ملفات الأهرام

42820‏السنة 128-العدد2004مارس2‏11من محرم 1425 هـالثلاثاء

التنمية الزراعية بين الماضي والمستقبل
بقلم : د‏.‏ صلاح طاحون

من الواجب ان يختلف تناول القضايا الزراعية في القرن الحادي والعشرين عما سبق‏,‏ فالعصر الحاضر هو عصر الضغوط البشرية علي الموارد الطبيعية وثورة المعلومات وثورة التوقعات‏.‏ وفي هذا السياق يمكن نمذجة الأنشطة الزراعية بسلسلة طويلة يقع علي أحد طرفيها منتجو البذور والمعدات والآلات والكيماويات‏,‏ وعلي الجانب الآخر محترفو عمليات الحصاد والفرز والتجهيز والتعبئة والنقل والتخزين ومحلات البيع للمستهلكين‏.‏ وترتكز السلسلة فيما بين طرفيها علي المزارع الحقلية‏,‏ ومزارع الحيوانات التي تنتج المواد الخام اللازمة لتقابل كميا ونوعيا احتياجات بشرية متزايدة‏,‏ في حدود تتقبلها النظم والأعراف الاقتصادية والاجتماعية والبيئية‏.‏ ويتطلب بناء التوازن بين مكونات الأنشطة الزراعية جهدا و فكرا يعي دروس التاريخ ويستشرف المستقبل‏,‏ وهو ما سنحاول بيانه‏:‏

اولا‏:‏ قراءة تاريخية
بدأت الزراعة المصرية الحديثة بأعمال محمد علي والخديو اسماعيل حين أنشئت شبكة مائية ليس لها سابقة تمد القري بما تحتاجه من مياه الري‏,‏ وتم توفير وعاء من الخبرات والمعارف‏,‏ واقيمت بنية تحتية لتصنيع المنسوجات القطنية و السكر‏.‏ وأدت هذه الجهود إلي زيادة مساحة زمام الأراضي من مليوني فدان في بداية القرن التاسع عشر إلي‏3.8‏ مليون فدان في منتصفه إلي‏5.2‏ مليون فدان في نهايته‏,‏ وزادت المساحة المحصولية المقابلة من‏2‏ إلي‏5.5‏ إلي‏8.6‏ مليون فدان لسنوات المقارنة السابقة‏.‏ وسمحت هذه الزيادات بنمو سكاني مطرد وصل بعدد السكان إلي عشرة ملايين نسمة في أواخر القرن التاسع عشر‏,‏ وظهور طبقة من كبار الملاك تميزت بالاستنارة‏,‏ فنشرت مجلة تستهدف التعريف بالمفردات العلمية‏,‏ واقامت محطة بهتيم للتجارب الزراعية التي تعتبر خامس اقدم محطات العالم‏.‏
وأحست الحكومة في أوائل القرن العشرين بالحرج لغيابها مؤسسيا عن الساحة الزراعية‏,‏ خاصة أن الزراعة كانت تستوعب‏70%‏ من العمالة وتقدم‏50%‏ من إجمالي الدخل القومي‏,‏ فأنشأت وزارة للزراعة في عام‏1913‏ تتكفل بإجراء البحوث وتوفير التقاوي ومقاومة الآفات ومعاونة الفلاح الصغير‏.‏ وتركزت جهود الوزارة علي القطن‏,‏ فكونت مجلس بحوث القطن من خبراء التربة والخدمة والتسويق والتصنيع‏.‏ وترافقت هذه الجهود مع مشروعات أخري فأقيم خزان أسوان‏,‏ وادخل نظام الصرف المغطي لأول مرة في العالم العربي وأفريقيا‏,‏ وتم استصلاح نحو‏600‏ ألف فدان في تخوم الوادي والدلتا‏.‏

وشهد النصف الثاني من القرن العشرين زخما كبيرا في اعمال وزارة الزراعة تشريعيا وفنيا‏.‏ فصدر قانون الاصلاح الزراعي عام‏1952‏ لمعالجة تشوه توزيع ملكية الأراضي الزراعية‏,‏ حيث صودر ما يقرب من نصف مليون فدان من كبار الملاك‏,‏ ووزعت علي بعض معدمي الريف لكل منهم خمسة أفدنة‏.‏ وتحوط واضعو القانون للآثار السلبية المرتقبة لتفتت الحيازات بمادتين اساسيتين‏:‏ الأولي تجمع المنتفعين في جمعيات تعاونية تستبقي مزايا الانتاج الكبير‏,‏ والثانية تقصر توريث الحيازة المكتسبة علي أحد ابناء المستفيدين‏.‏ وعلي المستوي الفني اتسع مجلس بحوث القطن إلي مركز البحوث الزراعية الذي يضم معاهد متخصصة تغطي مختلف أوجه البحوث العلمية‏.‏
وتم في نفس الحقبة إنشاء السد العالي الذي يصفه بعض الخبراء بأنه اعظم انجازات هندسة الري في عالم القرن العشرين‏.‏ ويشهد التاريخ ان فكرة التخزين المستديم لمياه النيل كانت متداولة في ملفات وزارة الاشغال منذ عام‏1946.‏ غير أن الانصاف يقضي بأن ينسب السد العالي إلي جمال عبدالناصر الذي حول الفكرة إلي بناء راسخ حقق حلما مصريا قديما لاستئناس النيل‏.‏ ومع توافر المياه وشبكة مائية تمتد بطول‏40‏ ألف كيلو متر أمكن تنفيذ برنامج طموح لاستصلاح الأراضي‏,‏ حتي بلغت مساحة الزمام حاليا نحو‏8‏ ملايين فدان والمساحة المحصولية نحو‏14‏ مليون فدان‏.‏ واضافة إلي ذلك‏,‏ زاد معدل التكثيف الزراعي باطراد ميكنة بعض العمليات الزراعية‏,‏ واستحداث الزراعة في الصوب‏,‏ واستعمال سلالات وراثية ذات مؤهلات انتاجية عالية أو مقاومة للظروف البيئية غير المواتية‏.‏

