|
|
|
قضايا و اراء
| 42836 | السنة 128-العدد | 2004 | مارس | 18 | 27 من محرم 1425 هـ | الخميس |
|
مجتمع الأمن العربي ضرورة ملحة بقلم: د. عبدالحميد الموافي
|
|
لابد من الاعتراف بضخامة المهمة والمسئولية التي آثر السيد عمرو موسي الامين العام لجامعة الدول العربية التصدي لها والسير في دروبها الوعرة والملغومة احيانا ولاتأتي ضخامة تلك المسئولية والصعوبات المحيطة بها من اهمية وضرورة اصلاح جامعة الدول العربية وآلية العمل العربي المشترك بقدر ماتأتي من صعوبة تحريك مواقف الدول العربية ودفعها نحو التوافق والموافقة الصادقة علي ضرورة منح فرصة اكبر وفتح الطريق بشكل اوسع للالتزام بقرارات العمل العربي المشترك من خلال جامعة الدول العربية والهيئات والمنظمات التابعة لها ومن ثم السماح لخطوات الاصلاح او بعضها علي الاقل لان تري النور ليس كنصوص مجمدة ولكن كآليات قادرة علي العمل والفعل من خلال العمل في نطاقها.
وبغض النظر عن الكثير من الينبغيات التي طرحت خلال الفترة الاخيرة والمقترحات الطويلة والمفصلة حينا والمتصارعة حينا آخر من قبيل تسجيل المواقف او الرغبة في جذب الانتباه وربما الفوز برضاء هذا الطرف الدولي او ذاك كانت اشارة وزير الخارجية الامريكي كولن باول عقب لقائه مع احد وزراء الخارجية العرب ذات دلالة في هذا المجال فانه ليس من قبيل التشاؤم القول بأن المهمة التي تواجهها القمة العربية القادمة في تونس والمناخ الذي سبقها ويصاحبها يدفع في ضوء خبرة العمل العربي المشترك الماضية الي الميل علي الارجح الي الاكتفاء بصياغات عامة ترحب باصلاح المنظومة العربية وبالاصلاح الداخلي علي الصعيد العربي مع تأجيل البت او اتخاذ مواقف محددة انتظارا لمزيد من الدراسة خاصة وانه ظهرت اعتراضات وتحفظات علنية وغير علنية من جانب بعض الدول العربية بما في ذلك تصريحات رسمية لاتحبذ علي الاقل تشكيل مجلس للامن العربي من عدد من الدول العربية الاعضاء في جامعة الدول العربية فقط والتقليل كذلك من الحاحية محكمة العدل العربية المطروح مشروعها منذ عدة سنوات كذلك فضلا عن الخلافات المعروفة حول الالزام والالتزام بقرارات جامعة الدول العربية في ظل تفضيل مختلف الدول العربية سواء عبرت عن ذلك او آثرت الصمت لقاعدة الالتزام بما توافق عليه وليس الالتزام بما قد توافق عليه اغلبية موصوفة كأغلبية الثلثين مثلا خاصة ان هذا الاتجاه هو اتجاه قديم سرعان مايفرض نفسه في نهاية المناقشات بغض النظر عن بداياتها الحماسية او المجاملة وهو ماحدث منذ اواخر الخمسينيات وبداية الستينيات من القرن الماضي كذلك ولم يختلف الامر في جوهره برغم مرور اكثر من نصف قرن بل ان قدرة بعض الدول العربية الاصغر علي المجاهرة بذلك باتت الان اكبر بحكم الظروف التي مر ويمر بها العالم العربي.
