|
|
|
قضايا و اراء
| 42836 | السنة 128-العدد | 2004 | مارس | 18 | 27 من محرم 1425 هـ | الخميس |
|
هذا هو الإسلام حديث القرآن عن الرجل والمرأة(1) بقلم: فضيلة الإمام الأكبر د. محمد سيد طنطاوي شيخ الأزهر الشريف
|
|
 |
من الحقائق التي لا يستطيع أن ينكرها عاقل, أن الذي يتدبر القرآن الكريم, يري حديثه عن الرجل والمرأة, أو عن الرجال والنساء, أو عن الذكور والإناث, يمتاز بالتفصيل الواضح, وبالتوجيه المحكم, وبالإرشاد السليم, وبالحكم البليغة, وبالتشريعات السامية, وبالآداب العامة.. ومن الأدلة علي ذلك: أن كلمات: رجل, ورجلين, ورجال, قد وردت في القرآن الكريم في أكثر من خمسين موضعا. وأن هذه الكلمات في معاجم اللغة العربية تدل علي القوة والصلابة..
جاء في المعجم الوسيط لمجمع اللغة العربية ج ـ1صـ332 ما ملخصه: الرجل الذكر البالغ من بني آدم. ويقال: هذا رجل كامل في الرجال ظاهر الرجولة والرجولية.. والرجولة والرجولية: كمال الصفات المميزة للرجل.. ويقال: رجل رجيل: صلب قوي علي المشي صبور عليه... وجاء في كتاب المفردات في غريب القرآن للراغب الأصفهاني صـ189ما ملخصه: الرجل لفظ مختص بالذكر من الناس, ولذلك قال ـ تعالي ـ: ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا..
وقال ـ تعالي ـ: وقال رجل من آل فرعون يكتم إيمانه وقال ـ سبحانه ـ: وجاء من أقصي المدينة رجل يسعي فالأولي به الرجولية والجلادة ـ أي القوة والشدة ـ ويقال: رجل راجل, أي: قوي علي المشي... ويقابل كلمة رجل كلمة امرأة. وقد وردت كلمات: امرأة وامرأتين ونساء, في القرآن الكريم في أكثر من خمسين موضعا.
وتشير معاجم اللغة العربية إلي أن هذه الكلمات تدل علي معاني السهولة والنعومة والحسن.. جاء في معجم الوسيط ج2 صـ860 ما ملخصه: مرأ الطعام مراءة: ساغ, فهو مرئي... ويقال: مرؤت الأرض حسن هواؤها, فهي مريئة ـ أي: جميلة مقبولة ـ.. ولفظ النساء جمع امرأة من غير لفظه... والمروءة: آداب نفسانية تحمل مراعاتها الإنسان علي الوقوف عند محاسن الأخلاق, وجميل العادات....
وجاء في كتاب: المفردات في غريب القرآن للراغب الأصفهاني صـ466 ما ملخصه: مرأ: يقال: مرء ومرأة وامرأة.. والمروة: كمال المرء كما أن الرجولية كمال الرجل.. ومرؤ الطعام إذا تخصص بالمرئي لموافقة الطبع... ويقال: طعام مرئ: أي هنئ حميد العاقبة, قال ـ تعالي ـ: فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا أي: فكلوه أكلا سائغا سهلا نافعا لا ضرر فيه ولا شبهة. كذلك قد يطلق علي جنس الرجال كلمات: ذكر وذكور وذكران, وقد وردت هذه الكلمات فيما يقرب من خمسة عشر موضعا.. منها قوله ـ سبحانه ـ[ وليس الذكر كالأنثي]( سورة آل عمران: الآية36).
وقد يطلق علي جنس النساء كلمات: أنثي وأنثيين وإناثا, وقد تكررت هذه الكلمات في القرآن الكريم في ثلاثين موضعا منها قوله ـ سبحانه ـ:[ لله ملك السموات والأرض يخلق مايشاء يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور]( الشوري:49) ومادة الذكورة تشير إلي القوة والشجاعة والإباء.. جاء في المعجم الوسيط ج1 صـ325: الذكر خلاف الأنثي. والذكر من الحديد: أيبسه وأشده وأجوده. ويقال: رجل ذكر: قوي شجاع أبي. ومطر ذكر: وابل شديد. وقول ذكر: صلب متين.. ويقال: يوم مذكر شديد صلب.. أما مادة الأنوثة فتشير إلي اللين و السهولة..
جاء في المعجم الوسيط ج1 صـ30: الأنثي: خلاف الذكر من كل شيء.. وامرأة أنثي كاملة الأنوثة. ويقال: حديد أنيث: غير صلب. وسيف أنيث: لين. ومكان أنيث: سهل منبات.. والمئناس من الأرض: السهلة الكثيرة الإنبات..... وفي اللغة العربية كلمات مشتركة تطلق علي الذكور وعلي الإناث, ومن هذه الكلمات: كلمة إنسان وقد تكررت هذه الكلمة في خمسة وستين موضعا من القرآن الكريم. قال الله ـ تعالي ـ[ يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا]( سورة النساء: الآية28) ولفظ الإنسان هنا يشمل الذكر والأنثي.
