تقارير المراسلين

42836‏السنة 128-العدد2004مارس18‏27 من محرم 1425 هـالخميس

الانتخابات الإقليمية والمحلية في فرنسا
المعطيات الجديدة تحكمها قدرة الحكومة علي مواجهة الإرهاب الداخلي

رسالة باريس : ليلي حافظ
غيرت الانفجارات الاخيرة في اسبانيا المعطيات في الانتخابات العامة ودفعت الناخب الاسباني الي اعطاء صوته لليسار‏.‏ ثم توجهت الانظار الي ايطاليا الدولة الاوروبية الثانية التي ساندت الولايات المتحدة في الحرب ضد العراق في العام الماضي كمرشحة للهجوم المقبل من قبل منظمة القاعدة‏.‏ وفي نفس الوقت لم يستبعد الخبراء تعرض دول اخري مثل فرنسا والمانيا لهجوم إرهابي رغم انهما لم يساندا أمريكا في الحرب فقد تلقت فرنسا يوم الثلاثاء الماضي تهديدات بتنفيذ تفجيرات في الاراضي الفرنسية احتجاجا علي قانون العلمانية الذي يمنع ارتداء الحجاب في المدارس العامة الفرنسية‏.‏ وكانت الحكومة الفرنسية قد تلقت قبل اسبوع إنذارات بوضع متفجرات في القطارات والمحطات مما دفع البلاد الي رفع مستوي الطوارئ الي اللون البرتقالي ثم الي الاحمر وهو ثاني اعلي مستوي من الرقابة بعد احداث أسبانيا‏.‏
وأصبح التساؤل المطروح علي الساحة السياسية الفرنسية قبل أيام من الانتخابات الاقليمية والمحلية المقررة يومي‏21‏ و‏28‏ مارس الحالي هل الانفجارات او التهديدات الارهابية التي اودت بحكم اليمين الاسباني تهدد اليمين الفرنسي ايضا وهل الحزب الاشتراكي الفرنسي لديه فرصة للفوز بأصوات اكبر في الانتخابات المقبلة مثلما حدث للحزب الاشتراكي الاسباني

في مسألة الحرب ضد العراق فإن فرنسا ليست اسبانيا فإذا كان الرأي العام الاسباني قد عارض سياسة حكومته في العراق في العام الماضي وخرج في اعداد كبيرة يتظاهر إحتجاجا ضد الحرب فإن خلال العام استقرت الحرب في الوعي الاسباني ولم تعد تشكل خطرا علي مصير اليمين الذي كان يحتل الصدارة في استطلاعات الرأي قبل ايام قليلة من حادث الانفجارات في القطارات‏.‏ بينما كان الوضع في فرنسا مغايرا حيث كان هناك تناسقا كاملا ليس فقط بين الرأي العام والحكومة بل ايضا بين الحكومة اليمينية والاحزاب المعارضة اليسارية كلها‏.‏ وكما قال لوران فابيوس رئيس الوزراء الاشتراكي الاسبق في مؤتمر صحفي للحزب الاشتراكي الاسبوع الماضي ان مشاركة اسبانيا في الحرب ضد العراق جنبا الي جنب الولايات المتحدة ليست هي السبب المباشر لسقوط حكومة ازنار اليمينية بل السبب الاول والاساسي هو إخفاء الحقيقة والكذب‏.‏ فلقد حاولت حكومة أزنار توجيه الاتهامات الي منظمة ايتا الارهابية بأي شكل‏.‏
قد تدفع الاحداث الاخيرة الاراء الي تصور ان عهد اليمين في اوروبا متمثلا في اسبانيا وايطاليا والي حد ما ايضا في الولايات المتحدة إذا استمر تدهور شعبية الرئيس جورج بوش في استطلاعات الرأي قد انتهي‏.‏ واذا كانت اسبانيا قد تصدرت قائمة الدول التي تقع داخل خطر الارهاب لانها ساندت الولايات المتحدة في حربها ضد العراق وارسلت قوات الي العراق في اطار التحالف العسكري مع كل من الولايات المتحدة وبريطانيا فإن فرنسا وعلي مستوي اقل تقع أيضا في الخطوط الاولي للتهديد بالارهاب لانها اقرت في الاسابيع الاخيرة قانونا يمنع ارتداء ما ينم عن الانتماء الديني في المدارس العلمانية مستهدفة بشكل خاص الحجاب الاسلامي‏.‏

وقبل ايام قليلة من الانتخابات المحلية والاقليمية الفرنسية التي تجري يومي‏21‏ و‏28‏ مارس الحالي تجد فرنسا نفسها أمام عدو مجهول وتجد حكومة جان بيير رافاران نفسها امام اختبار قوة والشخص الوحيد الذي تعتمد عليه للحفاظ علي أمنها هو نيكولا ساركوزي وزير الداخلية والوزير المشاغب في حكومة رافاران‏.‏
قد يكون التهديد الامني من اكثر الامور التي من شأنها ان تحسم النتائج في الانتخابات الفرنسية المقبلة ولكن هناك أمورا أخري ليست كلها في صالح حكومة رافاران‏.‏ ومن اهم تلك الامور هو الحالة الاقتصادية والاجتماعية في فرنسا‏.‏ فإن فرنسا تعاني منذ شهور من تباطؤ عام في الوضع الاقتصادي والاجتماعي أدي الي خلق حالة من الاستياء في جميع المجالات الاجتماعية كان اخرها واكثرها قوة تمرد الباحثين في مجالات البحث العلمي وقرارهم بالاستقالة الجماعية من مناصبهم الادارية احتجاجا علي خفض الميزانية في البحث العلمي وخفض فرص العمل مما يدفع الشباب من العقول الي الهجرة الي الولايات المتحدة‏.‏ واعطي الباحثون الحكومة فرصة ثانية حتي يوم‏19‏ مارس أي حتي يومين قبل الانتخابات الاقليمية لكي تغير سياستها من هذا المجال الحيوي والخطير في التقدم الاقتصادي والعلمي‏.‏ هذه الحركة الاحتجاجية هي جزء من العديد من المجالات الاخري التي لم تخف إستياءها من السياسة الحكومية مثل المستشفيات والمدارس والمحامين ومختلف المجالات المهمة الاخري‏.‏

