قضايا و اراء

42894‏السنة 127-العدد2004مايو15‏25 من ربيع الأول 1425 هـالسبت

آثار وأسرار
سيوة‏..‏ وأخواتها العشر‏!‏
بقلم‏:‏ د‏.‏ زاهي حواس

يبـدو أن المقالات التي نشرتها عن سيوة الجنة المفقودة علي هذه الصفحة‏,‏ قد جعلت العديد من المصريين يسرعون الي زيارة سيوة‏,‏ لقد كان هدفي من نشر هذه المقالات‏,‏ أن نتعاون مع الوزيرة فايزة أبوالنجا وزيرة الدولة للشئون الخارجية‏,‏ كي نحافظ علي خصوصية هذه الواحة‏,‏ لأنها تختلف اختلافا تاما عن أي مدينة أو قرية في وادي النيل‏,‏ لأنك لو زرت الواحة سوف تري فنونا ومنازل ولغات وعادات وتقاليد لها خصوصيتها‏,‏ بل ان الحياة خارج وداخل الواحة شيء فريد غير موجود في أي بقعة علي أرض مصر‏.‏

والكثيرون منا لا يعلمون أن سيوة يجاورها أكثر من عشر واحات صغيرة غير معروفة‏,‏ كل واحدة من هذه الواحات لها خصوصيتها‏,‏ وهناك العديد من العلماء الذين لايعرفون مكان هذه الواحات الصغيرة‏,‏ فعندما كنت أقوم بالحفائر في الواحات البحرية التي كشفنا بها عن وادي المومياوات الذهبية الذي يعتبر ـ كما اشارت بذلك الصحف العالمية ـ توت عنخ آمون العصر اليوناني الروماني‏,‏ وكشفنا كذلك عن مقبرة حاكم الواحات البحرية وزوجته والتي تعود الي نحو‏500‏ قبل الميلاد‏,‏ ومازالت رمال الواحات البحرية تخفي العديد من الأسرار‏,‏ وخلال وجودي بالواحات البحرية كنت أتعجب من بناء معبد الاسكندر الأكبر بها‏,‏ والذي صور داخل قدس الاقداس وهو يقدم القرابين الي الإله آمون‏,‏ وفي تلك الفترة حصلنا علي مرشد من أجل القيام برحلة شاقة وممتعة في طريق غير ممهد مليء بالمطبات واستغرقت هذه الرحلة نحو ثماني ساعات‏,‏ رغم ان المسافة لاتزيد علي‏180‏ كيلومترا‏,‏ وقد قرأت في الصحف أن هذا الطريق جار رصفه الآن‏,‏ وهذا ما أخشاه لأنه سوف يجعل الافواج السياحية والمواطنين ينهالون علي الجنة المفقودة‏,‏ واحة سيوة‏.‏

وخلال هذه الرحلة‏,‏ وقفت لزيارة واحة أخري صغيرة تعرف باسم واحة البرين‏,‏ وهي ضمن الواحات المجاورة لسيوة‏,‏ فمن المعروف أن مصر يوجد بها خمس واحات كبيرة وهي الخارجة والداخلة والفرافرة وسيوة والواحات البحرية‏.‏

أما واحة البرين فتوجد بها ملاحات وأشجار نخيل‏,‏ هذا بالاضافة الي وجود بقايا أثرية تدل علي أهميتها التاريخية‏,‏ فهناك بقايا معبد يرجع الي عصر الأسرة الثلاثين‏(380‏ ـ‏343‏ ق‏.‏م‏)‏ من العصر الفرعوني‏,‏ هذا بالاضافة الي بقايا مقابر منقورة في الصخر ترجع للعصر الروماني‏,‏ وهي مقابر غير منقوشة وتشابه المقابر الموجودة في جبل الموتي بواحة سيوة من حيث التخطيط‏.‏

وقامت بعثة ايطالية بالحفائر الأثرية في هذه الواحة‏,‏ وتم تسجيل الآثار الموجودة بها ومنذ نحو عامين‏,‏ نشرت الصحف أن استاذا في الجيولوجيا من جامعة طنطا قام بالكشف عن واحة صغيرة بجوار واحة سيوة‏,‏ وقد انزعجت كثيرا لهذا الخبر؟‏!‏ ليس للكشف عن الواحة‏,‏ وانما لأنه ليس من المعقول أن تكون هذه الواحة غير معروفة لرجال الآثار‏,‏ خاصة أن الراحل العظيم أحمد فخري قد جاب الصحراء الغربية شمالا وجنوبا‏,‏ وقام بوصف الآثار الموجودة بها‏,‏ بل وقام بالحفائر في كل الواحات الخمس وقام باكتشافات مهمة جدا تعتبر المرجع الوحيد لعلماء الآثار في هذا المجال‏,‏ كما ألف العديد من الكتب التي لا تتحدث عن تاريخ الواحات الخمس فقط‏,‏ بل تشرح لنا عادات وتقاليد الناس وتعتبر من أهم المراجع للدارسين المتخصصين سواء في الآثار أو في علم الانثروبولوجي‏.‏

