تقارير المراسلين

43107‏السنة 129-العدد2004ديسمبر14‏2 ذى القعدة 1425 هـالثلاثاء

العلاقات العربية ـ الإسرائيلية علي ضوء اتفاقية الكويز‏:‏
التجربة المصرية في استخدام التطبيع
أداة لضبط التفاعلات الإقليمية لمصلحة السلام

كتب : محمد عبدالهادي
فتحت معاهدة السلام المصرية ـ الاسرائيلية عام‏1979,‏ وعملية مدريد للسلام‏1991,‏ واتفاق أوسلو‏1993‏ وقيام السلطة الوطنية الفلسطينية علي أرض فلسطين ـ الباب أمام اقامة مصر وبعض الدول العربية ـ تباعا ـ علاقات دبلوماسية وتجارية مع اسرائيل‏,‏ فضلا عن استمرار المفاوضات المباشرة في مسارات عملية السلام‏.‏
وقبل أن تصبح قضية التطبيع والعلاقات مع اسرائيل محكومة سياسيا ومشروطة شعبيا علي المستوي العربي‏,‏ أقدمت مصر انطلاقا من الوعي بمسئولياتها القومية وخبراتها التاريخية علي إخراج هذه القضية من الاطار الثنائي المصري ـ الاسرائيلي‏,‏ لتربطها بالمصلحة القومية والوطنية التي لاتتجزأ في قضايا النزاع العربي ـ الاسرائيلي‏,‏ واستخدمت مصر التطبيع والعلاقات مع إسرائيل أداة لضبط التفاعلات الاقليمية ودفع عملية السلام وفق اقتناع بأنه ليس من مصلحة السلام نفسه استمرار طرف في حصد ثمار السلام دون دفع الثمن‏.‏

ضبط التفاعلات الإقليمية
وفي هذا الاطار أقدم الرئيس حسني مبارك عام‏1982‏ ـ والانسحاب الاسرائيلي من سيناء لايزال طازجا ـ علي سحب السفير المصري من تل أبيب احتجاجا علي غزو لبنان في أول اشارة أو بالأحري رسالة إلي اسرائيل مفادها أنه لا العلاقات ولا المعاهدة ذاتها سيحولان بين مصر وبين محيطها العربي أو سيعزلانها عن محيطها‏.‏
وفي ترجمة لهذا الاقتناع سارع الرئيس مبارك بالدعوة إلي عقد قمة الاسكندرية الثلاثية المصرية ـ السعودية ـ السورية الشهيرة في ديسمبر‏1994‏ بعد أقل من شهرين علي عقد المؤتمر الاقليمي للتعاون الاقتصادي بين دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا‏(‏ ما يعرف اعلاميا بالسوق الشرق أوسطية‏)‏ بالدار البيضاء‏,‏ لضبط الايقاع في قضية التطبيع والعلاقات مع اسرائيل بعد ما إنتهت تقديرات الموقف إلي أن وضع العربة‏(‏ التطبيع‏)‏ أمام الحصان‏(‏ السلام‏)‏ يضر بالمواقف التفاوضية للأطراف العربية‏.‏

وحين لاحظت مصر أن هناك عزفا منفردا في المؤتمر الاقليمي الثاني في عمان في أكتوبر‏1995‏ أطلقت الدبلوماسية المصرية مصطلح الهرولة محذرة من أثار حصد إسرائيل ثمار السلام دون تقدم حقيقي في المفاوضات باتجاه التسوية‏.‏
وأدركت مصر ـ بعد وصول بنيامين نتانياهو للسلطة في اسرائيل ووضوح توجهه للانقلاب علي الاتفاقيات التعاقدية مع الجانب الفلسطيني بناء علي نصائح من شخصيات أمريكية ـ أن قرار قمة الاسكندرية الثلاثية يجب البناء عليه ليصبح قرارا عربيا جامعا علي مستوي القمة‏,‏ فدعا الرئيس مبارك الي قمة عربية استثنائية في الثاني والعشرين من يونيو‏1996‏ ـ بعد أسبوعين من تولي نتانياهو السلطة ـ أصدرت قرارا واضحا بربط التطبيع والتقدم في العلاقات العربية الاسرائيلية بالتقدم في عملية السلام‏,‏ وهي صياغة سبقها بـ‏14‏ عاما نص وروح قرار مبارك سحب السفير المصري من تل أبيب عام‏1982,‏ كما جاء قراره سحب السفير مرة أخري في نوفمبر‏2000‏ احتجاجا علي ممارسات اسرائيل ضد الشعب الفلسطيني بعد اندلاع الانتفاضة الثانية في نفس الاطار‏.‏

وعلي ذلك يتضح أن التجربة المصرية في قضية التطبيع والعلاقات مع اسرائيل قد وظفتها لمصلحة الأطراف العربية المفاوضة قبل أن تجني هي ثمارها ومن ثم ظهر مصطلح السلام البارد الذي حولته مصر في بعض الأحيان إلي صقيع‏.‏
وهذا المحدد في السياسة الخارجية المصرية حيال اسرائيل جعل هذه القضية أداة مرنة للتعامل مع التطورات الاقليمية ليس بمفهوم الارتداد للماضي كما يتوهم البعض ويتحدث عن توجهات ناصرية تطفو أحيانا‏,‏ لكن بمفهوم المستقبل‏,‏ فالأدوار الاقليمية تتحدد حسب استخدام كل طرف أدواته لتحقيق مصالحه الوطنية والاقليمية سواء وصف البعض هذه التوجهات بأنها ناصرية أو وصفها البعض الآخر بأنها ساداتية‏.‏