ومع التأكيد علي انه من غير المنصف ان تلقي علي عاتق قمة تونس مهمة تعديل تراث تكلس بفعل العقود الماضية من العمل المشترك او مطالبتها قمة تونس بالتغيير الكامل لكل ذلك فانه من الاهمية بمكان الاشارة باختصار الي عدد من النقاط الاساسية والضرورية الان وذلك من قبيل اهمية وضرورة التعامل بروية مع قضايا العمل المشترك التي تتوقف بالتأكيد علي محصلة مواقف الدول العربية جميعها تقريبا من ناحية وحتي نتجنب قدر الامكان مشاعر الاحباط في الفترة القادمة والتي ستكون شديدة الوطأة والخطورة علي مستقبل العمل العربي المشترك خاصة في ظل ميل متزايد من جانب بعض الاشقاء للعمل والارتباط بدوائر واطر اقليمية ودولية تعمل من اجلها اطراف دولية مؤثرة وتستهدف الاجهاز علي العمل العربي المشترك ومنظمته جامعة الدول العربية لصالح مشروعات اخري لاتضع المصلحة العربية في اعتبارها من ناحية ثانية. وبعيدا عن توزيع الاتهامات او التراشق والتنابذ بات من الضروري التخلي عنها في التعامل بين الدول العربية فلعله من المفيد الاشارة الي مايلي:
** اولا: انه مع التقدير لكل الاراء والاجتهادات الخاصة بتنفيذ قرارات جامعة الدول العربية ومنظماتها المختلفة بما في ذلك الحديث عن هيئات للمتابعة وتنشيط دور الامين العام للجامعة وتوسيع اختصاصاته الا ان الامر في النهاية يرتبط برؤية الدول العربية للجامعة كمنظمة للعمل المشترك وباستعدادها للعمل من خلالها وبمدي موافقتها علي طرح قضاياها امامها والتشاور بشأنها من خلالها.وفي هذا المجال يسجل العمل العربي المشترك ضعفا شديدا يعود بالاساس الي طبيعة السياسة العربية وطبيعة العلاقات بين الاشقاء واصرار مختلف الدول العربية علي تمتعها بسيادتها في مواجهة اجهزة الجامعة. والسؤال الان هو هل تقبل الدول العربية التخلي ولو عن جزء محدود من سيادتها لكي تعمل معا في اطار الجامعة ولتعطيها قدرا من الغاعلية في الحركة كما هو الحال في الاتحاد الاوروبي من المؤسف ان كل الشواهد تشير الي عدم استعداد الدول العربية لمثل هذه الخطوة حتي الآن بغض النظر عن المواقف المعلنة. وهذا تحديدا هو مايفسر الاعتراض والتحفظ علي اقتراح مجلس الامن العربي صراحة او ضمنا. يضاف الي ذلك ان هناك الكثير من المشكلات بين الاشقاء بدءا بمشكلات الحدود الي مشكلات عدم الثقة الي حرص البعض علي العمل وفق توصيات ميكيافيللي في كتابه الشهير الامير فبعد سنوات من الاستقلال والتطور والتحديث لاتزال العقلية التقليدية تحكم الكثير من السياسات ولازلنا نفصل بين مايعلن وما يتم التقيد به عمليا حتي ولو صدر علي مستوي القادة احيانا.
** ثانيا: طرحت بالفعل فكرة الاخذ ببعض العقوبات في حق الدول التي لاتلتزم بقرارات او بسياسات متفق عليها وتتدرج تلك العقوبات من اللوم حتي الحرمان من التصويت في هيئات الجامعة وصولا الي الطرد اذا اقتضي الامر. ومع ان فكرة العقوبات ليست جديدة الا انه من المهم التوقف امامها طويلا قبل الاقدام عليها ليس فقط لان هناك من الدول العربية من يتوق الي الخروج عن السرب والابتعاد عنه املا في دفء الآخر وبالتالي من الافضل لها ان يأتي ذلك بقرارمن المجموعة العربية اكثر مما يأتي بقرار فردي ولكن ايضا لان فكرة العقوبة في منظمة اقليمية كالجامعة العربية لم تملك بعد من المصالح العملية مايدفع باعضائها الي الحرص عليها تظل فكرة غير فعالة او بالاحري غير مؤثرة بل انها قد تفتح الطريق بل ستفتح الطريق بالفعل امام نشوء مجموعات او مواقف تعرقل العمل العربي المشترك من منطلق اقرب الي الابتزاز خاصة وان هناك من قال قبل سنوات عديدة' اذا كنتم ستتخذون في حقنا الطرد فمرحبا به' واذا كان العمل العربي المشترك يستند علي القناعة والرغبة في العمل في الاطار العربي اكثر مما يستند علي الخوف من العقوبة خاصة وانها في النهاية عقوبات غير مؤثرة فانه من الاجدي والاكثر فاعلية تحويل العمل العربي المشترك الي مجال واطار لتحقيق مصالح اكبر للدول العربية وبشكل عملي وزيادة حجم واتساع هذه المصالح سياسيا واقتصاديا وعلي مستوي الدول والشعوب بحيث تتحول هذه المصالح الي رادع ومعرقل امام اية توجهات إلي الأبتعاد عن او تعويق العمل العربي المشترك اما الابقاء علي الوضع الراهن فانه ليس في صالح مستقبل الجامعة العربية كما سبقت الاشارة خاصة وان اثر الدعوة القومية اخذ في التآكل بشكل ملحوظ امام دعوة المصلحة القطرية والرغبة المتزايدة في مد الجسور مع القوي الاخري حتي علي حساب المصلحة القومية الاوسع.
