|
|
|
قضايا و اراء
| 42836 | السنة 128-العدد | 2004 | مارس | 18 | 27 من محرم 1425 هـ | الخميس |
|
وثيقة الإسكندرية.. رسالة عربية لكل من يهمه الأمر بقلم: د. أحمد يوسف القرعي
|
|
 |
مع بدء العد التنازلي للقمة العربية في تونس بعد عشرة أيام تصدر وثيقة مؤتمر مكتبة الإسكندرية حول قضايا الإصلاح العربي( الرؤية والتنفيذ) الأحد الماضي لتطرح علي القمة رؤية المجتمع المدني العربي في وثيقة سياسية اقتصادية اجتماعية ثقافية مترابطة ومتكاملة تعكس بأمانة نبض رجل الشارع العربي من المحيط الي الخليج وليس أدل علي هذا من اتفاق رموز وممثلي المجتمع المدني العربي علي الوثيقة بعد مناقشات فكرية ساخنة اتسمت بمصداقية ابداء الرأي والرأي الآخر دون حساسيات, وعبرت بوضوح عن إرادة سياسية شعبية صادقة وهي توافق علي القواسم المشتركة العظمي لحصاد الآراء ووجهات النظر حول قضايا الإصلاح من وحي ضمير الأمة وفكر ابنائها دون وصاية خارجية. وما أحوجنا الي قراءة غير نمطية لوثيقة الإسكندرية نرصد من خلالها الالتزامات وتوزيع الأدوار فيما بين المجتمع المدني والحكومات والجامعة العربية, فالمجتمع المدني العربي لم تجتمع رموزه لتخاطب الذات فحسب تكريسا لوحدة الصف والهدف في المشاركة المجتمعية العربية تقتضي طرح رؤيته مؤكدا فيها مسئولياته التي تتكامل مع مسئولية كل من النظم السياسية العربية والجامعة العربية وهكذا يتكامل توزيع الأدوار فيما بين الأطراف الثلاثة في مواجهة مخاطر مشتركة تمس الأمة ودولها وشعوبها في الصميم. وعبرت عن هذا المعني بجلاء الكلمة الجامعة التي القاها الرئيس مبارك في جلسة افتتاحية خاصة لمؤتمر مكتبة الاسكندرية, محددا مجموعة من المبادئ والثوابت العربية في مسألة الاصلاح والتحديث والتي تمثل في مجملها منهاج عمل عربي يؤمن بالتحديث والاصلاح.
وبهذا المفهوم فإن وثيقة مؤتمر مكتبة الإسكندرية خطاب ورسالة لكل من يهمه الأمر ابتداء من كل نظام سياسي أو حكومة علي المستوي القطري الي كل مجتمع مدني في العواصم العربية الي الجامعة العربية باعتبارها البيت العربي الكبير ايمانا وإلي كل تسول له نفسه إملاء رؤية خارجية لاتنبع ولاتتسق مع تطلعات الشعوب العربية. ومما يعطي لمثل هذا الخطاب أو الرسالة أهمية متزايدة, أن وثيقة مؤتمر مكتبة الإسكندرية تعد وثيقة فكرية وعملية في آن واحد حيث حددت بوضوح مفهوم الإصلاح علي مختلف المسارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية كما حددت وسائل تحقيق هذا الإصلاح وآليات المتابعة.
