|
|
|
الكتاب
| 42836 | السنة 128-العدد | 2004 | مارس | 18 | 27 من محرم 1425 هـ | الخميس |
|
أوراق ثقافية أزمــــــة مــــبــادرات الإصلاح العربية بقلم السيد يسين
|
|
 |
تري هل يكون الرد العربي علي مشروع الشرق الأوسط الكبير الأمريكي هو مجرد الرفض علي اساس أنه لايمكن قبول الإصلاح من الخارج, أم أن هناك ضرورة قصوي لصياغة مخطط عربي للاصلاح السياسي والاجتماعي والشروع في تنفيذه؟ ليس هناك خلاف حول ضرورة تجاوز نقد المشروع الأمريكي للاصلاح, وذلك ببلورة فكر اصلاحي عربي أصيل يضع في اعتباره اختلاف طبيعة النظم السياسية العربية السائدة وتفاوت درجات النضج الاجتماعي والثقافي فيها, مما يحتم أن يكون إيقاع خطوات الاصلاح مختلفا من بلد لآخر.
وليست هذه الملاحظة المهمة تبريرا للتلكؤ في الاصلاح الذي قد لاترحب به بعض النظم السياسية العربية, ولكنها تشير إلي ضرورة النزول عند مقتضيات الواقع الاجتماعي والثقافي. فما يمكن لمصر أن تتخذه من خطوات اصلاحية ـ علي سبيل المثال ـ يختلف بالضرورة عما يمكن للسعودية أن تتخذه وضعا في الاعتبار الاختلاف في التاريخ الاجتماعي والسياسي لكل بلد. ومع كل ذلك كنا نأمل أن يكون الرد العربي علي مشروع الشرق الأوسط الكبير مبنيا علي اساس تفكير منهجي, يكون حصيلة دراسات متعمقة قام بها خبراء سياسيون واستراتيجيون عرب, مستفيدين في ذلك من الأبحاث الرصينة التي قام بها عديد من مراكز الأبحاث السياسية العربية في العقود الماضية, بالاضافة إلي محصلة الندوات الفكرية الكبري التي شارك فيها عشرات من المثقفين العرب الذين ينتمون إلي كل الاتجاهات السياسية السائدة, الليبرالية والقومية والاشتراكية والإسلامية.
وحين تأملت بعمق المقترحات المتعددة التي انطوت عليها الموحدات العربية للاصلاح أدركت أن الارتجال هو سمتها الاساسية. وهذا الارتجال يتضح في عرض مقترحات ثورية بدون دراسة كافية, وبدون قياس رد الفعل المحتمل من قبل الدول العربية المختلفة. وحتي لايكون حديثنا علي سبيل التجريد, علينا أن ننظر في مضمون المبادرة المصرية ـ السعودية ـ السورية لاصلاح الجامعة العربية حيث قررت الدول الثلاث بمقتضي هذه الوثيقة إيجاد الآليات اللازمة فيما يلي:
1ـ تقرير السياسات المشتركة لتحقيق أهداف ومقاصد ميثاق جامعة الدول العربية ووضع الخطط المساعدة للتنفيذ. 2ـ إنشاء الأجهزة والهيئات التابعة الضرورية للوفاء بهذه الأهداف والمقاصد بما في ذلك الأجهزة والهيئات المعنية بتطوير خطة العمل والتفاوض بشأن الآليات التنفيذية.
3ـ ممارسة الرقابة علي تنفيذ الدول الأعضاء لالتزاماتهم بما في ذلك تقرير العواقب والعقوبات المناسبة في حالة عدم تنفيذ تلك الالتزامات. 4ـ دعم العلاقات البينية العربية.
5ـ تنسيق السياسات الأمنية والدفاعية والخارجية. 6ـ تطوير الآليات الخاصة بالنسبة للمؤسسات الإقليمية والدولية.
7ـ تحقيق التعاون والتكامل الاقتصادي. 8ـ إنشاء أجهزة رقابة ومتابعة.
9ـ الاصلاح الداخلي. ولتحقيق ذلك أفردت ملاحق خاصة بما يلي: ملحق خاص بإنشاء مجلس الأمن العربي, وملحق خاص بتعزيز العمل الاقتصادي المشترك, وملحق خاص بنظام اعتماد القرارات في جامعة الدول العربية, وملحق خاص بإنشاء هيئة متابعة تنفيذ القرارات. وذلك ـ كما تقرر الوثيقة ـ لتوفير الشروط والمقومات اللازمة لتحقيق الاتحاد العربي والتحرك بشكل مواز للاسراع في عملية الاصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي الجارية في الدول العربية ضمانا لتحقيق الاتحاد المنشود.
(نشرت جريدة الشرق الأوسط نص الوثيقة في2 مارس2004) ولو حللنا هذه المبادرة لاكتشفنا علي الفور أن المقترحات التي تتضمنها تتسم بالعمومية الشديدة, كما وردت في الآليات المقترحة من جانب, وبالتحديد غير المدروس من ناحية أخري, مما يؤكد سمة الارتجال السياسي ـ إن صح التعبير ـ في هذه المبادرة وغيرها من المبادرات العربية.