** ثالثا: ان الاكثر جدوي وتأثيرا هو العمل وبشكل واع من اجل تحويل الدول العربية الي مايمكن تسميته بمجتمع الامن العربي الواحد وذلك خلال مدة زمنية من المهم ان تكون قصيرة كلما كان ذلك ممكنا. والمقصود بايجاد مجتمع الامن العربي الواحد هو العمل وبشكل حقيقي بين الدول العربية ومن خلال الجامعة العربية من اجل القضاء علي المخاوف المتبادلة والشكوك المتجذرة والثقة المفقودة الي درجة كبيرة بين الاشقاء ولن يتم ذلك من خلال البيانات الفضفاضة او التصريحات الطنانة ولكن من خلال العمل وباخلاص علي الاتفاق وبشكل جاد علي حل كل الخلافات بالطرق السلمية وعلي الامتناع عن التدخل في الشئون الداخلية للدول الاخري وعلي وقف مختلف صور الحملات الاعلامية والعمل علي التوقيع علي اتفاقية عدم اعتداء والاعتراف بالحدود بين الدول العربية والالتزام بعدم تغييرها بشكل جماعي او ثنائي وهذه النقطة تحديدا ستصطدم الان بعدد من مشكلات الحدود القائمة بين الاشقاء ولكن من المهم التعامل مع تلك المشكلات برغبة صادقة لحلها بما يحفظ المصالح المتبادلة ويغلق ملفات تثير الخلافات والمنازعات بين الاشقاء حتي يمكن توجيه الجهود المشتركة الي تحقيق مصالح افضل للشعوب العربية. واذا كانت هناك مناطق حدودية تستحكم الخلافات بالنسبة لها فلعله من المفيد الاتفاق بين الاطراف المعنية علي الاستغلال المشترك والعادل لها وتحويلها الي مناطق اتصال ووئام بين الشعوب العربية وخدمة حاضرها ومستقبلها بدلا من تحويلها الي مناطق احتكاك وقتال وتهريب للاسلحة والمتسللين. واذا كان التغير الذي حدث في السياسة المصرية خاصة في عهد الرئيس مبارك قد سار وبشكل عملي نحو التأكيد علي عدم التدخل في الشئون الداخلية للدول العربية الاخري مع مد يد التعاون المثمر اليها جميعها لخدمة المصالح الثنائية والقومية كما ان هناك امثلة نجاح عربية اخري في هذا المجال فان التخلص من المخاوف المتبادلة والمطامع الكامنة يعد شرطا ضروريا للسير بخطي عملية في دروب التعاون الاقتصادي والتجاري وغيرها وهو ما يمكن ان يؤول في النهاية الي فتح الحدود بين الدول العربية امام انتقال المواطنين العرب بسهولة وكذلك امام طرق ووسائل المواصلات بيسر ودون تعقيد طالما تثق كل دولة عربية في انها لن تتعرض لمؤامرات او محاولات لزعزعة امنها عبر الحدود او من جانب دول شقيقة اخري تحت ظرف او آخر.
واذا كان الاتحاد الاوروبي قد نجح في بناء مجتمع الامن الاوروبي الواحد وهو ماساعد في دفع كل صور التعاون الاوروبي فانه ان الاوان لان تسير الدول العربية علي هذا الطريق اي بناء مجتمع الامن العربي الواحد. ولعل الرصيد الضخم من التعاون بين وزراء الداخلية واجهزة الامن العربية او بعضها يسهم او يكون مقدمة في هذا المجال ليس لفرض المزيد من القيود والتعقيدات علي المواطن العربي بالطبع ولكن لتأمين كل الدول العربية حيال اية تهديدات من جانب دول عربية اخري وبالتالي فتح الطريق لتعاون اكبر فيما بينها. اما الايحاءات والتلاعب بالمخاوف والتصريحات غير المسئولة فانها لايمكن ان تخدم العمل العربي المشترك. اذكيف يتعاون ويتكامل طرفان بينهما شكوك او انعدام ثقة او خلافات حادة ظاهرة او مطمورة تنتظر الظروف المناسبة لتفجيرها من المؤكد ان هذه ليست دعوة مثالية او صعبة التحقيق ولكنها في الواقع ضرورة عملية فمن المهم ان نبني ونعمق الشعور بالامن المتبادل لنسير معا في مشروعات واستثمارات مشتركة وتعاون في كل المجالات ومن المهم ان نبدأ ذلك بسرعة ومن خلال خطوات عملية محسوبة لانه لم يعد هناك متسع من الوقت للبيانات الفضفاضة او للصياغات التي يعلم الجميع انها لن تغير شيئا. فهل تقترب قمة تونس من ذلك |
|
|
|
|
|
|
| موضوعات في نفس الباب |
| ~LIST~ |
|