قضايا و اراء

42828‏السنة 128-العدد2004مارس10‏19 من محرم 1425 هـالأربعاء

استحضار التاريخ وتغييب الجغرافيا
بقلم‏:‏ د‏.‏ جمال سلامة علي

حينما يتأمل المرء الجدل الثائر بشأن المبادرة الأمريكية المسماة بمشروع الشرق الأوسط الكبير يتبادر الي الذهن قضيتان جدليتان شهيرتان أثارتا اهتمام شريحة معينة من المثقفين علي مستوي العالم‏,‏ الجدلية الأولي هي أطروحة أو نظرية نهاية التاريخ التي كان بطلها مفكر أمريكي من أصل ياباني يدعي فرانسيسكو فوكوياما ويعمل أستاذا للاقتصاد السياسي بجامعة جونز هوبكتر الأمريكية‏,‏ والثانية هي نظرية صدام الحضارات لصاحبها صامويل هنتينجتون أستاذ الدراسات الاستراتيجية بجامعة هارفارد الأمريكية‏.‏
وقبل أن نتناول وجه الارتباط بين مشروع الشرق الأوسط الكبير وبين أطروحات كل من فوكوياما وهنتينجتون يجدر بنا العودة بإيجاز لما سمي بنظرية نهاية التاريخ التي تري أن النموذج الديمقراطي الليبرالي الرأسمالي هو أقصي وأرقي مراحل تطور التاريخ‏,‏ وأن الانسان باعتباره حيوانا سياسيا قد وصل الي طوره الأخير بارتقائه سلم الديمقراطية الليبرالية الرأسمالية ـ وعليه فإن التاريخ قد توقف تماما أمام تلك المرحلة‏.‏

أما هنتينجتون صاحب صدام الحضارات الذي بدت نظريته وكأنها تصعيد فاش فاستثار حفيظة كثيرين ـ خاصة في عالم خرج لتوه من حربين عالميتين تدميريتين ولم يكد ينفض بعد آثار الحرب الباردة‏,‏ وقد بني هنتينجتون أطروحته علي أن انتهاء الحرب الباردة قد حمل معه نهاية للصراعات الأيديولوجية التي قامت علي المواجهة بين الشرق والغرب أو بين الفكر الرأسمالي والفكر الاشتراكي‏,‏ وأن الصراعات سواء الدولية أو الداخلية ستبرز في المستقبل علي شكل صدام حضارات وليس علي شكل صراع ايديولوجي‏,‏ ويري هنتينجتون أن بؤرة الصراع العالمي ستنحصر بين الغرب والحضارتين الاسلامية والصينية‏,‏ لذلك يري أن علي الغرب أن يتخذ احتياطاته من الآن ويعمل علي الحفاظ علي وضع التفوق العسكري علي الصين والدول الاسلامية‏,‏ وتدعيم الجماعات المتعاطفة مع الغرب داخل تلك الحضارات والحضارات الأخري‏,‏ ومحاولة اختراق الحضارتين الاسلامية والصينية من الداخل والخارج واستمالة شرائح أخري من أبناء تلك الحضارات وذلك بالنفاذ الي الأسس الفلسفية والدينية التي تقوم عليها هاتان الحضارتان‏.‏
‏..‏ أما سبب العودة للحديث عن عبثية فوكوياما وأطروحة هنتينجتون فهو برنامج بثته احدي الفضائيات استضاف أحد المحللين الأمريكتين ليؤكد أن مشروع الشرق الأوسط الكبير هو ترجمة لنظرية نهاية التاريخ لفوكوياما وأن نجاح تطبيق المشروع هو تتويج لتلك النظرية التي حسب البعض أنها قد انطمرت بعد أن نفذ اليها كثير من الكتاب والمحللين بمعاول الهدم‏,‏ ويبدوا أن الهجوم علي نظرية فوكوياما كان ينطلق فقط من الشواهد الملموسة واستقراء الواقع الدولي في حينه دون النفاذ الي الأساس النظري او الفلسفي ـ مما أعطي فرصة لمحاولة استحياء تلك العبثية‏.‏

ولوضع حد لمحاولات البعض اليائسة للنفخ من جديد في خرافة نهاية التاريخ فإننا من جانبنا نشير لمسألة في غاية الأهمية غفل عنها او ربما تغافلها فوكوياما وهي أنه قد تعامل مع التاريخ بمنطق استاتيكي بحت وكأن هذا التاريخ هو شيء لايرتبط بانسان صاحب سلوك متغير ومتطور‏!!‏
أو كأنه لم ينظر إلا الي الصفة التشريحية لهذا الانسان‏!!‏ فلم يعتن إلا بمادية الانسان كآلة تسكن وتأكل وتتناسل‏!!‏ ناسيا أن الصفة النفسية أو السلوكية لهذا الانسان هي التي تتحكم في ماديته من مرحلة لأخري ـ ومن ثم تتحكم في صياغة تاريخه من حقبة لأخري‏,‏ والإنسان الذي هو محور التاريخ لايمكن ضبط سلوكه وأفكاره في قانون أو نظرية معينة لأنه يتغير من بيئة لأخري ومن زمن لآخر ومن مرحلة عمرية إلي أخري‏(‏ طفولة‏,‏ رجولة‏,‏ كهولة‏)‏ فقد يسلك الإنسان سلوكا معينا في ظروف معينة فإذا تغيرت تلك الظروف تغير سلوكه‏,‏ فضلا عن أن الإنسان يكتسب من الظروف التي يمر بها خبرات جديدة تمكنه من تغيير سلوكه إلي الأفضل‏,‏ فضلا عن أن الخصائص البشرية والسلوكية لجماعة مالايمكن أن تتسم بالديمومة دون تغيير‏,‏ فالدوام النسبي للخصائص البشرية يمكن أن ينطبق في حالة التحليل البيولوجي أو الباثولوجي‏,‏ لكنه يكون أبعد عن الصواب في حالة التحليل السيكولوجي ـ فقد يبني البعض تحليله علي تعميمات لسلوك جيل معين ثم تختفي تلك الخصائص في جيل أخر‏.‏