ومنها: كلمة الناس فإن هذه الكلمات تشمل الرجال والنساء, وقد تكررت هذه الكلمة في القرآن الكريم أكثر من مائتي مرة. قال ـ تعالي ـ:[ يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون] سورة البقرة: الآية21 ولا شك أن اخلاص العبادة لله ـ تعالي ـ أمر محتم علي الرجال وعلي النساء.
ومن هذه الكلمات المشتركة بين الذكور والإناث, كلمة بني آدم وقد تكررت في القرآن ثماني مرات, منها قوله تعالي ـ[ ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم علي كثير ممن خلقنا تفضيلا] الإسراء:70 وتكريم الله ـ تعالي ـ لبني آدم يشمل الذكور والإناث. ومن هذه الكلمات: كلمة زوج فإن هذه الكلمة تشمل الرجل والمرأة, وقد تكررت هذه الكلمة في القرآن الكريم ست مرات ومن إطلاقها علي المرأة قوله ـ تعالي ـ:[ وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة...] سورة البقرة:الآية35 ومن إطلاقها علي الرجل قوله ـ سبحانه ـ:[ قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها...] سورة المجادلة: الآية1.
وهكذا نري أن هناك كلمات تختص بالرجل, وأخري مختصة بالمرأة, وثالثة مشتركة بين الجنسين, مما يدل علي أن اللغة العربية التي هي لغة القرآن الكريم, فيها مافيها من الغني والسعة والجمال.. كذلك من الحقائق الـمسلمة والمتفق عليها عند جميع العقلاء: أن هذا الكون لا يعمر ولا يستمر وجود أفراده من بني آدم إلي الوقت الذي يشاؤه الله ـ تعالي ـ إلا مع وجود الذكر والأنثي فيه, فهما مادة بقائه واستمراره, فحكمة الله ـ تعالي ـ العظمي اقتضت أن يخلق الذكر والأنثي, وأن يغرس بينهما التآلف والتعاون, والمودة والرحمة, حتي تستمر حياة بني آدم, ويخلف بعضهم بعضا جيلا بعد جيل, وذرية تخلفها ذرية, إلي أن يرث الله ـ تعالي ـ الأرض ومن عليها.
فوجود الذكر والأنثي سواء أكان هذا الوجود لعالم الإنسان أم لعالم الحيوان, أم لعالم الطير, أم لغير ذلك من الكائنات التي لايحصيها إلا الله ـ عز وجل ـ أمر اقتضته حكمته وسنته لعمارة هذا الكون. وقد أكد القرآن الكريم هذه الحقيقة في آيات كثيرة, وبأساليب متنوعة حتي ترسخ في القلوب.. ومن هذه الآيات قوله ـ تعالي ـ[ والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون والأرض فرشناها فنعم الماهدون ومن كل شيئ خلقنا زوجين لعلكم تذكرون ففروا إلي الله إني لكم منه نذير مبين ولاتجعلوا مع الله إلها آخر إني لكم منه نذير مبين] سورة الذاريات: الآيات47 ـ51.
أي: ومن الأدلة علي وحدانيتنا وقدرتنا أننا أوجدنا هذه السماء مع ضخامتها بقوة وقدرة, وإنا لقادرون علي توسعتها بتلك الصورة العجيبة. والأرض فرشناها بأن مهدناها وبسطناها وجعلناها صالحة لمنفعتكم وراحتكم, فنعم الصنع صنعنا. ومن كل شيء في هذا الكون الفسيح خلقنا وأوجدنا نوعين وصنفين من المخلوقات علي رأسها الذكر والأنثي من بني آدم, ليبقي تناسلهم وتواجد بعضهم من بعض, ولعلكم تعتبرون وتتعظون وتتذكرون.
ومادام الأمر كذلك, ففروا إلي الله ـ تعالي ـ من المعصية إلي الطاعة, ومن السيئات إلي الحسنات, ومن الشرك إلي التوحيد, ومن الكفر إلي الإيمان. واحذروا أن تجعلوا مع الله ـ تعالي ـ إلها آخر في العبادة, فرسولنا محمد ـ صلي الله عليه وسلم ـ قد حذركم من كل ذلك تحذيرا شديدا..
ففي هذه الآيات الكريمة دليل ساطع علي قدرة الله ـ تعالي ـ ودعوة سافرة إلي اخلاص العبادة لله الواحد القهار وإعلام واضح بأن هذا الكون حكمة الله اقتضت أن يعمره بالذكر والأنثي من بني آدم وغيرهم. كذلك من الآيات التي وضحت أن حكمته وقدرته اقتضت وجوب وجود الذكر والأنثي في هذه الحياة, قوله ـ تعالي ـ:[... وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثي من نطفة إذا تمني] سورة النجم: الآيتان45 و46. أي: وأنه ـ تعالي ـ وحده, هو الذي خلق الزوجين الكائنين من الذكر والأنثي, من نطفة تتدفق من الرجل إلي رحم المرأة, فتلتقي نطفة الرجل ببويضة الأنثي, فيكون منهما هذا الإنسان باذن الله ـ عز وجل ـ.
