الكتاب

42836‏السنة 128-العدد2004مارس18‏27 من محرم 1425 هـالخميس

معضلات عصرية
حول مؤتمر الإسكندرية
بقلم‏:‏ محمد سيد أحمد

شيء جديد يولد في مصر‏..‏
لا أستطيع أن أتفاءل فقط‏..‏ ولكن لا أستطيع أن أتشاءم فقط أيضا‏...‏
حضرت المؤتمر الذي انعقد هذا الأسبوع بمكتبة الإسكندرية‏,‏ تحت عنوان قضايا الإصلاح العربي‏,‏ الرؤية والتنفيذ‏,‏ وعشت الآمال الكبيرة المعلقة علي إحساس عارم بواقع جديد في سبيلة إلي فرض نفسه‏..‏ أصبحنا بصدد موجة تنهمر‏,‏ وتتدفق‏,‏ ولاتقاوم‏..‏ وصفتها صحيفة الحياة بـرغبة في التغيير بلغت الذروة‏..‏

وثمة تسليم من قبل الجميع بـأن الانغلاق انتحار‏!..‏
لقد انبثقت حركة من قلب الجماهير الغاضبة‏,‏ التي تلح في مطالبتها بـالديمقراطية‏..‏
مازالت وسائل الإعلام متمسكة بتقاليدها العتيقة‏..‏ مازالت تنشر عما جري في مؤتمر الإسكندرية طوال يومي‏13‏ و‏14‏ مارس الماضيين وكأنما هو حدث كأي حدث‏..‏ ولاحديث أننا ربما بصدد منعطف خطير‏,‏ وعلامة طريق ذات أهمية قصوي‏,‏ تحدد للمستقبل ملامح ليست هي تلك التي تخيلها الفرقاء جميعا‏,‏ كل من زاويته في الرؤية‏..‏

قال اسماعيل سراج الدين‏,‏ مدير مكتبة الاسكندرية وهو يفتتح المؤتمر‏,‏إن حرية إبداء الرأي مكفولة لجميع المشاركين دون تحفظات‏,‏ وإن المحاور الأربعة التي سوف تدور المداولات حولها ــ المحور السياسي‏,‏ والاقتصادي‏,‏ والاجتماعي‏,‏ والثقافي ــ سوف تنعقد في غرف مغلقة‏,‏ ولكن علي أن تجري المناقشات فيها بكل ما في القلوب وبكامل الصراحة‏..‏ وكان ذلك أبرز سمة ميزت المؤتمر‏,‏ وأفضي ذلك إلي مصارحة ومكاشفة وشفافية في تبادل الآراء والمقترحات غير مسبوقة‏..‏ وهذا ربما أعظم إنجازات المؤتمر‏..‏
مخطط دولي يستوجب ردا
لقد انطلق الفرقاء ـــ علي اختلاف رؤاهم ــ من المقدمات نفسها‏..‏ الكل يسلم بأن هناك حاجة ماسة إلي الإصلاح‏..‏ وأن يكون لهذا الإصلاح رؤية‏..‏ ولكن لا يمكن القول بوجود وضوح مماثل فيما يتعلق بكيفية التنفيذ‏..‏

ثمة إجماع فيما يتعلق بالعموميات‏,‏ ولكن لا إجماع مماثلا فيما يتعلق بالخصوصيات‏..‏
فعلي الصعيد الدولي خصوصيات ذات معالم محددة لاتحتمل التجاهل أو الإنكار‏..‏ لقد خرجت إدارة بوش الأمريكية بمشروع الشرق الأوسط الكبير‏..‏ ودعت الاتحاد الأوروبي ليكون شريك الولايات المتحدة في هذا المشروع‏..‏ وما يميز أمريكا وأوروبا في المشروع‏,‏ كما جاء في ورقة العمل‏,‏ هو أنهما الطرفان المنظور إليهما علي أنهما الفاعلان في المشروع‏,‏ بينما البلدان العربية المنتمية إلي الشرق الأوسط الكبير‏,‏ فإنها أطراف يشكلون في نظر مؤسسي المشروع ما يمكن وصفهم بـالمفعول بهم‏..‏ إنهم‏,‏ في نظر هؤلاء‏,‏ منبت الإرهاب الدولي وملاذه‏,‏ ومصدر تخزين وربما أيضا استخدام أسلحة محظورة للدمار الشامل‏.‏

