تقارير المراسلين

42866‏السنة 128-العدد2004ابريل17‏27من صفر 1425 هـالسبت

قبل أن نقرأ نتائج انتخابات الرئاسة الجزائرية
نجاح بوتفليقة الساحق صفحة جديدة في كتاب دراما الديمقراطية‏!‏

رسالة الجزائر‏:‏ نصر القفاص
الرئيس الجزائرى عبدالعزيز بوتفليقة
كذب الساسة والمراقبون وإن صدفوا هذه حقيقة فرضت نفسها مع إعلان نتائج انتخابات الرئاسة في الجزائر‏..‏ فالفوز الساحق الذي حققه الرئيس الجزائري عبدالعزيز بوتفليقة لم يستطع أحد توقعه والهزيمة المنكرة التي لحقت بمنافسيه لم تراود أكثر رافضيهم للحظة واحدة‏..‏ لكن عندما يكون الشعب هو المعلم عبر صناديق اقتراع نزيهة وشفافة‏..‏ يجب الاعتراف والتأكيد أن الديمقراطية ليست بضاعة يمكن استيرادها سابقة التجهيز وفق منظور غربي‏,‏ حتي لو حملتها رياح قادمة من واشنطن‏.‏

انتهي الماراثون الانتخابي الطويل والشاق جدا في الجزائر‏..‏ بتجديد الثقة في الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة بأغلبية لامست رقم‏8%‏ بينما نال أبرز خصومه وأكثرهم شراسة‏,‏ وهو علي بن فليس الذي سبق له أن كان رئيس ديوانه ورئيس حكومته نسبة‏7%‏ ثم جاء الشيخ عبدالله جاب الله في المركز الثالث بنسبة تجاوزت‏5%‏ بقليل‏..‏ فالمرشح سعيد سعدي بنسبة‏1.93%‏ وبعدهم لويزة حنون بنسبة‏1%‏ وأخيرا علي فوزي رباعين بنسبة‏0.63%‏ وكانت النتائج مفاجأة مذهلة لانصار وخصوم الرئيس لكنها فيما بدا جاءت طبيعية بالنسب للشعب‏,‏ الذي انفجرت فرحته عارمة في شوارع وطن شاسع مترامي الاطراف‏,‏ تبلغ مساحته‏2.3‏ مليون كيلومتر مربع‏..‏ ليتأكد للجميع أن التصويت كان حالة انتخابية استبعدت الحسابات‏,‏ واستندت إلي الانجازات الملموسة علي الأرض‏..‏ فالرئيس الذي تعرض لواحدة من أشرس الحملات الصحفية والانتخابية ضراوة‏..‏ تصدت انجازاته لكل من حاول رسم علامات الاستفهام حول عهدته الرئاسية الأولي‏..‏ ليحقق انتصارا وصفه أحد المراقبين بأنه يصعب رسمه وتوقعه حتي بالتزوير‏!!‏ وأضاف موضحا أننا لو أعطينا بوتفليقة بطاقات التصويت وصناديق الانتخابات ما أعطي لنفسه هذه النسبة التي منحها له الشعب‏.‏

