمقراطية الذي كان من أهم دعائم النظام الأمريكي لدرجة جعلت الرئيس ددرو ويلسون يرفض عضوية أي دولة غير ديمقراطية في عصبة الأمم‏,‏ هذا المبدأ بدأ يأخذ منحي آخر علي المستوي الداخلي في الولايات المتحدة بعد ترديد الاتهامات من قبل الديمقراطيين للجمهوريين بالتدليس في صناديق الاقتراع بولاية فلوريدا التي بموجبها اختطف بوش الابن الكرسي الرئاسي في المكتب البيضاوي‏,‏ ناهيك عن هذا الانفصام الغريب بين زعم الديمقراطية في الداخل ودعم الديكتاتورية في الخارج‏.‏

أما بالنسبة لمبدأ الحرية فيجدر بنا أن نعود قليلا الي الماضي القريب فبرغم أن الولايات المتحدة قد سنت أوائل القرن التاسع عشر في عهد إبراهام لينكو لن القوانين التي تحرم تجارة الرقيق‏,‏ إلا ان الاضطهاد والتمييز العنصري ظل بمثابة مبدأ سار في المجتمع الأمريكي الي أن صدرت القوانين التي تلغي التمييز العنصري ضد السود عام‏1954‏ في عهد ايزنهاور‏,‏ وبرغم ذلك لم يتقبل المجتمع الأمريكي تلك القوانين التي تدعو الي المساواة الي أن استخدم الرئيس الأمريكي جون كيندي عام‏1961‏ صلاحياته الفيدرالية لاجبار المدارس والجامعات علي الحاق السود بها والزام شركات المواصلات بعدم طرد السود من الحافلات‏,‏ في نفس الوقت شهد المجتمع الأمريكي حالة من البطش والتنكيل بفئات مختلفة تحت بند مكافحة الشيوعية وهي ما عرفت بحملة الجنرال ماكارثي او السياسة المكارثية‏..‏
وها هي الولايات المتحدة تنتهج نفس المكارثية تحت زعم محاربة الارهاب فتخنق الحريات داخل المجتمع الأمريكي القائم علي فكرة الحريات لتطلق يد أجهزة الاستخبارات والمباحث الفيدرالية لعلها تعيد جزءا من هيبة الدولة التي اهتزت بعنف مع هجمات‏11‏ سبتمبر‏.‏

ثم تأتي فضيحة أبو غريب التي يجب أن نتوقف عندها كثيرا أكثر من وقوفنا عند‏11‏ سبتمبر‏,‏ فكما كان يقال أن الولايات المتحدة قبل‏11‏ سبتمبر أصبحت غير الولايات المتحدة بعد‏11‏ سبتمبر‏,‏ فإننا نؤكد ونشدد علي أن الولايات المتحدة قبل أبو غريب أصبحت غير الولايات المتحدة بعد أبو غريب ـ وهنا يدخل الي القاموس السياسي ولأول مرة ما يمكن تسميته بسياسة كشف العورات‏..‏

في هذا السياق يجدر بنا أن نتساءل‏:‏ من كشف عورة من؟‏!‏
فكما كشفت‏11‏ سبتمبر العورة الأمريكية علي المستوي الأمني والسياسي فقد كشفت فضيحة أبو غريب العورة الأمريكية علي المستوي الاجتماعي والأخلاقي وهذا هو مكمن الخطر‏.‏
فالثغرات الأمنية والتخبط السياسي يمكن تداركه بخطط واستحكامات أما الثغرات الأخلاقية فلايمكن سدها ولن تفلح معها عمليات الترقيع التي تحاول الادارة الأمريكية أن تنتهجها الآن‏,‏ فسيادة هذا النمط الهمجي الذي انتهجته الادارة الأمريكية في أبو غريب هو بداية الاحتضار للامبراطورية الأمريكية‏,‏ وفقدان الثقة في النظام والسياسة الأمريكية هو مكمن الخطر علي مستقبل الأمة الأمريكية الذي ينذر بزوالها‏,‏ لذلك فإن الهم والهاجس الأكبر لدي الولايات المتحدة الآن لايتمثل في محاولة التجمل امام الرأي العام العالمي بقدر ما يتمثل في محاولات التدليس علي المواطن الأمريكي لازالة الصورة التي ارتسمت في ذهنه عن امريكا الحقيقية التي تكشفت في أبو غريب بعد أن تحول الجندي الأمريكي الي وحش كاسر ينتهك آدمية البشر‏.‏

وبرغم أن الكذب في حد ذاته هو من الرذائل التي لاتغتفر بموجب الأعراف والقوانين الأمريكية فإن معظم المسئولين الأمريكيين بعد أن تكشفت عوراتهم وفي محاولاتهم المستميتة لتجميل القبيح لم يتورعوا من تحري الكذب في تصريحاتهم وتبريراتهم للأمة الأمريكية ـ ليعقب فضيحة أبو غريب فضيحة جديدة تمثلت في زيف ادعاءات أركان الادارة الأمريكية بعدم علمهم بما اقترفه وحوشهم من جرائم ضد الانسانية في سجن أبو غريب لتتوج سجل أكاذيبهم الحافل‏.‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية
موضوعات في نفس الباب
~LIST~