ملفات الأهرام

42836‏السنة 128-العدد2004مارس18‏27 من محرم 1425 هـالخميس

ديـــــــوان الحـــــــياة المعاصــــرة
الحـــــرب بين عاهــــــــلي الجزيـــرة‏!‏
المعاهدة الإيطالية‏-‏اليمنية‏1926:‏ أول معاهدة
بين دولة أوربية والمملكة المتوكلية
بقلم‏:‏ د‏.‏ يونان لبيب رزق

الحـــلقة‏537‏
حرب قصيرة جدا تلك التي نشبت بين المملكة العربية السعودية والمملكة المتوكلية اليمنية خلال ربيع عام‏1934‏ غير أنها كانت محل اهتمام واسع بين جماهير الشعب المصري‏,‏ والشعب العربي عامة‏,‏ الأمر الذي كانت له أسبابه‏,‏ كما كانت له مظاهره‏..‏
من هذه الأسباب أنه من بين جميع الدول العربية‏,‏ في المشرق أو المغرب‏,‏ لم يكن يصدق توصيف‏'‏ المستقل‏'‏ سوي علي مملكتي شبه الجزيرة العربية‏,‏ بغض النظر عن أسباب ذلك‏,‏ سواء كانت دينية كما هو الحال بالنسبة للسعودية‏,‏ أو كانت متصلة بالفقر والتخلف كما هو الوضع بشأن المملكة المتوكلية‏,‏ وهو ما تنبه له العرب والمسلمون الذين عز عليهم اقتتال الدولتين المستقلتين‏!‏

منها أيضا ما اتصل بالموقع الاستراتيجي للمملكة المتوكلية علي مدخل البحر الأحمر الجنوبي‏,‏ بكل ما يعنيه هذا الموقع من أهمية بالنسبة للقوي البحرية المعنية بهذا البحر في ذلك الزمان‏,‏ وكانت تبعا لاهتمامها‏;‏ بريطانيا وإيطاليا وفرنسا‏..‏ الأولي بحكم وجودها في عدن وجنوب شبه الجزيرة‏,‏ وما ترتب علي هذا الوجود من تعقيدات مع الجارة الشمالية لم تتوقف إلا بعد عقد المعاهدة اليمنية‏-‏البريطانية في ذات العام الذي وقعت خلاله الحرب‏,‏ وقبلها بأسابيع إن لم يكن بأيام‏(11‏ فبراير‏1934),‏ حتي أن البعض قد صور الأمر وكأن الإمام يحيي حميد الدين قد سارع بعقد هذه المعاهدة المتصلة بحدوده الجنوبية ليتفرغ للمشاكل الناشبة علي حدوده الشمالية حول عسير ونجران مع المملكة السعودية‏.‏
الثانية‏(‏ إيطاليا‏)‏ التي كانت قد اتبعت سياسة توسعية في البحر انطلاقا من قاعدتها في إريتريا علي الساحل الغربي‏,‏ والتي زاد نشاطها بعد سيطرة الفاشيين علي الحكم في روما منذ عام‏1922‏ وتطلع موسوليني لتكوين إمبراطورية كبيرة في تلك المنطقة الحساسة من العالم‏,‏ بالهيمنة علي الحبشة في الساحل الإفريقي وتقوية نفوذها علي اليمن في الساحل الأسيوي‏,‏ وكانت حكومة روما أول من وقع معاهدة مع اليمن في‏2‏ سبتمبر عام‏1926,‏ والتي أصبح لها بمقتضاها موقع قدم في المملكة المتوكلية‏,‏ الأمر الذي تنم عنه المادة الثالثة منها والتي جاء فيها‏:‏

