|
|
|
قضايا و اراء
| 42836 | السنة 128-العدد | 2004 | مارس | 18 | 27 من محرم 1425 هـ | الخميس |
|
مبادرات الإصلاح والتحديث... أسئلة وملاحظات! بقلم: مـرسي عطـا اللـه
|
|
 |
هذا الذي يجري ويقال هذه الأيام باسم ضرورة نشر الديمقراطية في العالم بوجه عام وفي منطقة الشرق الأوسط الكبير بوجه خاص ليس مجرد دلالة علي أننا نعيش عصرا جديدا اختلفت أجواؤه وتغيرت آفاقه عن العصر الذي مضي وانقضي, وانما هو دليل حي علي أننا نعيش حقبة من الخلط الفكري الذي يحمل في ظاهره عناوين ملفتة عن اعادة رسم خريطة العالم, بينما الجوهر والمضمون أبعد مايكون عن استحقاقات الديمقراطية التي يرتدون قميصها. وربما يكون ضروريا أن أقول في البداية إن هناك فارقا كبيرا بين رؤية الديمقراطية كنموذج يجري تطبيقه في بعض البلدان بدرجة تدعو الي الاعجاب والانبهار, وبين الوهم بامكانية استيراد هذا النموذج والرهان علي نجاحه في مكان آخر لأن الديمقراطية محصلة تراكمات طويلة وليست عصا سحرية تصلح كحقنة دواء لأي داء!
بوضوح شديد أقول: إنه لا يمكن القول بامكانية قيام ديمقراطية حقيقية قابلة للبقاء والاستمرار في أي مجتمع إلا إذا نبعت من الداخل واستندت الي قوي اجتماعية متنوعة قادرة علي حماية مصالحها ومتوازنة في قدراتها, بحيث يمكن أن يقوم بينها حوار ديمقراطي بكل حرية وتحت سقف القانون. ثم ان التاريخ لم يعرف ديمقراطيات معلبة تمكنت من البقاء, فالديمقراطية ليست سلعة يمكن شراؤها وليست هبة أو منحة من أحد يمكن قبولها, ولكنها محصلة تفاعل وحركة بين القوي المختلفة في أي مجتمع.
وعندما يبدي البعض اندهاشهم ويتساءلون عن سبب رفض الشعوب العربية والاسلامية لمنحة الديمقراطية التي تريد أمريكا أن تفرضها عليهم فانهم يعتقدون ـ واعتقادهم خاطئ ـ ان السبب يرجع فقط الي تشكك العرب والمسلمين في مصداقية الطرح الأمريكي, حيث السجل متخم بكل الأدلة والشواهد التي لا تبعث علي الثقة! وليس ذلك الذي يقال في تفسير عمق الرفض والتحفظ العربي والاسلامي سوي جزء من الحقيقة ولكنه ليس كل الحقيقة!
نعم هناك شكوك وهواجس واسعة وعميقة بسبب ازدواجية المعايير وسياسة الكيل بمكيالين التي تنتهجها السياسة الأمريكية مع قضايا العرب والمسلمين, ولكن هناك أسبابا وعوامل اضافية أخري تصنع كل هذه الريب والشكوك تجاه مايسمي بمبادرة الشرق الأوسط الكبير. هناك في البداية صدمة عربية واسلامية من تجاهل المبادرة المطروحة لأحد أسباب تعثر خطوات الاصلاح والتحديث ـ التي تتحدث عنها المبادرة ـ وهو غياب الحل العادل والشامل للقضية الفلسطينية نتيجة الانحياز الأمريكي السافر الذي يجعل من إسرائيل دولة فوق القانون. وهناك أيضا دهشة واستغراب في العالم العربي والاسلامي من الاصرار الأمريكي علي صم الآذان عن استحالة القول بصلاحية نموذج بعينه لكي يجري تطبيقه في دول عديدة تتباين وتتنوع في درجة تطورها السياسي والاقتصادي, وكذلك درجة نضج بيئتها الثقافية والاجتماعية التي تفرز القوي السياسية المعبرة عن المصالح الاقتصادية والاجتماعية لكل حزب علي حدة تحت مظلة من التوازن في النمو الاجتماعي والاقتصادي والسياسي الذي يضمن قوة البناء الديمقراطي واستمراريته.