وبشأن تحديد المفاهيم والمصطلحات نذكر علي سبيل المثال تحديد مفهوم الإصلاح المستهدف علي المستويات الأربعة: السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي فقد حرصت وثيقة الإسكندرية علي وضع النقط فوق الحروف تجنبا لأي التباس. فالإصلاح السياسي يقصد به( كما جاء في متن الوثيقة) جميع الخطوات المباشرة وغير المباشرة التي يقع عبء القيام بها علي عاتق كل من الحكومات والمجتمع المدني ومؤسسات القطاع الخاص وذلك للسير بالمجتمعات والدول العربية قدما وفي غير ابطاء أو تردد وبشكل ملموس في طريق بناء نظم ديمقراطية وأن الديمقراطية الحقيقية هنا قد تختلف في أشكالها ومظاهرها وفقا للتغيرات الثقافية والحضارية من بلد لآخر, ولكن جوهرها يظل واحدا فهي تعني ذلك النظام الذي تكون الحرية فيه هي القيمة العظمي والأساسية بما يحقق السيادة الفعلية للشعب الذي يحكم نفسه بنفسه من خلال التعددية السياسية التي تؤدي الي تداول السلطات وتقوم علي احترام جميع الحقوق في الفكر والتنظيم والتعبير عن الرأي للجميع مع وجود مؤسسات سياسية فعالة علي رأسها المؤسسات التشريعية المنتخبة والقضاء المستقل والحكومة الخاضعة للمساءلة الدستورية والشعبية والاحزاب السياسية بمختلف تنوعاتها الفكرية والأيديولوجية, كما تقتضي هذه الديمقراطية الحقيقية كفالة حرية التعبير بجميع صورها وأشكالها وفي مقدمتها حرية الصحافة ووسائل الإعلام السمعية والبصرية والالكترونية والاعتماد علي الانتخابات الحرة, مركزيا ولا مركزيا وبشكل دوري لضمان تداول السلطة وحكم الشعب وتحقيق أقصي قدر ممكن من اللامركزية التي تتيح للمجتمعات المحلية التعبير عن نفسها واطلاق طاقاتها الأبداعية في اطار خصوصياتها الثقافية التي تسهم عن طريقها في تحقيق التقدم الانساني في جميع مجالاته. وعلي ضوء مفهوم الإصلاح السياسي من وجهة نظر المجتمع المدني العربي تقدمت وثيقة الإسكندرية بمجموعة من الرؤي المحددة للإصلاح السياسي تري أهمية ترجمتها الي خطوات ملموسة في اطار من الشراكة مع الحكومات وتتمثل هذه الرؤي في ثماني خطوات هي:(1) الإصلاح الدستوري والتشريعي,(2) إصلاح المؤسسات والهياكل السياسية(3) الإصلاح التشريعي الديمقراطي(4) إطلاق حريات تشكيل الأحزاب السياسية في اطار الدستور والقانون(5) التصديق علي منظومة المواثيق الدولية والعربية(6) تحرير الصحافة ووسائل الإعلام من التأثيرات والهيمنة الحكومية(7) إطلاق حرية تشكيل مؤسسات المجتمع المدني(8) تشجيع اجراء قياسات الرأي العام وتحريرها من العوائق بوصفها إحدي وسائل الديمقراطية الأساسية.
وبشأن مفهوم الإصلاح الاقتصادي فقد رأت وثيقة الإسكندرية أن هذا المفهوم يشمل جميع التشريعات والسياسات والاجراءات التي تسهم في تحرير الاقتصاد الوطني والتسيير الكفء له وفقا لآليات السوق بما يمكنه من الانتعاش والازدهار وبما يسهل تكامله مع الاقتصاديات الاقليمية واندماجه في الاقتصاد العالمي وينطوي هذا المفهوم علي حسم الكثير من الجدال والمناقشات حول هوية النظام الاقتصادي وحول كثير من التفاصيل مثل دور الدولة والعلاقة بينه وبين دور السوق والبعد الاجتماعي للتنمية... الخ. وبعد ان ترصد وثيقة الإسكندرية مؤشرات عن الواقع الأليم الاقتصادي العربي تتقدم بمقترحات رئيسية في مقدمتها: إعلان الدول العربية عن خطط واضحة وبرامج زمنية محددة للإصلاح المؤسسي والهيكلي والتصدي الحاسم للمشكلات المعوقة للاستثمار وازالتها أمام الاستثمار العربي والأجنبي
وبشأن مفهوم الإصلاح الاجتماعي تري وثيقة الإسكندرية ان المستهدف هو توظيف الموارد الاجتماعية والثقافية العربية الهائلة للاستفادة من الامكانات بكفاءة لتأسيس مجتمع عربي قوي ومتماسك قادر علي حل مشاكله ومن ثم الانطلاق بقوة وفاعلية لتحقيق التقدم والمشاركة في صنع مستقبله ومستقبل العالم كله ويقتضي ذلك العمل علي تحقيق عدة أهداف حددتها وثيقة الإسكندرية وفي مقدمتها: العمل علي تحقيق الاستقرار الاجتماعي في المجتمعات العربية, وهو الأمر الذي يتطلب صياغة سياسات فعالة, تضمن عدالة توزيع الثروة وعوائد الانتاج في مجالاته المختلفة, وفي هذا المجال لابد من القضاء علي ظاهرة التهميش الاجتماعي لفئات عديدة وذلك بوضع سياسات منظمة تقوم علي احترام المواثيق العالمية الخاصة بحقوق الانسان ووضعها موضع التنفيذ, كما ينبغي تركيز الاهتمام علي قضية تمكين المرأة ودعم مشاركتها في تنمية المجتمع تأكيدا لفاعلية مشاركتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية. ولا تنفصل عن ذلك قضية إدماج الشباب وتعميق انتمائهم للمجتمع وتطوير أوضاع الطفولة العربية وصياغة استراتيجية فعالة لمواجهة مشكلة تزايد معدلات الفقر.