‏'‏تصرح حكومة جلالة ملك اليمن بأنها ترغب أن تجلب طلباتها من إيطاليا‏,‏ وذلك في الاحتياجات والتجهيزات الفنية التي تساعد بجلب الفائدة علي اقتصاد اليمن ونفعه‏,‏ وكذلك بالنسبة للأشخاص الفنيين‏.‏ وتتعهد الحكومة الإيطالية بأن تبذل جهودها حتي يصير إرسال الأشخاص والتجهيزات الفنية والاحتياجات بأنسب وجه في الأنواع والأسعار والرواتب‏'.‏
الثالثة كانت فرنسا التي حكم وجودها في شرق إفريقيا سياساتها تجاه اليمن‏,‏ ولما كان هذا الوجود محصورا في جيبوتي‏,‏ ولم تكن تتطلع إلي ما هو أكثر من ذلك‏,‏ فقد جاءت في ذيل الدول الثلاث‏,‏ ولم يدفعها إلي التدخل سوي مخاوف حكومة باريس من أن تترك المنطقة لكل من بريطانيا وإيطاليا دون تدخل فرنسي‏.‏

من هذه الأسباب أخيرا ما اكتسبه عاهلا المملكتين من سمعة عريضة في العالمين العربي والإسلامي‏..‏ الملك عبد العزيز آل سعود بتاريخه الطويل منذ أن خرج من الكويت عام‏1902,‏ وبمغامرة تكاد تكون خيالية استولي علي الرياض العاصمة السعودية‏,‏ وانتقل منها خلال السنوات التالية إلي سائر أنحاء شبه الجزيرة في عملية توحيد واسعة كان آخر مراحلها ضم الحجاز عام‏1926,‏ وأصبح لقبه ملك الحجاز ونجد وملحقاتهما‏,‏ ثم ما لبث أن غير الاسم عام‏1932‏ فأصبحت المناطق الواقعة تحت حكمه‏'‏ المملكة العربية السعودية‏'.‏
العاهل الآخر‏'‏ الإمام يحيي حميد الدين‏'‏ والذي بايعه الزيديون بالإمامة منذ عام‏1904‏ وخاض معارك غير محدودة مع العثمانيين الذين كانوا يحكمون اليمن السعيد وقتذاك‏,‏ انتهت بالصلح بين الطرفين عام‏1911‏ الموقع في دعان‏,,‏ وعلي الرغم من أنه قد استبقي بعض رموز السيادة العثمانية علي البلاد‏,‏ إلا أنه من الناحية الفعلية وقعت أغلب أنحاء اليمن تحت سيطرة الإمام يحيي‏,‏ الذي نجح من خلال هذا الصلح أن يحصل من العثمانيين علي إتاوة مالية سنوية في مقابل بقاء رموزهم السيادية‏,‏ وهي علي أي الأحوال الرموز التي انتهت بعد انضمام تركيا خلال الحرب العظمي إلي دول الوسط‏,‏ ألمانيا والنمسا‏,‏ الأمر الذي اضطرت معه إلي سحب قواتها الموجودة في اليمن لتشارك في الحرب علي سائر الجبهات‏,‏ وما تبع ذلك من هزيمة المعسكر الذي راهنت عليه حكومة الأستانة ثم ما صحب ذلك من زوال كل رموز السيادة التركية علي اليمن‏,‏ كما زالت عن سائر أنحاء المشرق العربي الذي كان لا يزال يرزح تحت إدارة هذه الحكومة‏,‏ واستئثار يحيي حميد الدين بالحكم في صنعاء‏,‏ وأصبح أحد العاهلين الكبيرين في شبه الجزيرة العربية‏.‏

ولا شك أن وجود هذين العاهلين بكل تاريخهما في هذه البقعة ذات الأهمية البالغة قد جعلهما محل اهتمام من الشعوب العربية والإسلامية‏,‏ ثم أن هذا الاهتمام انصرف في جانب كبير منه إلي العلاقات بين حكومتي صنعاء والرياض‏,‏ الأمر الذي نتبينه من متابعة الأهرام وغيرها من صحف العصر‏.‏
يقدم الدكتور السيد مصطفي سالم في رسالته للماجستير تحت عنوان‏'‏ تكوين اليمن الحديث‏-‏ اليمن والإمام يحيي‏1904-1948',‏ والتي نشرها معهد الدراسات العربية العالية‏(‏ البحوث والدراسات العربية الآن‏),‏ تفصيلات دقيقة عن تلك العلاقات‏..‏