‏..‏ وإذا سلمنا بأن الإنسان هو المحور الأساسي للتاريخ ـ فعلينا أن نقر بأن الإنسان إما أن يكون كائنا حركيا أي واعيا وقابلا للتغيير والتطور وإما أن يكون كائنا جامدا غير قابل للتغير والتطور‏,‏ فإذا اعتبرنا الإنسان كائنا متغيرا حر الحركة والإرادة يتوجب علينا في محاولاتنا لاستشراف التاريخ أن نتعامل مع قوانين متغيرة شأن تغير الانسان‏,‏ ومن ثم فإن أي محاولة استشرافية تقتضي وعي الطبيعة المتغيرة للإنسان حتي يمكن التوصل إلي فروض ونظريات تكتسب الصفة العلمية ـ وهذا شيء بعيد تماما عما أورده فوكوياما خلال افتراضاته أو اضغاثه‏...‏ نعود لهنتينجتون وجدلية صدام الحضارات‏:‏ فبرغم تظاهر البعض هناك برفض ما طرحه هنتينجتون وادعاء الصدمة والتنديد الواهي من قبل البعض هنا ـ فإننا نميل إلي التعامل مع طرح هنتيجتون بل يجب التعامل معه بجدية لأنه يعكس قدرا كبيرا من الرؤية الاستراتيجية الغربية خاصة علي مستوي الولايات المتحدة وحلف الناتو مهما أنكر الآخرون واستنكر المدعون‏,‏ ومن ثم يصبح التعامل مع طرح هنتينجتون بمثابة دواء مر من الواجب تجرعه للوقوف علي ماهو مطروح علي الساحة الآن وعلي طبيعة المخططات والاستراتيجيات طويلة المدي المطروحة ضدنا‏,‏ فنظرية هنتيجتون لم تأت من فراغ بل هي مجرد تفسير للاتجاهات السياسية الأمريكية الجديدة التي بدأت تتبلور منذ عام‏1988‏ في ظل الضعف السوفيتي حيث أعادت الولايات المتحدة ترتيب مصادر التهديد طبقا لمنظورها كما جاء في تقرير صادر عن لجنة التخطيط الإستراتيجي بوزارة الخارجية الأمريكية عام‏1988‏ متضمنا أنه بانتهاء الحرب الباردة فإن الاتحاد السوفيتي لم يعد يمثل تهديدا للغرب وأن مصادر التهديد البديلة ستكون خلال السنوات القادمة هي عوامل عدم الاستقرار في العالم الثالث والفقر والحرمان الاقتصادي والأنظمة السياسية غير المستقرة ـ وما أسمته بحركات الإرهاب الأصولية الإسلامية‏,‏ وشدد التقرير علي ضرورة أن يكون الغرب وحلف الأطلنطي علي استعداد لمواجهة هذه المصادر الجديدة للتهديد‏.‏

في ضوء ذلك فإن أطروحة صدام الحضارات ليست إلا استبدالا لحرب كانت قائمة بين الغرب والشرق إلي حرب كانت قائمة بين الغرب والإسلام كما يؤكد هنتينجتون‏,‏ وهذا في حد ذاته تأكيد لمقولة أن التاريخ يعيد نفسه ـ وليس أدل علي ذلك من وصف جورج بوش الابن لما اسماه للحملة علي الإرهاب بالحرب الصليبية وإن كان قد اعتذر عن هذه المقولة واعتبرها ذلة لسان‏.‏
ومن ثم فإن مزيدا من التأمل فيما هو مطروح علي الساحة الآن وعلي رأسه مشروع الشرق الأوسط الكبير يقودنا إلي حقيقة أننا لسنا بصدد حالة تعكس نظرية نهاية التاريخ كما تخيل فوكوياما من قبل وروج البعض الآن ـ بل نحن بصدد محاولة لاستعادة التاريخ بمراحله الصراعية‏.‏

أكثر من ذلك فنحن بصدد محاولة من قبل البعض لإحداث نهاية الجغرافيا فمن الشواهد التي تسهم لتحقيق تصور نهاية الجغرافيا بما تتضمنه من عملية تفكيك لهياكل جغرافية ودمج لأخري ـ ما نشهده علي ساحة العلاقات الدولية بشقيها التعاوني والصراعي‏,‏ فعلي المستوي التعاوني يتضح ذلك في صورة كيانات تعاونية جديدة مثل الاتحاد الاوروبي والاسيان وغيرها‏,‏ أما علي المستوي الصراعي نجد ذلك متمثلا في استبدال مفهوم الحدود السياسية بمفهوم الحدود الآمنة‏,‏ واستخدام القوة من جانب الولايات المتحدة في إدارة الأزمات الإقليمية الذي أصبح أمرا أكثر سهولة ويسرا بعد تلاشي دور الاطراف الاخري‏,‏ فضلا عن ان استخدام القوة الذاتية في إدارة الأزمات الإقليمية دون اذن من الولايات المتحدة أصبح دربا من المحال‏,‏ اضافة الي بروز الانقسامات والاضطرابات الداخلية في نطاق الدولة الواحدة بصورة اوضح من الصراعات الإقليمية بين الدول‏,‏ ومن ثم أصبح التدخل الخارجي في دولة ما أمرا مقبولا خاصة إذا ما اقترن بشعارات حقوق الإنسان وحماية الأقليات‏.‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية
موضوعات في نفس الباب
~LIST~