قضايا و اراء

43100‏السنة 127-العدد2004ديسمبر7‏24 من شوال 1425 هـالثلاثاء

قراءة جديدة في الملف السوري
بقلم : د‏.‏ جمال سلامة علي

شهدت الأيام القليلة الماضية تطورات متلاحقة علي صعيد العلاقة بين دمشق وتل أبيب منذ إعلان الرئيس السوري بشار الأسد الموافقة علي بدء المفاوضات مع اسرائيل بشأن عملية التسوية دون أي شروط مسبقة‏,‏ هذه المبادرة لم تكن الأولي من جانب دمشق ـ فقد سبق أن أعلن الأسد الابن في ديسمبر الماضي عن رغبته في استئناف المفاوضات من النقطة التي انتهت عندها مفاوضات عام‏2000,‏ وكما رفضت اسرائيل العرض السوري العام الماضي مشترطة أن تبدأ المفاوضات دون أي شروط مسبقة من قبل سوريا ـ نجدها تضع شروطا هذه المرة تتمثل في إغلاق مكاتب حماس والجهاد والوقف الكامل لدعم حزب الله‏.‏

وفي إطار التلاحق الدراماتيكي سرعان ماتراجعت دمشق عن عرضها لتعلن عن أن استئناف المفاوضات ينبغي أن يستند علي مايسمي وديعة رابين وهي النقطة التي توقفت عندها المفاوضات في ظل ولاية باراك‏,‏ ومن المفيد هنا الوقوف عند مايسمي وديعة رابين ـ حيث تؤكد دمشق أن هناك موافقة مكتوبة من قبل إسحاق رابين علي تسوية علي أساس العودة لحدود‏67‏ مقابل تطبيع شامل مع سوريا وأن هذه الوثيقة سلمت لإدارة الرئيس الأمريكي بيل كلينتون‏.‏

وبقدر ماأحيطت به تلك المبادرة من أجواء ضبابية فرضت الكثير من التساؤلات عن مغزي تلك المبادرة السورية ـ فإن التساؤل الأكثر بروزا في هذا السياق يتعلق بتوقيت تلك المبادرة‏..‏ فدمشق تدرك جيدا أن الأجواء ليست هي الأجواء المناسبة لفتح الملف السوري حيث الأضواء تتركز بشكل كبير علي الوضع في الساحة الفلسطينية في مرحلة مابعد عرفات‏,‏ يضاف إلي ذلك أن دمشق تدرك جيدا أيضا أن اسرائيل ليست معنية الآن بفتح الملف السوري والمضي في عملية تسوية إلا بشروط أكثر غبنا وإجحافا من تلك التي سبق أن رفضها الأسد الأب‏..‏ فإذا كان الأمر كذلك فما هو الجديد الذي استشفته دمشق؟ بمعني آخر ماهي تلك الأبعاد وراء هذا التحرك السوري؟

قد لانستطيع الوقوف علي طبيعة ومغزي التحرك السوري دون استشراف طبيعة الأجواء علي الساحة اللبنانية‏,‏ حيث تأتي الضغوط التي تمارس علي سوريا في الملعب اللبناني علي رأس تلك الدوافع وقد تجسدت تلك الضغوط في قرار مجلس الأمن رقم‏1559‏ الذي يطالب بخروج القوات السورية من لبنان وحل الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية ونزع أسلحتها وبسط سيطرة الحكومة اللبنانية علي جميع أراضيها‏,‏ والواقع أن دمشق أمام خيارين كلاهما مر‏..‏ فعدم التزام سوريا بتطبيق القرار‏1559‏ يعني أن علي سوريا مواجهة حزمة من الضغوط الخانقة الآتية لا محالة تترا وتباعا لتمتد بتأثيراتها علي الأوضاع الداخلية ليس في لبنان وحسب بل علي سوريا نفسها‏,‏ أما الالتزام بتطبيق القرار فيعني عمليا نهاية مايسمي تلازم المسارين السوري واللبناني وانتزاع آخر أوراق الضغط التفاوضية من يد دمشق التي كانت تعمد إلي استخدام الساحة اللبنانية كورقة من أهم الأوراق التفاوضية‏.‏

نأتي إلي نقطة أخري مهمة ـ فهناك أربع سنين عجاف هي سنوات الولاية الثانية لبوش الابن تحتم علي دمشق أن تتهيأ للتعامل معها في ظل متغيرات لاتصب مطلقا أو تفرغ خيرا في الجرة السورية‏,‏ فدمشق تدرك جيدا محاولة إدارة بوش زحزحة انعكاسات الوضع العراقي إلي الساحة السورية برغم تجاوب دمشق مع المطالب الامريكية بشأن الرقابة علي الحدود وعدم التدخل السوري في الشأن العراقي‏,‏ يضاف إلي ذلك أن قرار مجلس الأمن رقم‏1559‏ هو الحلقة الثانية من القانون الأمريكي المسمي قانون محاسبة سوريا الذي أصدره الكونجرس ويخول الرئيس الأمريكي وضع عقوبات تدريجية ضد سوريا في حالة عدم التزامها بتنفيذ مطالب تتماثل مع تلك الواردة بقرار مجلس الأمن رقم‏1559.‏ وبنظرة أكثر شمولا فإننا لانستطيع أيضا أن نفصل بين المبادرة السورية وبين الضغوط الصهيوأمريكية علي الحليف الإيراني لسوريا والتي أثمرت عن موافقة إيران علي وقف برامج تخصيب اليورانيوم برغم وجود قرار من مجلس النواب الإيراني يلزم الحكومة الايرانية بالمضي قدما في عملية تخصيب اليورانيوم‏,‏ ثم تجئ عملية اختراق الأجواء الاسرائيلية من قبل حزب الله بواسطة الطائرة الاستطلاعية مرصاد‏1‏ والتخوف من رد اسرائيلي مؤجل ومر
تقب‏,‏ كل هذا يساعد في الوقوف علي أبعاد المبادرة السورية‏.‏ إذن فعلي خلفية تلك الأبعاد يجئ التحرك السوري‏..‏ فدمشق تدرك جيدا أن هناك شيئا مايتم تدبيره‏,‏ لذلك أرادت أن تستبق الحدث في محاولة منها لتنفيس الضغوط الأمريكية وكسر سم شارون‏.‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية
موضوعات في نفس الباب
~LIST~