*** وإذا انتقلت من دوائر التعميم التي تحكم منطلقات الرفض والتحفظ العربي والاسلامي تجاه مايسمي بمبادرة الشرق الأوسط الكبير الي دوائر محددة يمكن اعتبارها دليلا علي عدم مصداقية الطرح الأمريكي للاصلاح والتحديث الديمقراطي, فإن الموقف الأمريكي من الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات يطرح علامات استفهام كثيرة لا تتعلق فقط بالضغوط الأمريكية علي الشعب الفلسطيني لانجاز تسوية سياسية علي المقاس الاسرائيلي, وانما بازدواجية المعايير الديمقراطية لدي القوة العظمي في عالم اليوم. إن ما يجري للرئيس عرفات المحاصر منذ عامين يمثل دليلا علي هشاشة الادعاء بصدق الرغبة في نشر الديمقراطية لأن عرفات المنتخب بأغلبية ساحقة عبر اقتراع حر مباشر, وتحت اشراف ورقابة دولية وأمريكية جري شطبه من الأجندة السياسية الأمريكية, حيث أيدت واشنطن رغبة شارون في وقف التعامل معه وتقييد حركته والسعي لاقصائه أو طرده, عندما تتوافر الظروف الاقليمية والدولية الملائمة لذلك.
ونفس الشيء ـ وان اختلف المكان والزمان والمضمون ـ ينطبق علي ذلك الذي شهدته جمهورية هاييتي في الأسابيع الأخيرة وأدي الي اسقاط الرئيس أريستيد المنتخب من شعبه بعد مؤامرة مكشوفة دبرتها المخابرات المركزية الأمريكية لإحداث القلاقل وتشجيع وتسليح بعض المتمردين لكي توفر لأمريكا حق التدخل العسكري. ثم ان ذلك الذي جري ـ ومازال يجري ـ في العراق لا يبعث علي أي قدر من الثقة في ان الولايات المتحدة الأمريكية معنية فعلا بنشر الديمقراطية, بدليل ان الحاكم المدني بول بريمر ضرب عرض الحائط بوجهة نظر الغالبية العظمي من أعضاء مجلس الحكم العراقي المعين ولم يلتفت لرأي غالبية الشعب العراقي من الشيعة والسنة والتركمان والآشوريين وصمم علي أن يتضمن القانون المؤقت لإدارة الدولة العراقية نصا لا علاقة له من قريب أو من بعيد بأبسط مبادئ الديمقراطية. لقد أجبر بول بريمر أعضاء مجلس الحكم العراقي علي توقيع القانون المؤقت الذي يعطي الأقلية الكردية حق الفيتو ـ أي حق الاعتراض ـ ضد رأي الأغلبية إن يفترض أن يكون أي قرار نهائي تعبيرا عن ارادتها ورغبتها تماشيا مع القاعدة الديمقراطية التي تقول إن ارادة الأغلبية تمثل ارادة الأمة عندما يغيب الاجماع.
*** وإذن ماذا؟ أظن أن مانحن بصدده الآن أكبر وأعمق من مجرد القبول أو التحفظ أو الرفض لما جري تسريبه ـ ولم يتم تسليمه لدولنا بعد ـ عن مبادرة الشرق الأوسط الكبير. قد يكون ما صدر عن مؤتمر الاسكندرية من توصيات عن الرؤية العربية للاصلاح وكيفية تنفيذها خطوة تستحق الاشادة, ولكن ينبغي أن يتبعها وأن تتلوها خطوات أخري أكثر اتساعا!
إن قضية الاصلاح والتحديث ينبغي أن تكون هي قضية العرب الأولي في قمتهم المرتقبة في تونس نهاية هذا الشهر من خلال السعي لصياغة رؤية عربية موحدة علي شكل مبادرة ذاتية تعكس قدرة العقل, وليست رؤية تكتيكية مقيدة بحسابات رد الفعل للمشاريع والمبادرات الخارجية. نحن بحاجة الي رؤية عربية موحدة تؤكد قدرتنا علي تجاوز بعض مظاهر التخلف التي نعاني منها خصوصا باتجاه تأسيس مجتمع المعرفة من ناحية وحماية القيم الاسلامية والعربية الأصيلة من ناحية أخري.
ونحن بحاجة الي موقف عربي موحد وصريح يلغي ضرورات الوجود العسكري والسياسي والاقتصادي الأجنبي بروح الرغبة في حماية استقلالنا ومصالحنا ودون التورط في صدامات ومعارك شبعنا منها. لابد أن تتضمن أية رؤية عربية للاصلاح والتحديث من خلال أعلي مستوي في النظام العربي خلال قمة تونس إشارات واضحة تنطلق كرسائل محددة الي كل أنحاء العالم للتأكيد من خلالها, بأننا نؤمن بالتسامح والحوار, ونرفض التعصب والتطرف ونسعي لبناء شراكة حضارية وسياسية واقتصادية علي أرضية صلبة من القدرة والتكافؤ.
