الرياضة

42897‏السنة 127-العدد2004مايو18‏28 من ربيع الأول 1425 هـالثلاثاء

صفر ملف‏2010..‏ تشخيص خاطئ وبوصلة عمياء
واستكبار علي التعلم من الخصم‏!‏

أما بعد‏,‏ وقد‏(‏ نجحنا‏)‏ في تحقيق هذه الخسارة المهينة بعدم حصولنا علي أي صوت في سباق الحصول علي شرف استضافة كأس العالم لكرة القدم‏2010,‏ فإن الواجب يدعونا إلي وقفة للتأمل‏,‏ وحساب النفس‏,‏ تمهيدا لتحرك ايجابي للاستفادة من تلك التجربة القاسية ليس فقط في مجال كرة القدم‏.‏
وبداية‏.‏ فانه من الواجب تفنيد المقولة التي يرددها أعضاء الفريق المصري من أن الاتحاد الدولي أشاد بملف مصر‏,‏ وبناء علي مفهوم المخالفة فانه اذا كان الملف المصري لا غبار عليه‏,‏ فانه من المنطقي أن نشك في كفاءة الفريق الذي عهد إليه بترويج هذا الملف‏!‏ وفي هذا المقام‏,‏ فاننا يجب أن نتخلي عن الحرج والمجاملة والتغطية علي الأخطاء التي كانت من أهم أسباب تلك النتيجة أو‏(‏ اللانتيجة‏)‏ التي توصلنا إليها‏.‏

ولعل نقطة البداية تتمثل في تصدي من لايقدر لما لايطيقه‏.‏ وبالطبع فان المسئولية لا تقع علي عاتق ذلك الذي لايقدر فقط‏,‏ وإنما تنسحب ايضا‏,‏ علي من سمح له بالتصدي‏.‏ ومع تقديرنا لجميع من شاركوا في الترويج لملف مصر‏,‏ ومن إن أحدا منهم لم يقصر في الجهد‏,‏ ناهيك عن استبعاد أن يكونوا قد خططوا لهذا الصفر العظيم‏,‏ فاننا نقول ان خطأهم تمثل في ادعاء القدرة علي ما ليس لهم طاقة به‏.‏
النقطة الثانية‏,‏ وهي ضرورة إقلاعنا عن تلك الشماعة الوهمية التي نعلق عليها جميع إخفاقاتنا وقصورنا‏(‏ وشماعة‏)‏ المؤامرة بالشكل الذي نمارسه‏,‏ نتائجها مدمرة‏,‏ في حين أن النموذج الجنوب أفريقي في استخدام سلاح‏(‏ المؤامرة‏)‏ جاء بشكل يحقق المصلحة العامة‏.‏

ففي خضم قيامها بحملة علاقات عامة لتأمين الأصوات التي تحتاجها‏,‏ كانت جنوب أفريقيا تقود حملة أخري متوازية تروج بشكل غير مباشر لوجود مؤامرة‏(‏ وتربيطات‏)‏ غير شريفة ضدها لحرمانها من حقها في استضافة كأس العالم‏.‏ وفي هذا المجال نجحت جنوب أفريقيا بجدارة في الايحاء بأنها كانت ضحية مؤامرة من جانب المانيا في كأس‏2006,‏ وقد أدي نجاح جنوب افريقيا في تخطيط وتنفيذ الحملتين المتوازيتين إلي القاء الخوف في روع العديد من الأطراف من الضجة التي يمكن ان تحدث في حالة خسارة جنوب أفريقيا هذه المرة‏,‏ وبناء علي ذلك فانه يمكن القول بأن جنوب أفريقيا أجتهدت في العمل‏,‏ جنبا إلي جنب مع شن تلك الحملة التي تروج لمؤامرة ضدها في‏2006,‏ والتي حذرت خلالها بشكل صريح الجميع من أن يكررها‏,‏ وبناء علي ماتقدم فان الصورة جاءت كالتالي‏:‏ الفريق المغربي ألتزم عملا دؤوبا لتأمين أكبر عدد من الاصوات‏,‏ من دون شن تلك الحملة التي تحذر من تكرار التربيطات ضده للمرة الرابعة‏.‏ أما الفريق المصري‏,‏ فانه لم يسع لتربيطات ولا هو شن حملة علاقات عامة ناجحة تجاه الدول التي لديها أصوات في اللجنة التنفيذية للاتحاد الدولي‏,‏ واكتفي بدلا من ذلك بترديد كلمات جوفاء من عينة‏:‏ ضرورة اللعب النظيف‏!‏

وبناء علي النقاط السابقة‏,‏ فانه يجب التصدي إلي العجز المزمن في مخاطبة الرأي العام الخارجي‏,‏ وهو العجز الذي يدفعنا في كثير من الأحيان إلي استبدال مخاطبة الرأي العام الخارجي بمخاطبة الرأي العام الداخلي‏,‏ وهو الحل الأسهل الذي لجأ له الفريق المشرف علي ملف مصر في كأس العالم‏,‏ ولعل الفريق المصري قد عمل في هذا المقام بالطرفة المصرية التي تقول بأن شخصا ضاع منه قرش في طريق مظلم‏,‏ فراح يبحث عنه في طريق مضييء‏!‏
وترتيبا علي النقطة السابقة فانه يتحتم في الحالات القليلة التي تسعي فيها وسائل الاعلام الخارجية لنا ـ للتعرف علي خططنا ظنا ـ أن لدينا خططا ـ مراعاة وجود عناصر لا تجيد فقط اللغات الاجنبية‏,‏ وانما تقف علي ثقافة الآخر لتفادي سوء الفهم بين الجانبين‏,‏ وغني عن القول أن العناصر التي تتحدث لغات أجنبية بطلاقة في الوفد المصري محدودة جدا‏,‏ أما من يتحدثونها‏,‏ فانهم في كثير من الأحيان يتحدثون اللغة انطلاقا من ثقافة مصرية مغرقة في محليتها لاتسمع بالتواصل مع الرأي العام الخارجي‏!‏

