|
|
|
قضايا و اراء
| 42836 | السنة 128-العدد | 2004 | مارس | 18 | 27 من محرم 1425 هـ | الخميس |
|
هل تتحول عملة تسعير البترول من الدولار إلي اليورو؟ بقلم: د. حسين عبد الله
|
|
بمناسبة انخفاض سعر صرف الدولار في مواجهة العملات الرئيسية الأخري, يدور الحوار في الوقت الحاضر حول إمكان التحول من اتخاذ الدولار كعملة لتسعير البترول الي عملة أخري مثل اليورو. والواقع أن تلك الفكرة ليست مستجدة, إذ تتردد كلما انخفضت قيمة الدولار في أسواق المال العالمية. ويذكر تاريخ صناعة البترول أن قيمة الدولار كانت قد تدهورت اثر تعويمه في15 أغسطس1971 وماتبعه من تخفيض قيمته رسميا في17 ديسمبر1971, مما دعا دول أوبك إلي المطالبة بتعويض النقص في القيمة الحقيقية لأسعار البترول. وانتهت المفاوضات التي دارت حينذاك بين دول الخليج وشركات البترول العالمية إلي إبرام اتفاقية جنيف الأولي التي ارتفعت بمقتضاها أسعار البترول بنحو8.5% اعتبارا من20 يناير.1972 كذلك تضمنت الاتفاقية أحكاما تقضي بتعديل الأسعار كل ربع سنة علي أساس مؤشر يقيس قيمة الدولار بالنسبة لعملات تسع دول صناعية كبري. فلما خفضت قيمة الدولار للمرة الثانية في12 فبراير1973 أبرمت اتفاقية جنيف الثانية في يونيو1973 متضمنة الإبقاء علي الإطار العام للاتفاقية الأولي مع إدخال تعديلات طفيفة علي المؤشر الخاص بحساب قيمة الدولار بالنسبة للعملات الأخري, وتصحيح الأسعار شهريا تبعا لتقلب العملات. وبذلك ارتفعت أسعار البترول بنحو11.9%.
وكان قد سبق اتفاقيتي جنيف الأولي والثانية مفاوضات شاقة بين دول أوبك وشركات البترول العالمية منذ يناير1970 وانتهت بإبرام اتفاقيتي طرابلس وطهران, حيث زيدت بمقتضاهما الأسعار وأنصبة الدول المضيفة في منطقتي الخليج العربي وشمال أفريقيا زيادة طفيفة. غير أن أقصي ما توصلت إليه الاتفاقيات الأربع من زيادة في نصيب الدولة المضيفة لم يتجاوز دولارا و9 سنتات, إذ ارتفع من91 سنتا للبرميل الي نحو دولارين. وحتي هذه الزيادة الضئيلة كانت عرضة للتآكل في قيمتها الحقيقية نتيجة لخفض الدولار وللارتفاع الكبير في معدلات التضخم التي سادت في مستهل عقد السبعينيات. وبدون الدخول في التفاصيل, فقد عزز العبور المصري لقناة السويس في حرب أكتوبر1973 عزيمة الدول المصدرة للبترول, والتي كانت تتفاوض دون أن تتوصل لنتيجة ذات قيمة مع شركات البترول العالمية, فقامت الدول المنتجة للبترول في الخليج العربي, وبمشاركة مصر, باتخاذ قرارات تاريخية من جانب المنتجين لأول مرة في تاريخ الصناعة, حيث تقرر زيادة سعر البترول من3 دولارات للبرميل قبيل الحرب الي12 دولارا نافذا من أول يناير.1974
توالت بعد ذلك القرارات النابعة من السيادة الوطنية التي استردتها الدول العربية تحت مظلة حرب أكتوبر. ومن ذلك أن اتفاقية المشاركة التي أبرمت مع الشركات عام1972 كانت تتيح لتلك الدول حق تملك25% من مرفق إنتاج البترول الخام, علي أن ترتفع تلك النسبة الي51% بعد عشر سنوات أي في عام.1982 ولكن بدلا من انتظار السنوات العشر, قررت دول الخليج رفع نسبة المشاركة في مستهل1974 الي60%. وتلي ذلك سلسلة من القرارات والإجراءت التي انتهت بالتملك الكامل لجميع المنشآت البترولية القائمة علي أرض الدول المصدرة للبترول. وهكذا جاءت المحصلة النهائية لتداعيات حرب أكتوبر ممثلة في إعادة هيكلة صناعة البترول, بحيث انتقلت السيطرة الكاملة علي مقدرات انتاجه وتصديره الي أصحابه الشرعيين, وارتفعت بذلك ايرادات تصدير البترول في الدول العربية المصدرة للبترول من نحو14 مليار دولار عام1972 الي نحو75 مليار دولار عام1974, ثم تصاعدت لتبلغ نحو213 مليارا عام1980 اثر قيام الثورة الإيرانية.