وقد تم اعلان هذا الكشف في الصحف‏,‏ وقمت بالاتصال بعادل السعيد يوسف مدير عام آثار مطروح والأثري عبدالعزيز الدوميري كبير مفتشي آثار سيوة‏,‏ وقد أكدا لي ان هذه الواحة مسجلة أثريا‏!‏ وهي واحة ضمن عشر واحات صغيرة‏,‏ كما أنها تعرف باسم واحة تميرة وتقع علي بعد‏80‏ كيلومترا شمال شرق سيوة‏,‏ وهذه الواحة توجد بها آبار طبيعية للمياه واشجار نخيل وبعض المقابر المنقورة في الصخر وغير المنقوشة أيضا‏,‏ يرجع تاريخها الي العصر الروماني‏,‏ وبالمقابر العديد من الهياكل العظمية التي مازال بها بقايا كتانية من أثر التحنيط‏.‏

والشيء المؤسف أن هذه المقابر قد تم نهبها منذ القدم‏,‏ ومازال هناك العديد من الأجانب الذين يجوبون هذه الأماكن بالعربات القادرة علي السير في الصحراء‏,‏ وهذه الأماكن النائية تحتاج الي وجود طائرة مروحية للمرور عليها‏,‏ بالاضافة الي ضرورة وجود أماكن صالحة لاقامة حراسة ثابتة علي هذه المواقع‏,‏ ولكن الآثار الثابتة بهذه الواحة مسجلة ومعروفة لدي الأثريين‏.‏

وقد تحدثنا في مقالنا السابق عن سيوة وازدهارها في عصر الاسكندر الأكبر‏,‏ كمكان خاص بالنبوءة والوحي‏,‏ وكيف أن الإله آمون قد اشتهر في العالم الخارجي باتصاله بالإله جوبتر واصبحت نبوءته شهيرة ومعروفة‏,‏ حتي ان الملك فيليب الثاني والد الاسكندر الاكبر قد حظي من هذه النبوءة بالكثير‏,‏ وقد ذكر المؤرخ بلوتارخ انه بعد أن تزوج فيليب الثاني من الملكة اوليمبياس رأي في منامه أن رحم الملكة قد ختم بخاتم كانت طبعته فيما اعتقد علي شكل أسد‏,‏ واعتقد العديد من مفسري هذا الحلم بأن هذا يشكك في عفة الملكة اوليمبياس‏,‏ إلا أن فريقا آخر أشار الي أن ذلك يعني أن الملكة حامل وان المولود ذكر له شجاعة الأسد‏.‏

وهناك حلم آخر رآه الملك فيليب الثاني المقدوني‏,‏ عندما وجد ثعبانا نائما بجوار الملكة‏,‏ وهنا ارسل للكثيرين كي يتم تفسير هذا الحلم‏,‏ وجاءت له الاجابة بأن كبير الآلهة أبوللو يأمر بأن يقدم القرابين للإله جوبتر ـ آمون‏,‏ وهذا يفسر سر نبوءة آمون واحتلاله مكانة مهمة في العالم القديم خاصة في اليونان‏.‏

وقد ذهبت الي واحة سيوة أو الجنة المفقودة مع العديد من الكتاب المصريين‏,‏ بالاضافة الي مجموعة منتقاة من سفراء الدول المهتمة بالجنة المفقودة‏.‏

وخلال الرحلة كان الجميع يستفسرون مني عن تاريخ الواحة وآثارها‏,‏ وقد صحبتهم في زيارة لمعبد الوحي‏,‏ ومجموعة المقابر الفريدة الموجودة بجبل الموتي‏,‏ وخلال جلساتنا المستمرة داخل القرية الرائعة المعروفة باسم جعفر‏,‏ والتي تعتبر من معالم سيوة الرائعة‏,‏ واعتقد بأننا يجب أن نقلد منير نعمة الله صاحب القرية في اسلوب تنفيذه لها‏,‏ لأنه يجعلك تكره نور الكهرباء والضوضاء وتعيش علي الشموع وتنام بعمق علي سرير من البوص وتأكل ما تجود به القرية من خيرات‏.‏