غير صحيح أن الحملة الانتخابية لرئاسة الجزائر انطلقت يوم‏18‏ مارس حسب موعدها الرسمي وغير صحيح أنها بدأت مع جولات الرئيس عبر ولايات الوطن‏.‏ فيما وصفها خصومه بأنها كانت حملة انتخابية مسبقة‏..‏ لأن الرئيس عبدالعزيز بوتفيقة عاش مرشحا منذ انتخابة رئيسا في أبريل من عام‏1999‏ فهو علي مدي خمس سنوات يواجه حملات تشكيك فيما يمكن ان يفعل ثم تصاعدت الحملات فيما يحقق من انجازات حتي انطلقت الحملة الضارية ـ بلا هوادة ـ في ماضية وحاضره ومستقبله‏,‏ منذ تفجر الأزمة بينه وبين رئيس حكومته السابق ـ علي بن فليس ـ لأن هذه اللحظة كانت الأساس الذي التف حوله جميع خصومه وأعدائه‏..‏ فكانت الشرارة التي حرصوا علي ان تلمس برميل وقود‏,‏ يستهدف تحويل انجازات وطموحات وخطط بوتفليقة إلي رماد وبرغم أهمية الدروس المستفادة من الانتخابات الرئاسية الأخيرة في الجزائر فإن الخلفيات التي سبقتها تبقي جزءا اساسيا وضروريا بصورة اختلفت عن النجاتيف تماما فإن كنا جميعا توقعنا نجاحا صعبا وبشق الأنفس للرئيس واحترامنا التوقعات التي أكدت ضرورة الذهاب إلي دور ثان بينه وبين أي من علي بن فليس أو عبدالله جاب الله فهذه كانت افرازات واقع كان يتحرك علي الارض‏.‏ واستندت إلي مفردات وأرقام تأخذنا بالضرورة إلي هذه التوقعات‏.‏ وهذا لاينفي أو يلقي أدني الظلال علي الحقيقة المؤكدة عقب إغلاق صناديق الاقتراع التي نختصرها في التأكيد علي نزاهة وشفافية الانتخابات الرئاسية‏.‏ لتكمل سلسلة انتخابات نزيهة جرت في عهد بوتفليقة فضلا عن استفتاء كان حقيقيا وشفافا حول العمود الفقري لسياساته بدا به عقدته الرئاسية الأولي وكان حول سياسة الوئام الوطني التي طرحها بقانون الوئام المدني وهو قانون استحوذ علي ثقة أكثر من‏98%‏ من الشعب‏.‏

أول اقتراع جري في عهد الرئيس القديم ـ الجديد كان عقب انتخابه في اجواء من الدراما الديمقراطية باعتبار أن خصومه انسحبوا عشية انطلاق التصويت إلا أن هؤلاء الذين تمسكوا برفضه لاسباب تاريخية تمتد جذورها إلي الفترة البومدينية حرصوا علي التشكيك في نتائج استفتاء‏16‏ سبتمبر‏1999‏ وتقبل بوتفليقة الأمر بأن عقد العزم علي الحرب في جبهتين احداهما جعلها للبناء والعمل والانجاز لصالح الشعب والثانية تمثلت في المواجهة ومناوشة الخصوم بين الحين والآخر‏.‏ وببراعة أكد أنه أهل لها نجح في توظيف كل ورقة متاحة أمامه‏..‏ بل إنه قلب أوراق التعثر التي اعترضت طريقه فجأة إلي أوراق نجاح ونقصد بها أزمات الطبيعة وغضبها متمثلة في كارثتي السيول والزلزال‏,‏ وكانتا وحدهما كفيلتين بأن تخصما من رصيده الكثير فإذا به قادر علي الاضافة لرصيده بمواجتهما بالقدرة نفسها التي واجه بها شبح الإرهاب الخطير الذي حرق مساحات كبيرة من الأخضر واليابس في البلاد‏.‏