غير أن أسعار البترول لم تلبث أن أخذت في التآكل خلال النصف الأول من عقد الثمانينيات بفعل السياسات التي استخدمتها الدول الصناعية الغربية ولايتسع المجال لشرحها. بذلك أخذ إنتاج أوبك يتقلص خلال النصف الأول من عقد الثمانينيات مما دعاها الي محاولة الدفاع عن هيكل الأسعار بتبني سياسة لوضع سقف لإنتاج المجموعة وتوزيع الأنصبة بين أعضاء المنظمة في صورة حصص بدأت منذ مارس1982 ومازالت السياسة قائمة للآن. وبعد أن كان إنتاج أوبك قد حقق ذروة عند31.7% مليون ب/ي عام1977, وذروة أخري عند32 مليون ب/ي1979 انهار الي22.5 مليون ب/ي عام1981 واستمر في الانكماش الي أن بلغ14.9 مليون ب/ي عام.1985 وكان من نتائج ذلك الاختلال بين الطلب والعرض تراكم طاقة إنتاجية مغلقة وغير مستغلة في دول أوبك بلغت في عام1985 نحو15.6% مليون ب/ي, أو مايعادل29% من إجمالي الطاقة الإنتاجية في العالم. عندها قررت أوبك أنها لن تستمر في حمل مسئولية المنتج المكمل, تاركة لغيرها من الدول المصدرة للبترول إطلاق الإنتاج بلا ضابط, كما أعلنت أنها سوف تحاول الحفاظ علي نصيبها من السوق, وأنها سوف تنتهج سياسة الحرية للجميع فأطلقت في السوق خلال1986 نحو18 مليون ب/ي,وكانت النتيجة إنهيار الأسعار الي أقل من النصف إذ انخفضت من نحو28 دولارا للبرميل الي نحو13 دولارا في المتوسط عام1986, وانخفضت في يوليو من العام المذكور الي7 دولارات.
وفي عام1987 عاد التوازن الي السوق العالمية للبترول, واستقرت الأسعار حول18 دولارا للبرميل, حيث ساد نوع من توافق الآراء باعتباره سعرا مقبولا من المنتجين والمستهلكين, بشرط المحافظة علي قيمته الحقيقيةPriceinrealterms عن طريق السماح للسعر الإسميNominalPrice بالتدرج في الارتفاع بما يعوض النقص في قيمته الحقيقية نتيجة للتضخم وتقلبات قيمة الدولار. غير أن أسعار البترول لم تلبث أن أخذت في التآكل خلال عقد التسعينيات من حيث قيمتها الحقيقية إذ استمر السعر الاسمي يتراوح حول17 دولارا, بينما استمر التضخم في الارتفاع واستمرت قيمة الدولار في التذبذب غالبا في اتجاه الانخفاض. ومن ناحية أخري, لم تسمح الدول الأوروبية المستوردة للبترول بأن ينتفع المستهلك النهائي من الانخفاض الذي هبط بالسعر من28 دولارا عام1985 الي13 دولارا عام1986, واستقر بعد ذلك حول معدل17 ـ18 دولارا, مما كان سينعكس أثره في زيادة الطلب علي البترول. وإنما سارعت تلك الدول الي زيادة ضرائبها المفروضة علي استهلاك المنتجات البترولية من نحو22,20 دولار للبرميل عام1985 الي30 دولارا عام1987 واستمرت في الارتفاع الي أن بلغت نحو64 دولارا للبرميل خلال النصف الثاني من عقد التسعينيات.