أهم ما ذكره صاحب هذا العمل أن عسير كانت عقدة هذه العلاقة بعد أن استولي السعوديون علي الحجاز‏,‏ فقبل وقت وبينما كان الإمام يحيي يسعي إلي ضم تلك البلاد وطرد الأدارسة الذين نصبوا أنفسهم حكاما عليها‏,‏ علي اعتبار أنها جزء لا يتجزأ من اليمن‏,‏ فقد نظر إليها الملك عبد العزيز علي اعتبار أنها امتداد طبيعي للحجاز بعد أن استولي عليها‏,‏ ساعده علي ذلك استنجاد الأدارسة به وعقدهم معه معاهدة مكة المكرمة في ذات العام‏,1926,‏ وفي وقت حرج للغاية بالنسبة لحكومة صنعاء‏.‏
وكما يقول الدكتور السيد سالم أن قوات الإمام كانت تزحف في ذلك الوقت في عسير‏,‏ وكانت تحاصر مدينتي صبيا وجيزان‏,‏ أهم مركزين للأدارسة‏'‏ وكانت مفاجأة عنيفة فوجئ بها الإمام‏,‏ فلم يكن أمامه إلا أحد أمرين‏;‏ إما أن يقر المعاهدة ويعترف بها‏,‏ وبذلك تفلت الإمارة من يده‏,‏ وإما أن يأمر قائد جنده في تهامة عسير‏,‏ عبد الله بن الوزير‏,‏ بمواصلة الزحف‏,‏ فيصطدم بابن سعود ويدور القتال بينهما‏,‏ وقد رأي أن يقر بالأمر الواقع‏,‏ وطلب من قائده إيقاف الحرب‏,‏ ثم لبي دعوة ابن سعود للمؤتمر الإسلامي في مكة‏'.‏

‏***‏
ظلت مساعي الجانبين لتجاوز مشكلة عسير قائمة‏,‏ وقد ازدادت درجة حميميتها خلال عام‏1933,‏ وجرت مفاوضات لإقامة حلف دفاعي بين البلدين مدته عشرون عاما‏,‏ ثم مفاوضات جرت في‏'‏ أبها‏'‏ بعد ذلك انتهت إلي فشل حتي أن الأهرام كتبت تعلق عليها بأنه قد‏'‏ تبددت الآمال التي عقدها العرب علي اتفاق عاهلي الجزيرة العظيمين وتآزرهما في سبيل الدفاع عن القضية العربية في مختلف أنحاء الشرق العربي‏'.‏
وتفصل جريدتنا في هذه المناسبة أصل الخلاف فتقول أنه حول عسير ونجران‏'‏ وتنقسم الأولي إلي منطقتي عسير السراة وعسير تهامة‏,‏ وقد احتلت عسير السراة قوات ابن السعود بقيادة الأمير فيصل ثاني أنجاله في سنة‏1922,‏ فتمكنت حينئذ من تدويخ قبائل بني شهر وفتح حرملة حصن الأمير ابن عائض وتشتيت قواته والاستيلاء علي بلاده حتي حدود اليمن من الجنوب وحدود الأدارسة من الغرب والقنفدة من الشمال‏.‏ وأما عسير تهامة وهي المعروفة بالمقاطعة الإدريسية فقد وضعت تحت حماية الملك ابن السعود ثم ضمت إلي المملكة السعودية نهائيا في سنة‏1930'.‏