ثانيا‏:‏ اختلالات زراعية
ومع كل اشراقات الزراعة المصرية المعاصرة‏,‏ فإن المدقق المحايد سوف يتبين خمسة اختلالات هيكلية في أدائها القومي منذ بداية الربع الأخير للقرن العشرين‏.‏ أول هذه الاختلالات هو تفاقم مشكلة الأمن الغذائي‏,‏ حيث عجز الناتج المحلي عن تلبية احتياجات السكان سنة بعد أخري‏,‏ فتم استيراد مواد غذائية رئيسية منها القمح والفول والزيت والسكر ومكونات علف الحيوان‏.‏ ولا تخفي خطورة هذا الاستيراد علي كل من الأمن القومي وميزان المدفوعات‏,‏ بعد أن تجاوزت الكميات المستوردة أحيانا‏50%‏ من اجمالي الاستهلاك‏.‏ والاختلال الثاني‏,‏ هو فقد مساحة تربو علي مليون فدان من اخصب أراضي الوادي والدلتا‏(‏ وهي قياسيا اخصب اراضي العالم‏)‏ بفعل التوسع العمراني‏.‏ وقد تضافرت علي تسبيب هذه الخسارة الفادحة‏,‏ تفتيت الملكية الزراعية لتزايد السكان‏,‏ والتغاضي عن تطبيق قانون الاصلاح الزراعي في هذه الجزئية‏,‏ ففقدت الحيازات القزمية جدارتها كوحدة زراعية لصالح وحدة سكنية‏.‏ ومن جهة أخري تجمدت الحدود الإدارية للمحافظات داخل الحيز المعمور منذ عصر محمد علي‏,‏ دون اعتبار لتضاعفات عدد السكان وحراكهم الاجتماعي‏,‏ فضاقت بالناس سبل السكن فلم يجدوا غير الأراضي الزراعية للبناء عليها‏.‏

والاختلال الثالث‏,‏ هو توالي ارتفاع تكاليف الانتاج الزراعي وتكاليف استصلاح الأراضي‏,‏ بما أدي ويؤدي إلي نشوء موجات تضخمية في السوق المحلية تهدد استقرار المجتمع‏,‏ وتقلل تنافسية المنتجات الوطنية تصديريا‏.‏ والاختلال الرابع هو تفشي الفقر في المناطق الريفية خاصة محافظات المنيا واسيوط وسوهاج‏,‏ حيث يوجد في بعض قراها نماذج حية للفقر المدقع‏.‏
والاختلال الأخير‏,‏ هو التلوث البيئي الناتج عن الزراعة‏,‏ وهو تلوث تعوزه قياسات موثقة فلا يمكن توصيفه كميا وإن كان ظاهرا للعيان‏,‏ ومثال ذلك السحابة السوداء التي اجتاحت القاهرة في السنوات الأخيرة‏.‏ ومع التسليم بسوء السحابة السوداء فإن التلوث البيئي بمخلفات الأسمدة والمبيدات يعتبر أشد خطرا‏.‏ ويضاعف من خطورة هذه المركبات غياب الشروط المرجعية لاستعمالها الآمن بما يفتح بابا واسعا لأخطار متخفية تهدد الصحة العامة‏,‏ وتقلل قدرة المنتج الزراعي علي المنافسة التصديرية‏.‏