والواقع أن الأمر لايختلف فيما لو تم تحديد السعر الإسمي للتبرول بالدولار أو بغيره من العملات, إذ إن ما يهم الدولة المصدرة للبترول هو القيمة الحقيقية للسعر, معبرا عنها بالقوة الشرائية لمجمل ماتحصل عليه من عائدات تصدير البترول بصرف النظر عن العملة التي يتم بها تسعيره. بمعني آخر أن مايهم الدولة المصدرة للبترول في نهاية المطاف هو حجم السلع والخدمات التي تحصل عليها في مقابل كل برميل تقوم بتصديره. وهذا مانعبر عنه بالقيمة الحقيقية لسعر البترول. ولكي يتعمق فهمنا لمضمون القيمة الحقيقية التي يغفلها كثير من الدارسين, ينبغي أن نبدأ بتوضيح حقيقة الاعتماد المتبادل بين مصدري البترول, بخاصة الدول أعضاء منظمة اوبك, وبين المجموعة الصناعية الغربية أعضاء منظمةOECD والتي تعتبر الشريك التجاري الرئيسي في مبادلة البترول بالسلع والخدمات التي تستوردها دول اوبك. فالمجموعة الغربية استوردت في عام2000 نحو71% من الواردات البترولية العالمية, ونفس النسبة تقريبا من صادرات أوبك النفطية. وفي تقديرنا أن ماتنفقه دول أوبك من عائداتها البترولية في أسواق المجموعة الصناعية الغربية للحصول علي السلع والخدمات لاتقل عن تلك النسبة. ولذلك فإن تطور الأسعار في الجانبين يمكن أن يعبر عن أثر التضخم في سعر البترول. وباستبعاد أثر التضخم وأيضا استبعاد أثر تقلبات سعر صرف الدولار في مواجهة العملات الرئيسية الأخري يمكن الكشف عن تطور القيمة الحقيقية لأسعار البترول.
وقد استخدمت أوبك لتقدير أثر عامل التضخم المتوسط المرجح للأرقام القياسية لأسعار المستهلك في الدول المدرجة في اتفاقية جنيف الأولي مضافا اليها الولايات المتحدة( مع الترجيح بالاستهلاك الخاص في دول اتفاقية جنيف الأولي والولايات المتحدة). أما أثر تقلبات سعر صرف الدولار, فقد استخدمت أوبك في تقديره المتوسط المرجح للرقم القياسي لأسعار صرف عملات الدول المدرجة في اتفاقية جنيف الأولي مضافا اليها الولايات المتحدة, وذلك في مقابل الدولار( مع الترجيح بأوزان واردات أوبك من تلك الدول).
وباستخدام عام1973 كسنة الأساس, واستبعاد آثار التضخم وآثار تقلبات سعر صرف الدولار في مواجهة العملات الرئيسية الأخري, يتبين أن سعر البترول قد استمر في التآكل في صورته الحقيقية, حتي بعد انهياره في صورته الإسمية عام.1986 فعبد أن بلغ السعر الحقيقي, باستبعاد آثار التضخم وتقلبات سعر الصرف, ذروته عام1981 عند16.39 دولار للبرميل بدولارات عام1973( مع أن السعر الاسمي كان35 دولارا عام1981), أخذ السعر الحقيقي في التراجع تدريجيا الي أن بلغ15.18 دولار عام1985 قبل أن ينهار في عام1987 الي نحو6 ستة دولارات نتيجة لانهياره في صورته الاسمية كما ذكرنا. وباستثناء1990 الذي شهد فترة وجيزة لارتفاع السعر نتيجة لأزمة الخليج, فإن سعر البترول في صورته الحقيقية لم يتجاوز علي مدي عقد التسعينيات نحو4.50 دولار للبرميل بدولارات عام1973, وهو مايقل عن ثلث نظيره خلال النصف الأول من عقد الثمانينيات, ولايزيد كثيرا علي ثلث السعر الذي ارتفع بفضل حرب أكتوبر من3 دولارات الي12 دولارا للبرميل بدولارات عام.1974 وبصرف النظر عما استحدثته أوبك ويعرف بآلية ضبط الأسعارPricebandmechanism والتي بدأ تطبيقها في مارس2000, ومن مقتضاها تحريك سقف الإنتاج بالزيادة أو الخفض بما يحافظ علي أسعار البترول بين حدين22 ـ28 دولارا للبرميل من سلة أوبك, فإن السعر الإسمي الذي تحقق في إطار تلك الآلية لم يتجاوز25 دولارا للبرميل في المتوسط خلال السنوات الأربع الأخيرة2000 ـ2003, وان كان قد تجاوز قليلا الحد الأعلي لهذه الآلية خلال الشهور الأولي من عام2004 لاعتبارات وقتية يتوقع أن تخف حدتها خلال الربع الثاني ليعود السعر الي التدني من جديد.
