ثقافة و فنون

42851‏السنة 128-العدد2004ابريل2‏12 من صفر 1425 هـالجمعة

المقهي الثقافي
رحل خوام‏..‏ وبقيت ترجمته الرديئة لمعاني القرآن الكريم‏!‏

أهاج خبر رحيل الكاتب الفرنسي‏(‏ من أصل‏)‏ سوري رينيه خوام‏(86‏ عاما‏)‏ جملة من الذكريات المرتبطة بفترة حياتي الباريسية التي امتدت نحو ثمانية عشر عاما والتي أتاحت مزاملتي له في المكتبة الوطنية التي تقع في أطراف الحي اللاتيني البعيدة وكنا نقضي فيها سحابة اليوم بأكمله‏.‏

واذكر أننا‏(‏ معشر الطلاب‏)‏ كنا في وقت الظهيرة ننتشر كالجراد في المقاهي والمطاعم الصغيرة القريبة من المكتبة لنقتات بعضا من طعام رخيص كانت تتباري هذه الحوانيت في تقديمه لأمثالنا من الطلاب الفقراء‏.‏

وذات يوم حشرت نفسي في زحام كان يغص به محل صغير لا يبيع غير سندوتشات الجبنة فابصرت رينيه خوام في الداخل منهمكا في شقتين‏:‏

الأول‏:‏ سندوتش يقبض عليه بيده اليسري ويلتهمه في شراهه وكأنه يخشي أن يخطفه منه أحد‏.‏

الثاني‏:‏ نسخة من القرآن الكريم قد بسطها أمامه وانبري يترجم في شراهة أيضا معانيها‏.‏

وعندما سألته‏:‏ أليس هناك مكان أكثر هدوءا من هذا المكان الصاخب ياسيد خوام لكي تقوم بترجمتك علي اكمل وجه؟

أجابني دون أن يكف عن قضم السندوتش او أن يتوقف كلمة عن الترجمة قائلا‏:‏

الوقت يمر بسرعة ياصديقي‏,‏ ولابد من تسليم مسودات ترجمة معاني القرآن خلال فترة قصيرة‏.‏

وعرفت بعد ذلك أن السيد خوام كان قد وقع عقدا مع إحدي دور النشر يلزمه بالانتهاء من الترجمة بعد عام واحد‏..‏ وعندما اكتشف فجأة أن نصف المدة قد مر دون أن يبدأ العمل انغمس ليل نهار في الترجمة حتي أنجزها في نحو ستة أشهر‏!‏

الخطير في الأمر أن ترجمة خوام لمعاني القرآن الكريم قد صدرت لاحقا في طبعة شعبية‏..‏ كنا نجدها بفرنكات زهيدة‏.‏ وسط الكتب الملقاة علي سور نهر السين رغم أنها واحدة من أسوأ الترجمات التي عرفها تاريخ ترجمة معاني القرآن الكريم‏..‏ فالرجل كما عرفناه وخبرناه لم يشعر أنه في حاجة إلي الرجوع إلي المعاجم أو القواميس ليس لأنه كان ملما بدقائق اللغتين العربية والفرنسية ولكن لأنه كان محشورا في الوقت‏,‏ ويريد أن ينتهي في أقصي سرعة من ترجمة معاني القرآن كي يتفرغ لترجمات أخري‏(‏ كانت تدر عليه دخلا وفيرا‏)‏ مثل ترجماته لنصوص من الأدب العربي الأباحي القديم‏!!‏

مايدهشني بحق هو أن ترجمة خوام المتعجلة لمعاني القرآن الكريم لم يتوقف عندها أحد ممن لقبوا انفسهم أوصياء علي كل ما يكتب عن القرآن الكريم باللغة الفرنسية بينما تخندقوا وتجيشوا ضد ترجمة المستشرق الكبير جاك بيرك رغم أن ترجمة خوام الرديئة هي الأوسع انتشارا أما ترجمة بيرك فلم يصدر منها سوي طبعتين كل طبعة أربعة الاف نسخة وسلخ جاك بيرك من عمره نحو‏20‏ عاما في ترجمتها مستندا إلي أمهات الكتب العربية‏,‏ وأحدث الدراسات اللغوية المقارنة لكي تكون اللفظة المترجمة أقرب إلي مدلولاتها البنيوية‏,‏ ومعانيها الصحيحة‏.‏

وكان يصر علي أن القرآن لايترجم‏,‏ وانما نحن نترجم المعاني والتفسيرات‏,‏ وعندما أراد أن يكتب مقدمة للترجمة لم يشأ أن يضعها في البداية وإنما أصر علي أن تكون في النهاية كتذييل والسبب كما كان يقول أن كلام الله لايجب ألا يكون مسبوقا بكلام بشر‏,‏ وقبل أن يموت أوصي أن توضع معه نسختان من القرآن الكريم ونسخة من ترجمة لمعانيه كي يلقي بهما وجه الله‏..‏

والسؤال الذي يلح علي خاطري ولا مناص منه هو التالي‏:‏

لمصلحة من هاجمنا جاك بيرك صديق العرب الذي كان يصف نفسه بأنه ضيف علي الاسلام وطعن البعض في ترجمته الأقرب إلي الدقة‏,‏ وغضضنا الطرف عن ترجمات سوقية تجارية ليس ترجمة خوام‏.‏ وأندريه شوراكي‏(‏ اليهودي‏)‏ إلا نموذجا فاضحا لها؟‏!‏د‏.‏ سعيد اللاوندي

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية
موضوعات في نفس الباب
~LIST~