رد عربي
كان لابد أن يكون للعالم العربي رد علي هذا البناء الجديد للنظام العالمي‏..‏
بل كان لابد أن يكون لمصر علي وجه التحديد رد‏,‏ بوصفها الدولة العربية التي من شأنها ــ شاءت أم أبت ــ تحمل عبء تقرير الكثير في مجريات الأمور التي أخذت ملامحها علي الصعيد العالمي تتحدد وتتبلور‏..‏

ثم لم يكن لمصر من خيار غير أن تتحرك بسرعة‏..‏ مع حلول موعد مؤتمر تونس لتقرير موقف عربي مشترك‏..‏ وقبل أن يتقرر للدول الصناعية الثماني الكبري موقف‏..‏بل قبل أن يتقرر لحلف الناتو موقف‏..‏ وقبل أن يكون للمجتمع الدولي برمته موقف‏..‏ وهذه قضية مصير لايمكن إسقاطها من الحساب قط‏..‏
كان لابد من تدبير حال مصر وحال العرب علي وجه السرعة‏..‏ حتي لو لم تكتمل كل إجراءات الإعداد‏..‏ كان لابد من الحيلولة دون أن يكون ما يجري تدبيره علي المستوي الدولي سببا في النيل من استقرار الحال علي الصعيد الإقليمي‏,‏ وتحديد كيف يكون التغيير ـــ والإصلاح ــ حسب رؤية الأطراف الإقليمية‏,‏ وليس بمقتضي رؤية مفروضة من الخارج‏..‏

وقد لفت إسماعيل سراح الدين النظر إلي أن الرئيس مبارك قد افتتح المؤتمر بعيدا عن صفته كرئيس للدولة‏,‏ وبصفته مفتتحا لمنتدي للمجتمع المدني‏..‏
ولهذا السبب لم يدع للمؤتمر العديد من الوزراء والشخصيات الرسمية‏,‏ وقد اقتصر الحضور علي المدعوين للمشاركة في المناقشات بصفتهم ممثلين لتيارات مختلفة للمجتمع المدني‏..‏ وقد حمل هذا ضمنا تأكيدا لمعني ان الإصلاح ليس مقيدا بالممارسات السياسية التي استقرت طوال سنوات نظام سادت فيه قوانين استثنائية‏..‏ بل المطلوب بث روح جديدة تتعارض مع اتخاذ سلاح القمع سبيلا لفرض النظام‏,‏ وهذا هو المعني الضمني ــ والرمزي ــ في القرار بمنع حبس الصحفيين ــ أو غيرهم من المواطنين ــ الذين يرتكبون مخالفات تتعلق بالنشر‏..‏