كان بوتفليقة مع نهاية عام‏1999‏ في ذروة قوته بالثقة التي حصل عليها قانون الوئام المدني عبر البرلمان بغرفتيه وتأييد شعبي ساحق في الاستفتاء‏..‏ ثم امتلك تأييدا أوسع بانضمام عدد من الاحزاب إلي تأييده لتصل قائمة الاحزاب الاربعة التي زكته مرشحا للرئاسة إلي سبعة احزاب وكان ابرزهم حزب التجمع من أجل الثقافة الديمقراطية الذي يرأسه سعيد سعدي احد منافسيه في انتخابات‏2004,‏ مع اطلالة عام‏2000‏ تعرضت سفينة الرئيس لعواصف عنيفة من عدة جهات‏..‏ كان الإرهاب أخطرها عندما عاد ليطل قاسيا وقبيحا برأسه بين الحين والآخر اضافة إلي الضغوط التي مارستها الصحافة والنخبة السياسية ضده‏,‏ وقت أن كان لايملك أوراقا ولا فرصا ولا رجالا يعتمد عليهم‏.‏ فقد كان مكتوبا عليه أن يصنع أوراقه وفرصه ورجاله‏,‏ ويحقق انجازات مع التصدي لأمراض وأزمات المجتمع‏.‏ لذلك كان عاديا وطبيعيا أن يتعرض للضجر ويمكن القول بإنه اصيب بالاختناق فكان تصريحه الشهير الذي قال فيه إنني يوما بعد يوم أتيقن من دخولي مغامرة ما كنت أتوقع علي الاطلاق أنها كبيرة بهذا الحجم ثم ذهب إلي التلويح بالاستقالة لأكثر من مرة‏..‏ وربما كان ذلك سببا في تصعيد الحملات الصحفية والسياسية ضده‏,‏ أملا في أن يفعلها ويذهب‏..‏ وأذكر أن مسئولا كبيرا قطع ـ في حوار غير منشور معي ـ علي أنه لن يستطيع أن يكمل عهدته‏.‏ واستند في تفسيره لرؤيته‏,‏ بأن التركة أصعب من أن يحتملها بوتفليقة ولتحقيق أكبر قدر من الارباك لم تغلق بورصة التوقعات أبوابها‏,‏ حول علاقة الرئيس المتوترة بالمؤسسة العسكرية‏..‏ وكان المضاربون في هذه البورصة هم الذين رشقوه بتهمة أنه مرشح هذه المؤسسة بتأكيد أنها فرضته علي الشعب‏.‏ ثم تعرض الرئيس لضربة موجعة من أحمد بن بيتور أول رئيس حكومة في عهده عندما تقدم باستقالة كان نص خطابها قاسيا‏..‏ هنا اعتمد بوتفليقة علي أقرب أهل الثقة إليه وهو علي بن فليس فنصبه رئيسا للحكومة‏.‏ برغم أن حزبه ـ جبهة التحرير ـ كان يمثل الاقلية في البرلمان‏..‏ واستبعد خيار أحمد أويحيي الذي كان يتزعم حزب التجمع الوطني ـ الأغلبية آنذاك ـ وشرع في تشكيل الخريطة السياسية مع اقتراب موعد الانتخابات البرلمانية والمحلية‏..‏ لكن العواصف حملت له ما لاتشتهيه سفنه‏..‏ قد كانت غضبة الطبيعة الأولي‏.‏ حيث وقعت كارثة السيول التي راح أكثر من ألف قتيل ضحايا لها‏..‏ اضافة إلي آلاف الجرحي وخسائر مادية بمئات الملايين من الدولارات‏..‏

وأملا في تجاوز هذه المحنة قرر تطويق ومعالجة الجرح الجديد‏,‏ بمشروع الانعاش الاقتصادي‏..‏ ثم أجري انتخابات برلمانية نزيهة وشفافة‏,‏ أعادت حزب جبهة التحرير للواجهة بعد أن استمر قابعا في الظل لأكثر من عشر سنوات‏..‏ واستعاد اغلبيته بتفوق غير عادي شكل مفاجأة مذهلة‏..‏ ويري بعض المراقبين أن نتائج هذه الانتخابات وتأكدها بالتطابق في الانتخابات المحلية كانت الشرارة التي أشعلت تطلعات علي بن فليس لأن يكون رئيسا للبلاد‏.‏ وبالتالي اشعلت الأزمة بينه وبين رئيس لم تمهله الطبيعة فرصة يعيد خلالها ترتيب اوراق هذه الأزمة السياسية جسدها الزلزال العنيف الذي حصد أرواح ألفي قتيل وهدم مدينة بأكملها ـ يلزم التنويه إلي أن بوتفليقة حصل علي أعلي الاصوات فيها خلال انتخابات الرئاسة في إشارة لحجم انجازه‏.‏