أما بالنسبة لنجران وهي بلاد واقعة بين العسير واليمن ونجد‏'‏ وقد اشتد الخلاف بين العاهلين علي أثر دخول القوات اليمنية في القسم الشمالي منها‏,‏ ثم تراجعت هذه القوات حقنا للدماء ريثما يعقد الاتفاق الذي كان يرجي عقده في مؤتمر أبها‏'.‏
خلاصة الموقف‏,‏ وفقا لرؤية الأهرام‏,‏ أن الملك ابن السعود‏'‏ أصدر بعد فشل مؤتمر أبها الأمر إلي قواته للزحف جنوبا لاسترداد المواقع التي احتلها الجيش اليمني في جبال تهامة‏,‏ فإذا وفق إلي ذلك سلما أو حربا فمن المحتمل أن تستأنف المفاوضات لمنع الحرب التي أعلن العاهلان العظيمان رغبتهما في بذل قصاري جهدهما للحيلولة دونها‏,‏ وهذا هو الأمل الوحيد الباقي الآن لمنع وقوع هذه الكارثة التي لا تصيب أضرارها غير العرب في الجزيرة وخارجها‏',‏ وهو الأمل الذي لم يتحقق‏!‏

ومن الأهرام الجريدة المصرية العريقة إلي التايمز الجريدة البريطانية التي لا تقل عراقة‏,‏ والتي قدمت تحليلا لأسباب الحرب التي تلوح في الأفق‏,‏ فألقت المسئولية علي عاهل اليمن وأنه سمح لجنوده باحتلال بعض المناطق علي حدود المملكة السعودية‏'‏ وقد اعتمد علي زيادة قوة المساومة عنده‏,‏ وأخطأ في إدراك ما أظهره جاره من الصبر وسعة الصدر فظنهما ضعفا منه‏'.‏
وحاولت الجريدة اللندنية المعروفة أن تتنبأ بما يمكن أن تترتب عليه الحرب المتوقعة فذكرت أن الوهابيين قد انتصروا بسهولة علي جميع الأعداء الذين التقوا بهم حتي ذلك الحين‏'‏ غير أن الجنود اليمنيين الذين يواجهونهم الآن لأول مرة‏,‏ خصوم معروفون بالإقدام والبسالة والنشاط‏,‏ كما عرف ذلك الترك عنهم بما تكبدوه من الخسائر في حرب سنة‏1904‏ وما بعدها‏'.‏

شاركت المانشستر جارديان زميلتها في القول بصعوبة التنبؤ بما يمكن أن يحدث إذا ما نشبت الحرب بين العاهلين فيما جاء في قولها أن الملك ابن السعود مقاتل بارع‏'‏ ولكن موارد بلاد اليمن غنية جدا‏,‏ وفوق ذلك فإنه إذا كانت‏(‏ نجران‏)‏ تبعد أكثر من أربعمائة ميل عن مكة فإنها لا تبعد إلا مائتي ميل عن عاصمة اليمن‏,‏ وعلي ذلك فمواصلات الملك ابن السعود معها أصعب من مواصلات الإمام‏'.‏
غير أنها أضافت سببا لم تتطرق إليه سائر الصحف البريطانية وهو الخلاف المذهبي بين الجانبين‏'‏ فالمسلمون المتشددون من أنصار الملك ابن السعود يكرهون اليمنيين لأنهم يعتبرونهم من المبتدعة‏'!!‏