اتفاقية الكويز
علي ضوء هذه الخلفية يجب النظر الي الاتفاق المصري الإسرائيلي الأمريكي لتحديد مناطق صناعية مؤهلة للتصدير للأسواق الأمريكية أو مايعرف بـ اتفاقية الكويز والتي تستند الي مبادرة أطلقها الكونجرس في نوفمبر‏1996‏ لدعم السلام في الشرق الأوسط ولتشجيع التعاون الاقليمي بين اسرائيل وجيرانها‏.‏
وطرحت هذه المبادرة في توقيت انعقاد المؤتمر الإقليمي الثالث لدول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بالقاهرة في نفس الشهر نوفمبر‏1996,‏ ونظرا لأجواء عملية السلام آنذاك واستئناف نتانياهو عمليات الاستعمار في أبو غنيم ثم فتحه نفق البراق بالقدس‏,‏ فقد وضعت مصر المؤتمر ومقترحات التعاون الإقليمي بحضور اسرائيل في إطارهما الصحيح‏,‏ وإزاء استمرار الممارسات الاسرائيلية رفضت مصر والسعودية المشاركة في المؤتمر الرابع بالدوحة في نوفمبر من العام التالي‏1997,‏ كما فشلت جميع محاولات عقد المؤتمر الخامس حتي الآن‏.‏
وجاءت إعادة طرح اتفاق الكويز أخيرا وسط مؤشرات لاحتمالات حدوث تحسن في العملية السياسية

وبصرف النظر عن الفوائد الاقتصادية التي ستحققها مصر من الاتفاقية فإن السياسة المصرية تتحرك في هذا المضمار ليس فقط لتحقيق مصالح وطنية مشروعة بل أيضا لتوظيف ثقلها وجهودها والعلاقة مع اسرائيل لصالح السلام والقضية الفلسطينية‏.‏
وتظل الاتفاقية رسالة مصرية مهمة سواء في العلاقة مع الولايات المتحدة أو بالنسبة لعملية السلام‏.‏

كويز‏..‏عربي‏!‏
وعلي صعيد العلاقات العربية ـ الاسرائيلية‏,‏ فبالإضافة إلي مصر أقدمت خمس دول عربية هي قطر‏,‏ وسلطنة عمان‏,‏ وتونس‏,‏ والمغرب‏,‏ وجيبوتي علي فتح مكاتب تمثيل دبلوماسي وتجاري في تل أبيب ومثلها في غزة لدي السلطة الفلسطينية وفتحت اسرائيل بالمثل مكاتب نظيرة لها في عواصم الدول الخمس‏.‏ وبتوقيع الأردن معاهدة السلام مع اسرائيل عام‏1995‏ أصبح لاسرائيل تمثيلا في دول عربية زادت الي ثمان بإقامة موريتاينا علاقات دبلوماسية كاملة عام‏2000,‏ وحصلت اسرائيل علي اعتراف بحقها في الوجود من دولة عربية تاسعة هي جزر القمر عام‏1997‏ لكن تنفيذ اتفاق إقامة علاقات دبلوماسية معطل حتي الآن بسبب الرفض الشعبي في جزر القمر‏.‏
وباضافة مصافحة رئيس الوزراء العراقي المؤقت إياد علاوي لوزير خارجية اسرائيل سيلفان شالوم علي هامش انعقاد الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر الماضي في نيويورك‏,‏ ومصافحة الرئيس الجزائري عبدالعزيز بوتفليقة لرئيس الوزراء الاسرائيلي السابق إيهود باراك خلال جنازة العاهل المغربي الراحل الحسن الثاني في يوليو‏1999,‏ وسماح العقيد الليبي معمر القذافي قبل ذلك لمجموعة من الليبيين بـ الحج الي القدس‏,‏ واستقبال اليمن سياحا اسرائيليين وبحصول رئيس الوزراء الأسبق بنيامين نتانياهو علي تأشيرة دخول للإمارات هذا العام لحضور مؤتمر دولي بوصفه وزير المالية في حكومة اسرائيل‏,‏ تكون اسرائيل قد حققت إختراقات مهمة علي الساحة العربية

واذا أضفنا إلي ذلك الجانبين الفلسطيني والسوري اللذين تفاوضا منذ مدريد‏1991‏ مباشرة مع حكومة اسرائيلية تكون هناك‏16‏ دولة عربية‏(‏ من أصل‏22)‏ تعاملت مع اسرائيل دبلوماسيا وتجاريا وسياحيا وتفاوضيا‏..‏ وعلي المستوي الانساني‏..‏ وفي إطار منظمات دولية
وبمعني آخر فإن أي مشروع قرار يعرض علي مجلس الجامعة العربية بشأن إلغاء المقاطعة العربية لاسرائيل قد يتوافر له النصاب القانوني

المهم أن صمود اتفاقية الكويز أو غيرها وفق التجربة المصرية سيظل مرهونا بمدي التزام حكومة اسرائيل بتنفيذ تعهداتها واحترام الاتفاقيات التعاقدية في عملية السلام وبمدي إنسجام سياستها مع متطلبات التعاون الإقليمي‏.‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية
موضوعات في نفس الباب
~LIST~