لقد آن الأوان لصيحة يطلقها قادة الأمة من قلب قمة تونس تدعو الي اعادة بعث النهضة الثقافية والطفرة التنموية من خلال توافق عام علي ضرورة البدء في بناء المؤسسات التي تكفل تحقيق الديمقراطية والمساواة والعدل بروح الانتماء والمواطنة. لقد أصبح محتما علي أمتنا أن تتقدم دون ابطاء ـ وبارادتها الخالصة ـ للسير علي طريق حرية الرأي والتعبير وضمان كل استحقاقاتها بسيادة القانون ونشر التعليم لخدمة أغراض البحث العلمي في المقام الأول.
*** ثم يبقي في النهاية سؤال ضروري هو: هل هناك تعارض بين الاصلاح الديمقراطي المطلوب وبين الغياب المستفز للحل العادل للمشكلة الفلسطينية؟ وقبل أن أجتهد في الاجابة علي هذا السؤال أطرح تساؤلا آخر حول توقيت اطلاق مبادرة الشرق الأوسط الكبير باسم الاصلاح بالتزامن مع تفعيل قانون محاسبة سوريا كنوع من العقاب!
والحقيقة أن السؤال والتساؤل مرتبطان ببعضهما البعض ويعكسان جانبا مهما من دوافع التشكك في الأهداف والمقاصد الأمريكية التي تختفي وراء مبادرة الشرق الأوسط الكبير, وقانون محاسبة سوريا. إن من الضروري أن تدرك أمريكا العمق النفسي والعاطفي لدي الشعوب العربية الذي يجعلها ترتضي تهميش وارجاء الاصلاح الديمقراطي لحين الانتهاء من انجاز هدف ازالة الاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية المحتلة.
وعندما يصدم نائب الرئيس الأمريكي ديك تشيني الرأي العام العربي بقوله إن الاصلاح الديمقراطي في منطقة الشرق الأوسط يمثل شرطا مسبقا لحل النزاع العربي ـ الإسرائيلي فإنه ليس غريبا ولا مفاجئا أن تتعمق الشكوك العربية والاسلامية تجاه النيات والمخططات الأمريكية. أية ديمقراطية تلك التي يتحدثون عنها, بينما سيوف العقاب مسلطة علي الرقاب العربية, وفي المقدمة رقبة سوريا التي تتهمها واشنطن وتل أبيب برعاية فصائل المقاومة الفلسطينية واللبنانية وحيازة أسلحة كيماوية تندرج تحت لائحة أسلحة الدمار الشامل.
هل الديمقراطية تتحقق في الشرق الأوسط الكبير مع استمرار احتلال إسرائيل للأراضي الفلسطينية وهضبة الجولان السورية ومزارع شبعا اللبنانية, واعتبار أي نوع من المقاومة لهذا الاحتلال ـ حتي لو كانت مقاومة دعائية ـ عملا من أعمال الإرهاب التي تستوجب من أمريكا إشهار سيوف العقاب؟ وهل من متطلبات توفير الأجواء الملائمة لنشر الديمقراطية في الشرق الأوسط الكبير أن تبارك أمريكا حق إسرائيل في امتلاك كل أسلحة الدمار الشامل بما فيها الأسلحة النووية, وأن تتوعد بشن الحرب ضد أية دولة أخري تفكر في امتلاكها, وأن تغزو أية دولة لمجرد الاشتباه في وجود كراسات وبرامج نظرية لديها علي غرار ما جري في العراق؟
باختصار أقول: إن المشكلة ليست في الاصلاح الديمقراطي الذي تحلم به شعوب المنطقة وتستعجل حدوثه, وانما المشكلة في أولئك الذين لا يفهمون نفسية شعوب المنطقة ويدفعونها لكي تكفر بالاصلاح إذا كان سيتم بهذا الشكل وفي ظل هذه الأجواء التي تضمن لإسرائيل هيمنة مطلقة علي شئون العرب والمسلمين. وما أبعد المسافة بين المثال الذي يطرحونه وبين الواقع الذي نعيشه... ومع ذلك فإن هناك مساحة للحركة بين ما يجب أن يكون, وبين ما نستطيع أن نفعله! |
|
|
|
|
|
|
| موضوعات في نفس الباب |
| ~LIST~ |
|