ولنأخذ علي سبيل المثال اقتراح إنشاء مجلس الأمن العربي علي غرار مجلس الأمن الدولي. هذه فكرة بالغة الأهمية ولكنها كانت تتطلب دراسة متعمقة يقوم بها مجموعة منتقاة من الخبراء العرب, وتعرض بعد انهائها علي كل الدول العربية لمناقشتها بالتفصيل قبل أن تعرض في جامعة الدول العربية. والدليل علي ما نقول أنه حدث انقسام في اجتماع وزراء الخارجية العرب حول ثلاث مبادرات عربية مطروحة وهي مبادرات متضاربة بسبب افتقادها التنسيق الضروري, بالاضافة إلي أن المبادرة السعودية ـ المصرية ـ السورية اثارت حساسيات متعددة فقد رأي البعض في اقتراح إنشاء مجلس أمن عربي, أنه غير قابل للتنفيذ نظرا للمشكلات الحدودية بين عدة دول عربية مثل الخلاف القطري ـ البحريني, والمنطقة المحايدة بين الكويت والسعودية, ومسألة الجدار بين اليمن والسعودية. ولو أضفنا إلي ذلك المشاكل المتعلقة بقوات الاحتلال في العراق وكيفية استيعاب العراق في العمل العربي المشترك, لأدركنا أنه كان هناك تعجل في طرح اقتراح إنشاء مجلس أمن عربي بدون دراسة متعمقة كافية.
وقد تجاهلت المبادرة أن هناك دولا خليجية لديها ثقافة طويلة الأمد مع دول أوروبية والولايات المتحدة الأمريكية فيما يتعلق بالأمن والدفاع. ومن هنا يبدو التضارب بين السعي لتحقيق أمن عربي جماعي وبين هذا الوضع, وهو ما أدي إلي تحفظ بعض الدول مثل قطر والكويت واليمن. ومن العجيب أن تقترح المبادرة المصرية ـ السعودية ـ السورية ممارسة الرقابة علي تنفيذ الدول الأعضاء التزاماتهم بما في ذلك تقرير العواقب والعقوبات المناسبة في حالة عدم تنفيذ تلك الالتزامات!
أي عواقب وعقوبات في غيبة الاتفاق العربي حول رؤية استراتيجية عربية تتضمن صيغة موحدة للتعامل مع النظام الدولي ككل, ومع الولايات المتحدة الأمريكية علي وجه الخصوص, بالإضافة إلي مناقشة واقرار خطة عربية شاملة للاصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي تضع في اعتبارها أن هناك ـ بغض النظر عن الظروف الخاصة بكل قطر عربي ـ قواسم مشتركة للاصلاح. وأهم هذه القواسم قاطبة تصفية السمات الشمولية والسلطوية التي مازالت فاعلة في عديد من النظم السياسية العربية, وإعلان الديمقراطية باعتبارها هي المدخل الرئيسي للتقدم العربي ألم يكن أجدر بالدول العربية ـ سواء التي قدمت هذه المبادرات المرتجلة أو التي اعترضت عليها ـ أن تنادي بعقد اجتماعات تشاورية علي أعلي مستوي لصياغة هذه الرؤية الاستراتيجية العربية المشتركة, والمفروض أنها تستند إلي دراسات متعمقة يجريها الخبراء الاستراتيجيون العرب, بدلا من الصراع بين مبادرات سياسية مرتجلة وردود فعل غاضبة من قبل الدول التي عبرت عن استيائها من استبعادها غير المبرر؟
وإذا نظرنا إلي محتوي المبادرات الأخري سواء منها مبادرة جامعة الدول العربية أو غيرها, فلا نملك سوي الاندهاش من طرح أفكار سمتها الاساسية تقفز فوق الواقع العربي بكل تعقيداته. خذ علي سبيل المثال الاقتراح الخاص بإنشاء برلمان عربي, وبغض النظر عن التفصيلات الخاصة بإنشائه, كيف يصاغ هذا الاقتراح وعديد من البلاد العربية ليس فيها برلمانات وطنية أصلا! وحتي تلك التي توجد فيها مجالس نيابية تتشكل بالانتخاب فإنها تعاني معاناة شديدة من هيمنة النظم السياسية عليها والتحكم في قراراتها, وافراغها في كثير من الأحيان من مضمونها, حتي لاتمارس حقها الأصيل في الرقابة علي الاداء الحكومي. إذا كان هذا هو الوضع, فهل يجوز القفز مباشرة إلي اقتراح إنشاء برلمان عربي؟ ومع تقديرنا الكامل لنبل هذه الأهداف جميعا, فإن التساؤلات المشروعة تبقي قائمة وهي كيف يمكن تأسيس هذا البناء القومي الشامخ إذا كان البناء التحتي نفسه معطوبا؟ونعني بذلك علي وجه التحديد أن هناك دولا عربية ليس فيها سيادة للقانون, ولا مشاركة شعبية حقيقية, ولا احترام لحقوق الإنسان.
أليس من الأولي أن نبدأ بالمستوي القطري أولا لكي نؤسس دولة القانون, ونبني ـ وفق خطوات مدروسة ـ المؤسسات الديمقراطية المتنوعة, ونرسخ احترام حقوق الإنسان قبل القفز نحو تأسيس برلمان عربي ستنضم إلي عضويته دول عربية سلطوية لاتؤمن لابسيادة القانون ولا بالمشاركة الشعبية الفعالة؟ متي نتوقف عن الارتجال السياسي ونبدأ عهدا جديدا من صياغة مبادراتنا علي اساس من الدراسة المتعمقة التي يجريها خبراء عرب متخصصون, ممن لديهم القدرة علي قراءة نص العالم المعقد, واستخلاص الخطط العربية المستقبلية؟ قد يكون في هذا المسلك أول خطوة من خطوات الإصلاح العربي المنشود! |
|
|
|
|
|
|
| موضوعات في نفس الباب |
| ~LIST~ |
|