ومن هذه الآيات ـ أيضا ـ قوله ـ سبحانه ـ:[ أيحسب الإنسان أن يترك سدي ألم يك نطفة من مني يمني ثم كان علقة فخلق فسوي فجعل منه الزوجين الذكر والأنثي]( سورة القيامة: الآيات36 حتي39). والمعني: كيف يظن الإنسان أنه سيترك دون حساب علي أعماله يوم القيامة؟ ألم يكن في الأصل قطرة ماء تصب من الرجل في رحم المرأة وتراق فيه؟ ثم كان بعد ذلك علقة أي: قطعة دم متجمد فخلق فسوي أي: فخلقه الله ـ تعالي ـ خلقا آخر بقدرته, وسواه في أحسن تقويم, فجعل ـ سبحانه ـ من هذه المراحل لخلق الإنسان الذكر والأنثي, لكي يعمر هذا الكون.
كذلك مما يدل علي أن هذا الكون لا يتم صلاحه وإعماره إلا إذا وجد فيه الذكر والأنثي, أن الله ـ تعالي ـ قد أمر نبيه نوحا ـ عليه السلام ـ أن يصنع السفينة, بعد أن مكث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما يدعوهم إلي إخلاص العبادة لله الواحد القهار, ومع ذلك لم يؤمن بدعوته إلا عدد قليل من قومه. وأمره ـ سبحانه ـ في الوقت الذي يشاؤه ـ عز وجل ـ أن يحمل فيها من كل نوع من المخلوقات ذكرا وأنثي قال ـ تعالي ـ:[ حتي إذا جاء أمرنا وفار التنور قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول ومن آمن, وما آمن معه إلا قليل] سورة هود: الآية40. والمعني: لقد امتثل نوح ـ عليه السلام ـ أمر ربه له بصنع السفينة, حتي إذا ما تم صنعها, وحان وقت نزول العذاب بالكافرين من قومه, وتحققت العلامات الدالة علي ذلك, قال الله ـ تعالي ـ لنوح: احمل فيها من كل نوع من أنواع المخلوقات التي أنت في حاجة إليها ذكرا وأنثي, واحمل فيها ـ أيضا ـ من آمن بك من أهل بيتك دون من لم يؤمن, واحمل فيها كذلك جميع المؤمنين الذين اتبعوا دعوتك من غير أهل بيتك..
والحق أنه لم يؤمن به إلا عدد قليل من قومه بعد أن لبث فيهم قرونا متطاولة, يدعوهم إلي الدين الحق ليلا ونهارا, سرا وعلانية. وشبيه بهذه الآية قوله ـ تعالي ـ:[فأوحينا إليه أن اصنع الفلك بأعيننا ووحينا فإذا جاء أمرنا وفار التنور فاسلك فيها من كل زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول منهم ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون] المؤمنون:27. ولقد كان من أعظم النعم التي أنعم الله ـ تعالي ـ بها علي بني إسرائيل في عهد سيدنا موسي ـ عليه السلام ـ أن نجاهم من ظلم فرعون الذي كان يذبح الذكور من أطفالهم الصغار ويترك الإناث أحياء, حتي لاتبقي لهم باقية بمرور الأيام..
قال ـ تعالي ـ:[وإذ نجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب يذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم]( سورة البقرة: الآية49. والمعني: واذكروا يابني إسرائيل وقت أن نجيناكم من فرعون وقومه, الذين كانوا يعذبونكم أشد أنواع العذاب ويتعمدون إذلالكم واحتقاركم, ومن مظاهر ذلك أنهم كانوا يذبحون الذكور من أطفالكم عند ولادتهم, ويتركون الإناث أحياء إمعانا في القضاء عليكم, وفي ذلكم العذاب, وفي النجاة منه امتحان عظيم من خالقكم لكم.
ورحم الله الإمام الفخر الرازي فقد قال عند تفسيره لهذه الآية ما ملخصه: وفي ذبح الذكور دون الإناث مضرة من وجوه. أولها: أن ذبح الذكور يقتضي فناء الرجال, وذلك يقتضي انقطاع النسل, لأن النساء إذا انفردن فلا تأثير لهن في ذلك, وهذا يقتضي في نهاية الأمر هلاك الرجال والنساء جميعا.
ثانيها: أن هلاك الرجال يقتضي فساد أمر النساء في أمور المعيشة, وبعض النساء يتمنين الموت إذا انقطع عنهن تعهد الرجال. ثالثها: أن قتل الولد عقب الحمل الطويل, والتعب الشديد, والرجاء القوي في الانتفاع به, من أشد أنواع العذاب.
رابعها: أن بقاء النساء دون أقاربهن من الرجال, يؤدي إلي صيرورتهن خدما للأعداء, وذلك هو نهاية الذل والهوان. والحق أنه من سنة الله ـ تعالي ـ في خلقه وجود الذكر والأنثي, لكي يعمر هذا الكون, ويسوده الخير والصلاح. |
|
|
|
|
|
|
| موضوعات في نفس الباب |
| ~LIST~ |
|