تقع واحة سيوة في الطرف الجنوبي الغربي من محافظة مرسي مطروح‏,‏ وعلي مسافة‏300‏ كيلومتر من مدينة مرسي مطروح‏,‏ وهي اقرب واحة بمصر لحدود الجماهيرية العربية الليبية‏,‏ وايضا شاطيء البحر الأبيض المتوسط‏.‏

أما عن أصل كلمة سيوة فيصعب تحديدها‏,‏ فنجد بعض الكتاب والمؤرخين اليونان والرومان قد أشاروا إليها في كتاباتهم علي أنها واحة جوبتر ـ آمون‏,‏ نسبة الي وحي الإله آمون‏,‏ الذي كان موجودا بها‏,‏ كما ورد ذكرها في كتابات العرب تحت اسم سنتريه نسبة الي المدينة سنتربيه التي يتكلم أهلها اللغة السيوية‏.‏

ويربط سيوة بالواحات البحرية والسلوم والفيوم مجموعة من الطرق الصحراوية‏,‏ كما يربطها بمدينة مرسي مطروح طريق يعرفه البدو باسم درب المحصحص‏,‏ وهذا هو نفس الطريق الذي سلكه الاسكندر الاكبر لزيارة معبد الوحي للإله آمون‏,‏ ويربط سيوة بمنف طريق يمر عبر واحة ام الصغير ويخترق منخفض القطارة حتي يصل الي وادي النطرون ومنه الي منف‏,‏ ويعتقد البعض أن هذا الطريق قد سلكه الاسكندر الأكبر أثناء رحلة عودته من سيوة إلي منف‏,‏ رغم أنني اؤكد ان الاسكندر قد اخترق الصحراء الي الواحات البحرية‏,‏ وبعد ذلك سافر الي منف واستقر هناك شهرا كاملا‏.‏ ويعتقد البعض أن تاريخ سيوة يبدأ فقط مع بناء معبد الوحي للإله آمون‏,‏ ولكن تاريخ الجنة المفقودة يعود الي عصر ما قبل التاريخ‏,‏ حيث عثر علي بعض الأدوات الظرانية بها والتي تعود لفترة ما قبل التاريخ‏,‏ هذا ولم يعثر علي آثار تعود الي الفترات التاريخية والفرعونية‏,‏ وهذا يؤكد أن الوجود المصري لم يظهر خلال عصر الدولة القديمة والوسطي والحديثة‏.‏

ونستطيع القول إن اهم فترة ازدهرت فيها الواحات‏,‏ كانت خلال الاسرة‏26‏ والعصر الروماني‏,‏ وذلك لحدوث تحولات في العالم القديم تمثل اهمية خاصة‏,‏ من بينها تحركات أشور واحتلالها لمصر‏,‏ وربما كان ذلك دافعا قويا لحكام مصر للالتفات باهتمام لحدود مصر الغربية خاصة تأمين الحدود‏,‏ حيث انه من المعروف أنه كان هناك اتصال وثيق بين وادي النيل والواحات عموما‏,‏ خاصة الواحات البحرية وسيوة في هذه الفترة‏.‏

ويعد عصر الملك أحمس الثاني امازيس‏(569‏ ـ‏526‏ ق‏.‏م‏)‏ عصرا ذهبيا بالنسبة للواحات‏,‏ فقد كان يصبو للسيطرة عليها لأنها المفتاح الخارجي لمصر من الجهة الغربية‏,‏ خاصة طرق القوافل الذاهبة الي بلاد النوبة والسودان‏,‏ ومن أجل ذلك عمل علي أن تكون هذه النقاط الاستراتيجية والتجارية في الصحراء تابعة له‏,‏ ولذلك سعي أمازيس في أن يوليها عنايته واهتمامه‏,‏ ويعمل علي توفير الأمن والثراء في ارجائها حيث اقام الحصون لصد اعداء مصر من الحدود الغربية‏,‏ كما اقام أمازيس معبد الوحي‏.‏ واعتقد أن سيوة كانت مجهولة تماما للمصريين خلال العصور الفرعونية كما ذكرنا‏,‏ وان خط الدفاع الخلفي لمصر كان تتم حراسته عن طريق مرسي مطروح‏,‏ وقد عثر أخيرا علي تمثال جميل للقائد نب ـ رع‏,‏ الذي كان مسئولا عن القاعدة العسكرية التي تحمي مصر من الغزوات التي تأتي من ليبيا‏,‏ وسوف يعرض هذا التمثال بمدينة الاقصر من خلال معرض الجيش في عصر مصر الذهبي‏.‏