وفي الخلفية كانت نار أزمة القبائل مستعرة ومشتعلة‏..‏ فكلما خطا خطوة نحو اخمادها ما تلبث ان تخرج ألسنة لهبها‏..‏ واستخدمها خصومه سوطا لجلد عهدته وانجازاته بها‏..‏ لكنه كان قادرا علي التعاطي مع هذه الازمة بالمراوحة بين الاقتراب منها والابتعاد عنها لثقته في أنها جبهة يراد له الانغماس فيها والانشغال بها‏,‏ للحد الذي يأخذه عن كل ازمات البلاد‏..‏ ويشغله عن اجندة فيما يبدو أنه كان حريصا علي تنفيذ بنودها‏,‏ بكل ما أوتي من امكانيات وصبر وانفعال‏!!‏ فلم يبلع هذا الطعم وان كان قد ظهرت عليه امارات مرارته‏!!‏ ولأن سعيد سعدي انقلب عليه منذ اندلاع أزمة القبائل ثم استخدمها كل خصومه ـ بما فيهم المحتملون ـ لحرق أوراقه القديمة والجديدة‏..‏ فما كان من الرئيس غير المضي للامام دون اكتراث بالضجيج وكأنه عقد العزم علي الانتهاء من ترجمة خططه‏..‏ غير مكترث بالنتائج في المزاد العلني المفتوح امام الشعب‏..‏ ولعله أكد ذلك بقوله خلال الحملة الانتخابية الجزائر في حاجة إلي رئيس تنتخبه أغلبية الشعب حتي يكون له مصداقيته في الداخل والخارج أما غير ذلك فمن الاحسن له أن يبقي في بيته ثم طرح معادلة قلبت الموازين برغم بساطتها من أراد الاستقرار فأنا مستعد للاستمرار ومن أراد الذهاب إلي المجهول فله ذلك وبرغم أن الحسابات النظرية كانت تشير إلي ضعف التحالف الرئاسي الذي تشكل لمناصرته إلا أن الواقع والنتائج أكدت أن قوة التحالفات التي تشكلت معه وضده كانت تأخذ قوتها من قوته‏,‏ بمعني أن الاحزاب التي تؤيده تجني ثمارا‏,‏ اما التي تختار خصومته فعليها قبول ارقام الخسائر التي تتعرض لها‏.‏ وما نتائج الانتخابات الرئاسية إلا تأكيد لذلك‏.‏ لأن الرئيس الذي ذهب لانتخابات الرئاسة عام‏2004‏ كانت تؤيده احزاب تحالف تملك أكثر من‏161‏ نائبا في البرلمان‏..‏ بينما الذين واجهوه كان يؤيدهم‏210‏ نواب بينهم‏160‏ نائبا في خندق منافسه علي بن فليس فإذا بالشعب يتجاوز خياراته نحو نواب البرلمان ليذهب طائعا مختارا مناصرا في صمت صاخب الرئيس الذي استمر يقاوم ويعمل في بحر من الازمات والعواصف طول السنوات الخمس وتحمل تركة ثقيلة تضاعفت بأزمات طبيعية ومصنوعة بين العاصمة ـ السيول ـ وبومرداس ـ الزلزال ـ وبجاية وتيزي وزو والبويرة ـ القبائل ـ دون داع لذكر فضيحة الخليفة الاقتصادية وهي وحدها كانت كفيلة باشعال النار في رماد ساخن‏.‏ لكن براعة بوتفليقة أهلته إلي الوصول إلي شاطئ العهدة الثانية ليرسو فوق جزيرة غير مسبوقة من الثقة والتأييد‏.‏ وكأن الشعب الجزائري قد أراد تكرار درس انتخابات‏1991‏ الملغاة ولكن علي نحو آخر وفي اتجاه مغاير تماما ومن هنا يمكن أن نبدأ القراءة لنتائج انتخابات الرئاسة الجزائرية الأخيرة في صفحاتها المهمة التي تشمل الاحزاب والجيش والرموز والصحافة والشارع والرئيس‏.‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية
موضوعات في نفس الباب
~LIST~