ثالثا‏:‏ بدائل للمستقبل
وترجع معظم اختلالات الزراعة المصرية الحالية لعدة أسباب‏:‏ لعل أهمها تلك الرؤية الضبابية للتفاعلات المتبادلة بين الموارد الطبيعية من جهة‏,‏ وكل من الموارد البشرية والتكنولوجية من جهة أخري‏.‏ وتسبب غياب مقومات الرصد والتحليل والتنبؤ واجراءات الطوارئ في عدم اتساق بعض السياسات أحيانا وعدم استمراريتها أحيانا أخري‏.‏ وقد آن الأوان لإعداد استراتيجية جديدة تؤكد علي توجهين رئيسيين‏:‏ التوجه الأول يقضي بالمحافظة علي الموارد المتاحة وتعظيم الاستفادة منها‏,‏ والثاني يقضي بتبادل الدعم مع الأنشطة الاقتصادية المختلفة لزيادة القيمة المضافة‏.‏ ويتطلب نجاح تنفيذ هذين التوجهين اعادة تقسيم مصر اداريا لتتوافق خريطتها الديموجرافية مع خريطتها الجغرافية‏.‏ وفي هذا السياق يجوز أن نتصور منطقة الوجه البحري وسيناء مكونة من أربع أو خمس محافظات لكل منها ظهير صحراوي‏,‏ والوجه القبلي من خمس أو ست محافظات تمتد حدود كل منها من البحر الأحمر شرقا إلي الحدود الليبية غربا‏.‏ وليس بالضرورة أن تكون الزراعة هي النشاط الاقتصادي القائد في كل محافظة‏,‏ بل يمكن أن تكون مساعدة للصناعة أو التعدين أو السياحة‏.‏ ويرتبط بهذه المفاهيم وضع خريطة قومية لاستعمالات الأراضي طبقا لمعطيات محلية ووطنية ودولية‏.‏

وعلي السياسة الزراعية في جميع الحالات أن تقر بما أجمع عليه اقتصاديو اليوم‏,‏ بأن الانتاج الزراعي الخام بحساب أسعار المزرعة ليس مجديا اقتصاديا‏.‏ ومن هنا نتساءل عن جدوي زراعة فدان في منطقة توشكي بلغت تكلفته الاستثمارية نحو خمسين ألف جنيه‏,‏ واقتصاديات قرية في ربوع مصر النيلية زمامها ألف فدان يتعيش عليها ثمانية آلاف نسمة بزراعة القمح والأرز والقطن والبرسيم وبعض الخضراوات وتربية قطيع محدد من الحيوانات‏.‏
وللإجابة علي هذا التساؤل‏,‏ قد يكون أحد السيناريوهات المطروحة لفدان توشكي هو اقامة مجمعات الزراعة الصناعية‏.‏ ويمكن علي سبيل المثال انتاج نباتات طبية وعطرية بالزراعة النظيفة‏,‏ وتقام في نفس الموقع مصانع للأدوية والعطور تستخلص وتصنع المواد الفعالة إلي منتجات ذات مواصفات عالمية تتولي تسويقها شركات متخصصة إلي مختلف دول العالم‏.‏ أما القرية فيمكن مضاعفة دخلها أربع مرات من خلال جمعية تعاونية تزرع تركيبا محصوليا متكاملا‏,‏ وتتبني الصناعات المعروفة في العالم باسم صناعات الكوخ كصناعة الألبان والمربات وتعبئة الخضراوات والفاكهة‏,‏ وتقوم بأنشطة إضافية مثل انتاج التقاوي والسلالات الموثقة‏,‏ وتربية نحل العسل ودودة الحرير والأسماك‏,‏ وتصنيع وتجميع الآلات الزراعية‏.‏ ويتم الانتاج بمراعاة مقاييس الجودة وتدوير المخلفات في عمليات الانتاج‏,‏ وبذلك يقل التلوث البيئي بالأسمدة والمبيدات وتنعدم السحابة السوداء من المنبع‏.‏ ويخدم هذه العمليات بحث علمي ملتزم يستهدف توليد وتنمية ونشر تكنولوجيات وطنية تتقبلها نظم الانتاج فنيا وتتحملها اقتصاديا‏.‏ والمرجح أن يعيق تنفيذ هذا السيناريو انتشار حيازات قزمية لا تتجاوز مساحاتها بضعة قراريط‏,‏
وهنا قد يتدخل الصندوق الاجتماعي وبنك التنمية الزراعي بقروض طويلة الأجل لتجميع الحيازات‏,‏ فيما لا يقل عن فدانين في مرحلة أولي‏,‏ ترتفع إلي خمسة أفدنة في مرحلة تالية بعد توافر فرص العمل البديلة‏.‏
والهدف الكبير للاستراتيجية الزراعية المنشودة هو تعظيم العائد من الموارد المتاحة في حدود التحمل الآمن للنظم البيئية‏,‏ لتجميع كتلة حرجة لاقتصاد كبير تتوالد فيه فرص العمل ومصادر الدخل تلقائيا‏.‏ ويبدو أن تحقيق هذا الهدف يتطلب انشاء وعاء مؤسسي جديد يتفاعل عن قرب مع آليات الانتاج المستحدثة‏,‏ ويتكفل بدعمها من خلال التشريعات والتوثيق والضوابط والائتمان والتأمين والتسويق والبحث العلمي‏.‏

ومن الواضح ان مسئوليات هذا الوعاء تتداخل بشكل كبير مع المسئوليات الحالية لوزارات الزراعة والتموين والتنمية المحلية‏.‏ فهل يمكن تلخيص وتوحيد هذه الوزارات الثلاث في وزارة للتنمية الريفية علي طريق تحديث مصر للتوافق مع القرن الحادي والعشرين؟

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية
موضوعات في نفس الباب
~LIST~