والواقع أن تسعير سلعة كالبترول, والتي هي ثروة طبيعية ناضبة, لا يخضع لنظرية المنافسة الحرة كما يدعي المطالبون بإبقاء السعر عند مستوي متدن يقارب نفقة الإنتاج بمعناها الضيق. إذ الواقع أن تلك النفقة لاتعبر عن حقيقة القيمة الكامنة في ذلك المصدر الثمين الناضب من مصادر الطاقة, والتي هي في حقيقتها قيمة رأسمالية تتآكل باستخراجها من باطن الأرض, ولايمكن أن تتجدد مهما طال الزمن. ومن ثم يعتبر الفائض الذي تحصل عليه الدول المنتجة للبترول فوق تكلفة الإنتاج ثمنا للمادة الخام مستقلا عن تكلفة الإنتاج, وتعويضا لها عن نضوب الثروة الطبيعية التي تكاد تكون المصدر الأساسي والوحيد لتمويل الأنشطة الجارية والتنموية في تلك الدول. واعترافا بتلك الطبيعة الخاصة للبترول وغيره من الثروات الناضبة أقرت المادة20 من أحكام اتفاقية جات الترخيص لمنتجيها بفرض قيود علي إنتاجها وتصديرها علي خلاف القاعدة العامة المعمول بها في تلك الأحكام, وذلك بغية ترشيد استخدامها والحيلولة دون إهدارها في ظل أسعار متدنية, وحتي يمكن إطالة عمرها خدمة للإنسانية. أخيرا, عودة الي السؤال الذي بدأنا به وهو: هل يفيد منتجي البترول أن يتحول تسعيره من الدولار الي اليورو؟
وإجابتنا باختصار أن المهم ليس في التحول من عملة الي أخري, ولكن الأهم هو الحفاظ علي القيمة الحقيقية لتلك الأسعار عند المستوي الذي توافقت عليه آراء المنتجين والمستهلكين في عام1987, وهو18 دولارا للبرميل مع السماح بارتفاعه تدريجيا للحفاظ علي ذلك المستوي. وفي رأينا أن آلية ضبط الأسعار التي اعتمدتها أوبك تقصر عن تحقيق هذا الهدف. فبالإضافة الي ضرورة تعديل السعر باستبعاد عامل التضخم, وباستبعاد تقلبات سعر صرف الدولار في مقابل العملات الرئيسية الأخري, ينبغي إضافة عامل ثالث وهو ضرورة تدرج السعر ارتفاعا بمعدل سنوي يعادل معدل الزيادة في الطلب العالمي علي البترول باعتباره سلعة استراتيجية ناضبة ينبغي أن تتمتع بعلاوة خاصة, أسوة بما تتمتع به سائر السلع الاستراتيجية, ونحن لانبتدع ذلك المبدأ, إذ سبق إقراره بمقتضي اتفاقية طهران ـ التي أبرمت مع الشركات العالمية عام1971 ـ وتقرر بمقتضاها أن يرتفع السعر سنويا بمعدل2.5% لمواجهة التضخم النقدي العالمي, كما يرتفع سنويا بمقدار5 سنتات للبرميل مقابل ارتفاع الطلب العالمي علي البترول( وكانت هذه السنتات الخمسة تمثل2.5% من السعر الذي كان يتراوح حول دولارين في ذلك الوقت).
ولو كانت أسعار البترول الاسمية قد تحررت من الضغط الذي مارسته ومازالت تمارسه عليها السياسات الغربية لارتفعت بمعدل5% سنويا في المتوسط منذ عام1987( وهو مايمثل مجموع معدل التضخم3% ومعدل نمو الطلب العالمي علي البترول2%). وبذلك لابد أن يبلغ سعر البترول في الوقت الحاضر نحو39 دولارا للبرميل, وهو ما يتجاوز كثيرا حد الـ30 دولارا, الذي يثير الدول الغربية بقيادة الولايات المتحدة حوله ضجة صاخبة ولاتتواني عن الاحتجاج علي قرارات أوبك التي تستهدف حماية السعر من التدهور في صورتيه الإسمية والحقيقية. |
|
|
|
|
|
|
| موضوعات في نفس الباب |
| ~LIST~ |
|