أول الأخبار عن سير العمليات العسكرية جاءت من لندن ونشرتها الأهرام في برقية لها من مراسلها في العاصمة البريطانية في‏6‏ إبريل عام‏1934,‏ وكانت علي شكل بلاغ أصدرته المفوضية السعودية‏,‏ وجاء فيه أن الملك ابن السعود بعد أن يئس من الوصول إلي اتفاق مرض مع الإمام يحيي‏'‏ أصدر أمره إلي ولي عهده الأمير سعود بأن يزحف بجنوده لمهاجمة القوات الإمامية للإمام يحيي‏.‏ وقد تقدم الأمير فيصل بن سعد ابن أخي الملك إلي‏(‏ باقم‏)‏ وأطرافها‏,‏ كما تقدم ابن أخيه الآخر‏,‏ الأمير خالد بن محمد‏,‏ إلي نجران وصعدة‏.‏ ولم ترد أنباء عن هذه المعارك بعد ولكن تقدم حمد الشويعر‏,‏ أمير تهامة عسير‏,‏ إلي‏(‏ حرض‏)‏ واحتلها فقابله السكان بالابتهاج العظيم‏.‏ وتقدم الأمير فيصل‏,‏ ثاني أنجال الملك عبد العزيز‏,‏ علي شاطئ تهامة لتولي القيادة فيها‏,‏ علي حين أن الأمير محمد‏,‏ النجل الأصغر للملك‏,‏ قد زحف من نجد بقوة احتياطية لإمداد أخيه الأمير سعود‏'.‏
ونقلت الأهرام عن بلاغ آخر صادر من مكة أن السبب وراء تحركات القوات السعودية تحرك اليمنيين بقيادة نجل الإمام سيف الإسلام‏,‏ منتهزين فرصة انسحاب السعوديين خلال مؤتمر أبها لتوفير الجو المناسب لنجاحه‏,‏ فاحتلوا بعض مواقع وجبال في عسير‏,‏ وأن الملك ابن السعود طلب إلي الإمام يحيي أن يأمر بجلاء قواته عنها‏'‏ فلما لم يجبه أصدر أمره باستردادها عنوة وألقي تبعة الحوادث التي تعقب ذلك علي عاهل اليمن‏'.‏

ومع اعتراف جريدتنا أن صداما كبيرا بين الجيشين لم يحدث بعد‏,‏ غير أنها تكهنت بأنه وشيك في ميدان عسير‏'‏ حيث ينتظر أن تحاول القوات السعودية استرداد المواقع التي يرابط فيها الجيش اليمني‏.‏ أما في ميدان نجران‏,‏ فقد يقتصر الأمر علي مناوشات بين الجيشين تشترك فيها القبائل النجرانية‏.‏ ومن المحتمل أن يوجه كل من الملكين عنايته إلي إثارة الفتن والثورات في داخل بلاد خصمه‏'.‏
تنبأت الأهرام أيضا بأن الحرب قد تستغرق وقتا طويلا‏,‏ لأن الجيش اليمني لا يستطيع أن يتقدم في السهل خارج حدوده لمنازلة الوهابيين‏,‏ ولأن الجيش السعودي يتعذر عليه التوغل في جبال اليمن نحو صنعاء‏'‏ هذا إذا لم تقع في أحد البلدين اضطرابات تجعل مهمة الجيش المهاجم سهلة‏',‏ ولم تكن مصيبة في حدسها‏!‏

بعد خمسة أيام صدر البلاغ الآخر عن سير العمليات العسكرية‏,‏ عن المفوضية السعودية في القاهرة هذه المرة‏,‏ نسوقه هنا بنصه لما فيه من دلالات‏:‏
‏'‏كان أول فتح فتح به الله علي جنده احتلال حمد الشويعر قائد منطقة تهامة لمدينة‏(‏ حرض‏),‏ وقد ظلت قاعدتان في هذه المدينة لم تستسلما فسقطت واحدة منهما وبقيت الأخري تحت الحصار‏,‏ وفيها قائد جند الإمام‏.‏ كما وردت الأنباء أن قوات الأمير فيصل بن سعد استولت علي‏(‏ قلعة الشطبة‏)‏ تقدمت بعدها إلي قرية‏(‏ يباد‏)‏ فاحتلتها ثم حاصرت الجند باقم وسقطت أكثر قلاعها في أيديهم‏'‏ ولا تزال المدافع تصلي القلعة الأخيرة نارا حامية وقد هدت ركنا من أركانها وهي قريبة السقوط إن شاء الله‏'.‏