قصور في التمثيل
كان التيار الذي حازت مقترحاته علي أكبر قدر من التأييد هو التيار الليبرالي‏..‏ وكان التيار الذي عاني من قلة ممثليه‏,‏ رغم وجوده المنتشر في المجتمع ــ وفي الشارع ــ هو التيار الديني‏..‏ هل البرنامج الذي تقدم به مرشد الإخوان المسلمين الجديد في مؤتمر صحفي عقد بنقابة الصحفيين دون إذن من السلطات يعتبر مبررا كافيا لتغييب هذا التيار‏,‏ وحرمانه من المشاركة في المؤتمر؟‏..‏ فإذا سلمنا بأن مطالب المؤتمر وارد وضعها موضع التنفيذ‏,‏ ومنها إسقاط حالة الطواريء كوسيلة لإدارة شئون البلاد‏,‏ علينا التسليم بحقيقة لامهرب منها وهي أن جميع التيارات الفكرية في المجتمع عليها أن تحظي بحقوق متكافئة في التمثيل‏..‏
ثم هناك القصور في التعرض لبعض القضايا‏..‏ فإن مشروع الشرق الأوسط الكبير مشروع لايخاطب المصريين بمعزل عن بقية العرب‏,‏ بل يخاطبهم في ظرف بلغت فيه مأساة الفلسطينيين ذروة‏,‏ وفي ظرف مازال الشعب العراقي يعاني فيه ويلات الحرب التي قاسي منها الأمرين‏..‏ فمن المستحيل أن يتحقق الاستقرار والحرية لمصر والقضية الفلسطينية في طريقها إلي التصفية لا التسوية‏,‏ والعراق في طريقه إلي التجزئة والانقسام‏,‏ وربما حتي الحرب الأهلية‏..‏ ولابد من التسليم بأن مداولات المؤتمر لم تشمل رؤية للقضايا العربية المتفجرة تستند إلي مثل هذا المنظور‏.‏

لقد حرص منظمو المؤتمر ــ في معرض إدانة محاولات فرض إصلاحات علي مصر من الخارج ــ علي تأكيد معني أن السلطات قد بادرت بعقد المؤتمر انطلاقا من دوافع مصرية خالصة‏,‏ وبغض النظر عن المخططات الخارجية الجاري وضعها موضع التطبيق حاليا علي قدم وساق‏..‏ واعتقد أن الظرف يستدعي عدم التهوين من شأن هذه المخططات‏,‏ وطرحها كتحد لايقل أهمية عن التحديات الناشئة مما في الأوضاع الداخلية من مثالب‏...‏

تحديـــــان
هناك في الحقيقة تحديان يتعين طرحهما علي قدم المساواة‏..‏ تحد للديمقراطية يأتينا من أوضاعنا الداخلية‏,‏ وتحد تأتينا من الخارج وتصور عن الديمقراطية بمقتضي تصورات مفروضة من الخارج‏..‏ ان تصور الديمقراطية حسب صياغات مستوردة من الخارج يهمل القضايا القومية‏,‏ وعلي رأسها القضية الفلسطينية‏,‏ لب النزاع في المنطقة وجوهره‏..‏ وتصور الديمقراطية في إطار الواقع المصري البحت يروج لموقف ليبرالي يطرح قضية الديموقراطية فقط في منظور لاتعترض عليه أمريكا ولكنه يغفل خصوصياتنا وخصائصنا القومية‏..‏ إن الديموقراطية التي ننشدها هي ديمقراطية تتجنب العيبين معا‏..‏
إن الديمقراطية التي ننشدها هي الديموقراطية التي تستمد خصوصيتها من تجنبها هذين العيبين في آن واحد وعلي حد سواء‏..‏ هي الديمقراطية التي تزدهر دون ما حاجة إلي أحكام عرفية وقوانين استثنائية لتجنيبها المطبات‏..‏

وليس هذا بالأمر الذي يتحقق تلقائيا وبشكل سلس بعد عهود طويلة من فرض صور شتي من التشريعات الاستثنائية‏,‏ وتخوف الناس من إعمال ما أصبح معترفا لهم من حريات‏..‏ إن ممارسة الديمقراطية بحاجة الي تدريب‏..‏ تدريب لايحتاج إليه موظفو الدولة وحسب‏,‏ وإنما أيضا المواطن العادي‏..‏ بل كل عضو في المجتمع‏..‏ بعيدا عن شتي صور التطرف‏,‏ لا التطرف الديني وحده‏..‏
ان الديمقراطية مناخ عام‏,‏ نقيض المناخ العام القائم علي الخوف والقمع وإرهاب الدولة ومختلف صور الاستبداد‏..‏ إنه نوع من العقد الاجتماعي الذي يحل قوة القانون محل قانون القوة‏...‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية
موضوعات في نفس الباب
~LIST~