وتوجد في سيوة مجموعة من المقابر والتي ذكرنا أنها تقع في منطقة تعرف باسم جبل الموتي وتؤرخ بالفترة ما بين القرنين الرابع والثالث ق‏.‏م‏,‏ وتلك المقابر تمت اعادة استعمالها خلال العصرين اليوناني والروماني‏,‏ وهي تبعد بنحو كيلومترين عن مدينة سيوة‏,‏ وقد جاء هذا الكشف نتيجة هروب اهالي سيوة الي الجبل خلال غارات الحرب العالمية الثانية‏.‏

ومن أهم المقابر الموجودة بجبل الموتي‏,‏ مقبرة تعرف باسم مقبرة التمساح‏,‏ وقد عرفت بهذا الاسم نظرا الي تهشم اسم صاحب المقبرة ولاعجاب اهالي سيوة بمنظر التمساح الذي يمثل موقعا بارزا في المقبرة‏,‏ وكان قد عثر علي هذه المقبرة في عام‏1940‏ م وهي من أهم المقابر المنقوشة بالجبل‏,‏ وتزخر المقبرة بمناظر كتاب الموتي‏,‏ ومناظر أخري لصاحب المقبرة‏,‏ وهو يتعبد لبعض الآلهة‏,‏ وعلي جانب المدخل صور ثلاثة آلهة ممسكين بالسكاكين وذلك لغرض حماية صاحب الجثمان‏.‏

وكذلك يوجد بالموقع مقبرة سي ـ آمون وهي أهم وأجمل مقبرة في واحة بالصحراء الغربية‏,‏ عثر داخلها علي عدد كبير من المومياوات‏,‏ وتمثل هذه المقبرة التزاوج بين الفن المصري القديم والفن اليوناني‏,‏ ويبدو أن صاحبها من اصل يوناني تزوج من مصر واستقر بها‏,‏ ومن أهم مناظرها منظر قاعة محكمة أوزيريس‏,‏ ومناظر للإلهة نوت ربة السماء‏,‏ كما يوجد بالموقع مقبرة بي بر با تحوت‏,‏ وكان هذا الرجل كاهنا للإله لأوزيريس حصل علي لقب العظيم في مدينة العادل والمستقيم‏,‏ وبالمقبرة نص كبير عبارة عن نشيد موجه للإله تحوت‏,‏ الي جانب منظر لطقسة دينية تعرف باسم سحب الثيران الأربعة‏.‏

وأخيرا‏,‏ هناك مقبرة مسو ايزيس‏,‏ التي يوجد بها نص يصف الإله أوزيريس باسم الإله العظيم المبجل في ثات‏,‏ وربما يكون ثات هو الاسم القديم لسيوة‏,‏ كما يوجد أيضا المعبد الثاني للإله آمون في ام عبيدة‏,‏ وهو يقع بالقرب من معبد الوحي‏,‏ وتم تشييد هذا المعبد في عهد الملك نختانبو الثاني‏(360‏ ـ‏343‏ ق‏.‏م‏)‏ احد ملوك الاسرة الثلاثين‏,‏ إلا أن زلزال عام‏1881‏ م تسبب في تدمير هذا المعبد‏,‏ ومن اهم مناظر المعبد تصوير ون آمون حاكم سيوة راكعا أمام الإله آمون‏.‏ وعلي بعد نحو خمسة كيلومترات جنوب المدينة‏,‏ توجد مقابر منحوتة في الصخر في منطقة تعرف باسم جبل الدكرور‏,‏ اهمها مقبرة نحتت في وسط التل وبها ستة أعمدة ومدخلها تجاه الغرب‏,‏ كما توجد أيضا منطقة تعرف باسم منطقة الراقي تقع غرب الواحة‏,‏ وكانت مشهورة بخصوبتها ولاتزال مشهورة بجودة مراعيها‏,‏ وهذه المنطقة تضم عشرات المقابر المنقورة في الصخر‏,‏ وقد استوطن الاهالي هذا الموقع لفترة طويلة في العصرين الروماني والمسيحي‏,‏ كما يوجد بالمنطقة أيضا بقايا معبد شيدت اعمدته علي الطراز الدوري‏,‏ وهذا هو المعبد الذي كشفه العالم الألماني شتيندروف‏Steindorff,‏ الذي اعتقدت المغامرة اليونانية انه معبد الاسكندر الأكبر‏.‏ ويبدو أن اهالي سيوة كانوا متعصبين للواحة ولا يريدون دخول دين جديد للمنطقة‏,‏ ولذلك يعتقد أن المسيحية دخلت سيوة في القرن الرابع الميلادي‏,‏ وان كان لا يوجد دليل أثري يؤكد ذلك‏,‏ أما دخول الاسلام الي الواحة وبناء مدينة مشالي فهذا هو حديث مقالنا القادم بإذن الله‏.‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية
موضوعات في نفس الباب
~LIST~