في اليوم التالي‏,12‏ إبريل‏,‏ جاءت الأنباء بأن الإمام أبرق للملك عبد العزيز يطلب الهدنة‏,‏ وذكر أنه قد أصدر أوامره لقواته بالجلاء عن نجران‏,‏ وهو ما لم يقبله الملك السعودي إلا بشروط أربعة‏;‏ الجلاء عن نجران‏,‏ تسليم الرهائن التي أخذها الإمام من القبائل الخاضعة لابن سعود‏,‏ قطع العلاقات بين اليمنيين وبين هذه القبائل‏,‏ وأخيرا تسليم السيد حسن الإدريسي طبقا لمعاهدة كان قد عقدها الطرفان في‏15‏ ديسمبر عام‏1931.‏
لم يستجب الجانب اليمني لشروط الملك عبد العزيز‏,‏ الأمر الذي ترتب عليه إتمام احتلال القوات السعودية لنجران‏,‏ ودخول ميناء‏(‏ ميدي‏)‏ علي الحدود‏,‏ ثم الاستيلاء علي‏(‏ اللحية‏)‏ في أول مايو وتبعه دخول الميناء اليمني الكبير‏(‏ الحديدة‏)‏ بعد ثلاثة أيام‏,‏ وبدون حرب‏,‏ ذلك أن قوات اليمن قد انسحبت وتركزت في الجبال المحيطة‏.‏
ولما كان الملك السعودي مدركا لمخاطر اقتحام معاقل اليمنيين في صنعاء وصعدة والمناطق المحيطة‏,‏ فقد كانت قواته خلال الفترة القصيرة التي انقضت من الحرب تتقدم في وسط جبهات صديقة‏,‏ إذ كان سنيو تهامة واسماعيليو نجران لا يعارضون في تقدم الوهابيين إليهم‏,‏ هذا من جانب‏,‏ ومن جانب آخر فقد كان أعقل من أن يحارب اليمنيين في أقاليمهم الجبلية‏,‏ وهم أكثر دراية بها‏..‏ بهذا الإدراك توقفت القوات السعودية عند هذا الحد‏,‏ خاصة وأن العالم العربي قد استشعر مخاطر الحرب بين العاهلين‏,‏ وأن القوي الكبري المعنية بالمنطقة كانت مهتمة بالتوصل إلي تسوية في أقرب وقت ممكن‏,‏ لما قد يترتب علي استمرار القتال من مخاطر علي مصالحها‏.‏
‏***‏
احتلت أخبار الوساطة بين المقتتلين مساحات واسعة من الأهرام خلال أيام الحرب القليلة‏,‏ بل والأيام التي سبقتها‏,‏ في يوم‏2‏ إبريل انعقد في القاهرة الاجتماع الذي دعت إليه‏'‏ جمعية الشبان المسلمين‏,‏ والذي لباه‏'‏ جمع عظيم من الكبراء والعلماء والصحافيين وغيرهم‏,‏ وكان من بينهم كثير من أعضاء الجمعية الداعية‏,‏ الاتحاد العربي‏,‏ جمعية الإخوان المسلمين‏,‏ جمعية المحافظة علي القرآن‏,‏ الجمعية العامة لمنع المسكرات‏'‏ ثم لفيف كبير من السوريين والفلسطينيين والمغاربة والاندونيسين‏,‏ وبعد أن خطب أكثر من واحد من الحضور أصدروا قرارا بتكليف الدكتور عبد الحميد سعيد بالسفر إلي مكة المكرمة‏,‏ وتأليف لجنة مركزية بالقاهرة لمتابعة مهمته‏'‏ والعمل علي تأييده بكل الوسائل المشروعة‏,‏ علي أن تقوم هذه اللجنة بالاتصال بالهيئات الإسلامية في مصر وغيرها من البلاد‏'‏ تأييدا للغاية التي عقد الاجتماع من أجلها‏'.‏