ويقودنا ذلك إلي نقطة ضعف أخري وهي الاعتماد في خطابنا علي التاريخ‏,‏ وهو الأمر الذي لم يعد مقبولا‏,‏ ولكن بشرط أن يكون التاريخ خلفية جميلة براقة‏,‏ لا أن يكون التاريخ هو المقدمة والوسط والمؤخرة‏.‏ وتحديدا فإن التاريخ في موقعة زيورخ كان يجب أن يكون مجرد خلفية جذابة‏,‏ وخاصة أن الحديث يدور حول حدث مهم سيجري في المستقبل‏.‏ وفي هذا المقام‏,‏ لا نعرف لماذا لم يستخدم أعضاء الفريق المصري العديد من الأدوات الجيدة التي يوفرها الدور المصري المهم في أفريقيا‏.‏ فعلي سبيل المثال وليس الحصر‏,‏ فإن مصر لديها آلية مهمة في إطار وزارة الخارجية وتسمي صندوق الدعم الفني لأفريقيا‏,‏ ذلك الصندوق في ظل‏-‏ ومازال‏-‏ علي مدار الربع قرن الماضي يقدم دعما سنويا لما يقرب من‏26‏ دولة أفريقية يقدر بمئات الملايين من الدولارات‏.‏ تلك الآلية لا تملكها حتي جنوب أفريقيا‏,‏ وهو ليس عيبا أو قصورا في دور تلك الدولة تجاه قارتها‏,‏ إلا أنها في الوقت نفسه تعد نقطة مهمة لصالحنا لم نحسن استغلالها في صالحنا كالعادة‏.‏
نقطة أخري‏,‏ وتتمثل في قناعة أعضاء الفريق المصري‏-‏ ومن وافق علي توليهم ملف مصر ـ بأن المسألة ليست سوي حدث رياضي كبير فقط‏,‏ وذلك في الوقت الذي كان يعمل فيه الفريق الجنوب أفريقي ولديه دراسات مستفيضه مدعومة بأرقام دقيقة حول الدخل القومي الهائل الذي سيدره كأس العالم علي الدولة ومواطنيها‏.‏ وتقدر الدراسات الجنوب أفريقية الدخل المباشر الذي سيدخل البلاد بفضل تنظيم كأس العالم بما يعادل‏35‏ مليار جنيه مصري‏,‏ ناهيك عن خلق‏159‏ ألف فرصة عمل‏,‏ بالاضافة إلي المكاسب غير المباشرة التي تتمثل في الترويج السياحي للدولة قبل وأثناء وبعد كأس العالم لسنوات‏.‏ وإذا كانت الأشياء تقاس بنتائجها‏,‏ فإن النتائج تؤكد أن المسئولين عن الملف المصري تعاملوا مع القضية علي كونها مجموعة من المباريات في أهم مسابقة كروية في العالم‏,‏ وذلك مع إغفال النقطة الأهم وهي الأهداف التي ستحقق من وراء تلك المباريات‏,‏ وبالطبع فانه يوجد احتمال قوي بأن يدعي المسئولون عن الملف المصري بأنهم كانوا يدركون حقيقة تلك الأبعاد الاقتصادية والسياسية لذلك التحدي الذي تصدوا له‏,‏ وفي هذه الحالة نقول لهم بأنهم اذا كانوا مدركين‏,‏ فان ذلك يضاعف من حجم المصيبة‏,‏ بالنظر لتردي آدائهم‏!‏

نقطة أخري يجب أن نتعلمها من الخصم‏,‏ ألا وهي الشفافية في العمل‏,‏ فكل قرش تم رصده في ميزانية الملف الجنوب أفريقي كان معلنا‏,‏ وكانت أوجه صرفه واضحة‏,‏ والهدف الذي نسعي لتجليته في هذا المجال ليس هدفا أخلاقيا ـ علي الرغم من أهميته الفائقة ـ وإنما هو هدف عملي مرتبط بنجاح المهمة الموكولة للمسئولين‏.‏ فمعرفة أين‏,‏ وفي أي شيء‏,‏ وفي أي موضع تم الانفاق‏,‏ تجعل المسئول يبذل قصاري جهده للاستخدام الأمثل لهذه الميزانيات لادراك النجاح‏.‏
الشاهد‏,‏ أن الصفر الكبير الذي‏(‏ نجحنا‏)‏ في تحقيقه في تلك المنافسة‏(‏ التي لم ننافس فيها‏)‏ لايجب أن يدفعنا لليأس‏,‏ كما أنه لايجب أن يدفعنا إلي اخراج‏(‏ شماعة‏)‏ المؤامرات الخالدة‏,‏ فبالرغم من ان الصفر كان مؤلما‏,‏ كما أنه أثار شماتة الكثيرين‏,‏ إلا أنه من ناحية أخري كان أفضل من بضعة أصوات‏,‏ من المؤكد أنها كانت ستستخدم في تهدئة الخواطر‏,‏ تمهيدا لاستمرار حالة الغيبوبة المسيطرة علينا‏,‏ وفي تقديرنا أن حسابا موضوعيا يجب أن يجري‏,‏ ليس بهدف التصفية‏,‏ وإنما بهدف التصحيح الجذري‏.‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية
موضوعات في نفس الباب
~LIST~