هذا كما طالبت وثيقة الاسكندرية بصياغة عقد اجتماعي جديد بين الدولة والمواطن في المجتمع العربي يحدد علي وجه قاطع حقوق الدولة والتزاماتها ازاء المواطن كما يحدد بشكل حاسم حقوق المواطن العربي وكيفية الحفاظ عليها. وبشأن مفهوم الإصلاح الثقافي أوضحت وثيقة الإسكندرية أنه يعني تأكيد مجموعة من الأولويات الثقافية في مقدمتها: تهيئة المناخ الثقافي لتحقيق التطوير الديمقراطي وتداول السلطة سلميا وذلك بالعمل علي مواجهة الرواسب والعادات الجامدة والأثار المتراكمة لأوضاع وأساليب سياسية فاسدة من شأنها أن تحول دون فاعلية المشاركة السياسية. وتأكيد أن التنمية الثقافية هي أساس أي تنمية والخطوة الأولي لأي إصلاح جذري وان اشاعة ثقافة الديمقراطية في مناهج التعليم والإعلام هي الخطوة الأولي لأي إصلاح جذري.
وفي هذا السياق طالبت وثيقة الاسكندرية بتجديدالخطاب الثقافي وتخليصه من الرواسب المعوقة لتقبل الاختلاف والحوار مع المغايرين وإصلاح المؤسسات الثقافية العربية وتفعيلها عن طريق دعمها ماديا ومعنويا بما يعينها علي التفكير المستقل وتوسيع دوائر خططها. بهذا المفهوم الواضح للإصلاح ووسائل تحقيقه علي مختلف المسارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتي تصب في مجري واحد, فإن وثيقة الإسكندرية لا تعد وثيقة فكرية فحسب وانما وثيقة عملية وتنفيذية ايضا وتصبح بذلك دليل عمل للمجتمع المدني العربي ومانفستو حقوق وواجبات متبادلة مع الحكومات العربية وليس أدل علي هذا من حرص الوثيقة علي استحداث آليات للتنفيذ والمتابعة تتيح متابعة ما تم التوصل اليه من مقترحات, ومن أبرز تلك الآليات مبادرة الدكتور اسماعيل سراج الدين, العقل المفكر لفعاليات المؤتمر بالموافقة علي تأسيس منتدي الإصلاح العربي في مكتبة الإسكندرية ليكون فضاء مفتوحا للمبادرات والحوارات الفكرية والمشاريع العربية سواء فيما يتعلق بالإصلاح العربي أو اقامة جسر لكل أشكال الحوار والتعاون مع مؤسسات المجتمع المدني العالمي مع تشكيل لجنة متابعة تجتمع كل ستة أشهر علي الأقل لمراجعة ما تم تنفيذه وذلك لدعم منتدي الحوار بعد تأسيسه.
وهكذا نجحت وثيقة الإسكندرية في إرساء مبادرة تجمع بين الرؤية والتنفيذ أو الفكر والممارسة معا, هذا فضلا عن المتابعة ويكتسب المجتمع المدني العربي بهذا صحوة جديدة وليكن هذا موضوع حديث قادم إن شاء الله. |
|
|
|
|
|
|
| موضوعات في نفس الباب |
| ~LIST~ |
|