علي الجانب الآخر‏,‏ وفي القدس‏,‏ بدأ المؤتمر الإسلامي في اتخاذ الخطوات اللازمة للوساطة‏'‏ والسعي مبذول بهمة لتأليف وفد من الشخصيات البارزة في العالمين العربي والإسلامي‏',‏ الأمر الذي دعا الأهرام إلي أن تذكر أن تعدد الوفود موزع للجهود‏'‏ ويكون خيرا أن ينيب الاتحاد العربي عضوا عنه في وفد المؤتمر الإسلامي‏'.‏
وهللت الصحف عندما جاءت الأخبار بأن إمام اليمن قد أرسل وفدا إلي مكة المكرمة لتسوية النزاع‏,‏ غير أن السعودية قد نفت تلك الأنباء‏,‏ الأمر الذي زاد من حماس الوسطاء‏,‏ وفي الاجتماع الذي عقدته‏'‏ اللجنة المركزية‏'‏ للوساطة بجمعية الشبان المسلمين مساء يوم‏4‏ إبريل‏,‏ قررت إرسال برقية إلي الإمام يحيي تسأله الإفادة بعد أن نفي الملك عبد العزيز إرسال مندوبين من جانبه إلي مكة‏.‏
في ذات الوقت تتالت البرقيات من الأفراد والهيئات إلي عاهلي الجزيرة تناشدهم حقن دماء المسلمين في أقرب وقت ممكن‏,‏ كان من أهمها برقية الأمير عمر طوسون لإمام اليمن الذي رد عليها بقوله‏'‏ إننا سنعتمد إرشادكم ونقف عند حد الدفاع‏',‏ وبرقية النحاس باشا إلي الملكين التي أعرب فيها عن أمنية الشعب المصري‏'‏ أن تعملوا بحكمتكم علي حقن دماء المسلمين واجتناب الحرب بين البلدين الإسلاميين المتجاورين‏',‏ والتي اهتم العاهلان بالرد عليها‏,‏ وحاول كل منهما إلقاء التبعة علي الآخر‏..‏ السعودية‏:‏ الإمام يحيي لم يقابل كل مساعينا السلمية بغير خداعنا والدخول في بلادنا والاعتداء علينا‏,‏ اليمن‏:‏ أن الجانب الآخر فاجأهم بالحرب‏'‏ وأمر الجنود بالزحف علينا ولم نشعر إلا بهجوم جنوده علي أطرافنا‏,‏ ومع كل هذا فنحن نعتمد إرشاداتكم ونسأل الله إصلاح شأن المسلمين‏'!‏
وفي يوم‏13‏ إبريل‏,‏ ومن السويس‏,‏ استقل وفد المؤتمر الإسلامي برئاسة أمين أفندي الحسيني وبعضوية عديد من الشخصيات الهامة علي رأسها الأمير شكيب أرسلان ومحمد علي علوبة باشا وهاشم بك الأتاسي‏..‏ استقل الباخرة‏'‏ بولاق‏'‏ التابعة للشركة الخديوية متجها إلي جدة‏.‏
وكان الموقف الدولي أكثر تعقيدا‏,‏ وبدا اختلاف الموقف بين كل من حكومتي بريطانيا وإيطاليا‏,‏ فيما انعكس علي كتابات صحافة البلدين‏..‏
عبرت عن موقف الأولي الصحف الإنجليزية التي نقلت الأهرام عن إحداها‏,‏ مجلة‏'‏ سبكتاتور‏',‏ مقالها الافتتاحي في يوم‏10‏ مايو‏1934‏ والتي ذكرت فيها أن الملك ابن السعود صديق لبريطانيا‏'‏ ويدل تاريخه المدهش علي أن الرعايا البريطانيين يكونون دائما في مأمن تحت رعايته‏,‏ كما لا يكونون في أي جزء آخر من شبه الجزيرة‏'.‏