ولكن الانتخابات الاقليمية والمحلية التي تستعد لها فرنسا يومي‏21‏ و‏28‏ مارس الحالي ليست الا انتخابات اقليمية ومحلية كما يصر الحزب الحاكم‏'‏ الاتحاد من اجل حركة شعبية‏'‏ ان يردد‏.‏ فأعرب جان بيير رافاران رئيس الوزراء عن مخاوفه من ان تتحول الي اختبار قومي للاحزاب السياسية بينما هي في حقيقة الامر انتخابات من اجل الاقاليم ومشاكلها التي هي مختلفة من مكان الي اخر فالناخب ينتخب ليس من اجل المرشح ولكن من اجله هو‏.‏
ولكن اذا كانت الانتخابات الحالية في فرنسا هي مجرد إنتخابات محلية واقليمية فإن اهميتها تكمن في انها اول انتخابات بعد الزلزال الذي هز الساحة السياسية في ابريل عام‏2002‏ بدخول اليمين المتطرف الي الصفوف الاولي وفوز مرشحه جان ماري لوبن زعيم الجبهة الوطنية بثاني اكبر عدد من الاصوات بعد جاك شيراك مما أهله الي الترشيح في الجولة الثانية مما أثار موجة عارمة من الاحتجاجات ليس فقط في فرنسا بل في كافة انحاء اوروبا‏.‏ لذلك فإن شبح عودة اليمين المتطرف لاتزال عالقة في ذهن الفرنسيين وتثير مخاوفهم من استئنافها‏.‏

وفي نفس الوقت تكمن اهمية الانتخابات الحالية في انها اخر انتخابات يعبر خلالها الناخب برأيه في سياسات حكومته حتي اجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية في عام‏2007‏ حسب ما هو مقرر‏.‏ لذلك فإن نتائج الانتخابات الحالية سيكون لها تأثير كبير علي الحياة السياسية الفرنسية خلال السنوات الثلاث المتبقية قبل الانتخابات المقبلة‏.‏
فبالنسبة للحزب الحاكم‏'‏ الاتحاد من اجل حركة شعبية‏'‏ فإن نتائج الانتخابات ستحسم مصير عدد كبير من الشخصيات السياسية الحزبية‏.‏ واكثرها قوة نيكولا ساركوزي وزير الداخلية والمسئول عن الامن الداخلي‏.‏ ومن المتوقع ان تتم تغييرات في الحكومة في الاشهر التي تتبع الانتخابات وترددت اسماء مرشحة للتواري مثل اسم وزير التعليم لوك فيري ووزير الصحة فرانسوا ماتييه‏.‏ أما نيكولا ساركوزي فهناك احتمالات كثيرة ترشحه لان يترأس الحزب الحاكم وفي تلك اللحظة سيصبح مؤهلا رسميا لان يتقدم في الانتخابات الرئاسية المقبلة‏.‏ أما اذا عين رئيسا للوزراء فإن فرصه لان يصبح رئيسا ستتراجع كثيرا‏.‏

اما بالنسبة للاشتراكيين فإن الانتخابات المقبلة ليست اقليمية فحسب بل هي‏'‏ مقترحات قومية ولكن علي المستوي الاقليمي‏'.‏ هي إذن في المفهوم الاشتراكي بمثابة اختبار لاكثر من مجال فمن ناحية هي اختبار لانجازات الحكومة اليمينية خلال العامين الماضيين ومن ناحية اخري هي اختبار للحالة الصحية للحزب الاشتراكي بعد الهزيمة الحاسمة التي تعرض لها في‏21‏ ابريل عام‏2002‏ عندما هزم مرشحه للرئاسة ليونيل جوسبان في الجولة الاولي من الانتخابات وانسحابه من الحياة السياسية كما انها محاولة من الحزب الاشتراكي ان يلملم شتات نفسه ويعيد الثقة اولا لاعضائه ثم الي ناخبيه‏.‏
لذلك فإن الفوز في الانتخابات المحلية والاقليمية تمثل اهمية كبيرة بالنسبة للحزب الاشتراكي لان هزيمة اخري في‏21‏ مارس مثل تلك التي تعرض لها في‏21‏ ابريل من عام‏2002‏ ستكون حاسمة في انهيار الحزب تماما علي الاقل في المرحلة المقبلة‏.‏ اما فوز الحزب فذلك لن يعني انتصاره بل بداية عقد جديد مع الناخب يسمح له بأن يقدم مرشحيه للرئاسة‏.‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية
موضوعات في نفس الباب
~LIST~