وأضافت‏'‏ السبكتاتور‏'‏ مؤكدة أنه ليس لبريطانيا مصلحة مباشرة في تطورات الأحداث التي تقع داخل بلاد العرب‏'‏ وإذا فرض واستطاع الملك ابن السعود في النهاية أن يضم بلاد اليمن إلي أملاكه ويصير بذلك جارا لمنطقة عدن‏,‏ فإنه ليس هناك ما يدعو إلي الزعم بأن خطته نحو بريطانيا التي سارت علي وتيرة واحدة منذ أيام قبل الحرب يطرأ عليها أي تغيير أو تتحول عن خطة الصداقة والمودة‏.‏ وقد لزمت بريطانيا خطة الحياد وفي وسعها أن تراقب الأمور وهي بعيدة دون أن يخطر ببالها ما يدعو إلي التدخل‏'.‏
غير أن ذلك لم يمنع‏'‏ الديلي تلغراف‏'‏ من أن تبدي مخاوفها من أن يترتب علي فتوحات ابن السعود إيجاد جامعة عربية تؤلف من جميع البلدان العربية‏,‏ عدا مصر‏,‏ وهو استثناء لا يمكن قبوله‏,‏ وإن كان العكس هو الذي جري بعد عقد واحد حين نجحت مصر في تأسيس الجامعة العربية‏,‏ وانضمت إليها السعودية بعد تمنع‏!‏
في نفس الوقت بعث مراسل الأهرام في روما ببرقية مفادها أن المحافل الإيطالية تتابع بمزيد من الاهتمام أخبار الحرب‏,‏ وإن كانت الصحف تنشر برقيات مطولة عن المقاومة الشديدة التي يواجه بها اليمنيون مطامع ابن السعود في بلادهم‏.‏ أكثر من ذلك أن صحيفة إيطالية ذكرت أن إنجلترا تقدم مساعدات كبيرة للجانب السعودي‏.‏
وفي تلك الظروف أرسلت بريطانيا و إيطاليا بعض قطعها البحرية إلي كل من الحديدة ومخا معللة ذلك بحماية رعاياها الموجودين في هذين الميناءين ممن يعملون في بعض المنشئات الصحية وشركات الملاحة‏,‏ غير أن استقرار الأمر للسعوديين في الحديدة‏'‏ كفل حياة الأجانب وأملاكهم‏',‏ الأمر الذي لم يعد لأي من الطرفين حجة في الإبقاء علي قواته‏,‏ فبادرت الحكومتان إلي سحبها‏.‏
وبعد إذعان الإمام يحيي للشروط الأربعة التي كان قد فرضها الجانب السعودي توقف القتال وبدأت المفاوضات بين الجانبين في الطائف بدءا من يوم‏15‏ مايو عام‏1934,‏ والتي استمرت لأكثر من شهر بدا معه وكأن السعوديين يستثمرون النصر الذي أحرزوه لضمان الاستجابة لكل مطالبهم‏,‏ وانتهت إلي عقد معاهدة الطائف بين الطرفين‏.‏
قدمت الأهرام في عددها الصادر يوم‏15‏ يونية ملخصا لهذه المعاهدة‏;‏ التي أسماها طرفاها‏'‏ معاهدة صداقة عربية وإخوة إسلامية‏',‏ وكان مما جاء فيها‏:‏ وضع حد للحرب وإقرار حالة صداقة دائمة‏,‏ تسوية مسألة الحدود بصورة نهائية قاطعة‏'‏ وتخلي كل من الطرفين المتعاقدين عن كل حق يدعيه في بلاد الفريق الآخر‏',‏ عزم الدولتين علي السير بأمتيهما في طريق إصلاحية واحدة‏,‏ تعهد الجانبين بأن لا تكون بلاده مسرحا للدسائس أو الأعمال غير المشروعة الموجهة إلي الجانب الآخر‏.‏
وقد أغلقت هذه المعاهدة ملف أول اقتتال عربي‏,‏ وإن لم يكن الأخير‏,‏ فقد فعلها صدام حسين عام‏1990‏ حين جر بغزوه الكويت بلاده والوطن العربي كله إلي بئر بلا قاع‏!‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية
موضوعات في نفس الباب
~LIST~