قضايا و اراء

43071‏السنة 127-العدد2004نوفمبر8‏25 من رمضان 1425 هـالأثنين

القضية الفلسطينية في لحظة مصيرية
بقلم : د‏.‏ جمال سلامة علي

هناك من يقول إن القضية الفلسطينية سوف تشهد تحركا ما في مرحلة ما بعد عرفات بعد فترة الجمود التي تلازمت مع تجميد حركة عرفات أثناء محبسه في رام الله‏,‏ ويزيد أولئك علي ذلك بالقول إن عرفات كان عائقا في طريق الحل لاصراره علي الاحتفاظ بكل خيوط الحركة في يده‏,‏ ويبدو أن تلك التصورات تستمد خلفياتها من فرية لم يزل البعض يروجها تحمل عرفات مسئولية فشل مايسمي‏,‏ بمحادثات الوضع قبل النهائي مع إيهود باراك التي عقدت في منتجع كامب ديفيد‏,‏ وأن عرفات قد أضاع فرصة ذهبية حيث ما كان مطروحا من قبل الإسرائيليين خلال تلك المحادثات يفوق بكثير ما هو مطروح بخطة خريطة الطريق ـ ناهيك عن خطة شارون‏.‏

إما إذا أردنا الوقوف علي الحقيقة فنجد أن تلك الآراء هي آراء تنطلق معظمها من منطلق الاستسهال فالسبب الرئيسي في فشل كامب ديفيد الثانية أو مباحثات الوضع قبل النهائي يتحمله باراك والرئيس بيل كلينتون‏,‏ فمباحثات الوضع قبل النهائي وهذا واضح من اسمها لم يكن مدرجا علي جدولها أي قضايا شائكة مثل قضايا اللاجئين ووضعية مدينة القدس ـ وهما من القضايا التي كانت مدرجة في مباحثات اخري متقدمة تسمي بمباحثات الوضع النهائي‏,‏ فالأصل أن تلك المحادثات كانت معنية بالمناطق التي ستنسحب منها إسرائيل في الضفة الغربية والتوصل إلي صيغة وسط بين المطالب الفلسطينية بالعودة إلي حدود ماقبل‏67‏ والتمسك الإسرائيلي باستلاب نحو‏60%‏ من اراضي الضفة الغربية‏,‏ غير أن المعارضة التي وجدها باراك في الداخل الإسرائيلي دفعته إلي تغيير تكتيكاته ومحاولته فرض تصور ورؤية لارضاء اليمين الإسرائيلي وذلك عن طريق اقحام مسألتي القدس واللاجئين بمحاولة الحصول من عرفات علي صك التنازل عن المطلب الفلسطيني بعودة اللاجئين وطرح آلاعيب خداعية بشأن القدس مفادها اقتصار السيادة الفلسطينية علي القدس في منطقة الحرم الشريف مع خروج المدينة ذاتها من دائرة الأماني الفلسطينية‏,‏ أكثر
من ذلك فان السيادة الفلسطينية علي الحرم تنصرف فقط علي مبني المسجد دون ماتحته أو ما فوقه‏.‏

نعود إلي القول إن عرفات قد جمد القضية الفلسطينية خلال فترة حصاره أو تهميشه‏,‏ كما يحلو لشارون تسميتها‏,‏ فإننا وان كنا قد نتفق ظاهريا مع ذلك ـ غير أن هذا التجميد قد حفظ القضية من الانتقال من وضع السييء إلي وضع الاسوأ‏,‏ ففي ظل تلك الحالة من الغطرسة الصهيونية والصمت الدولي والتواطؤ الأمريكي والعجز العربي لم يكن متصورا ان يحصل الفلسطينيون علي شيء يذكر‏,‏ وإزاء تلك الحالة من الهزال وانعدام الخيارات لم يكن لدي عرفات من خيار إلا خيار الصبر‏,‏ وبدلا من الانسحاق أو الدخول في طور الاستسلام النهائي ـ يبدو أن عرفات فضل أن يدخل طواعية في طور الشرنقة‏,‏ ولعل ما اعتبره شارون أو بوش الابن بمثابة تهميش قد رأي فيه عرفات نوعا من البيات اشبه بحالة البيات الشتوي انتظارا لمجيء جيل آخر يخرج القضية إلي ساحة الانطلاق بأليات وظروف أفضل‏.‏

نأتي إلي المشهد الفلسطيني الحالي حيث الانباء تتواتر عن الموت الكلي أو الاكلينيكي لعرفات‏,‏ وأنا هنا لم أكن أريد أن اتوقف كثيرا أمام قضية الموت بأكثر من كونها قضية إيمانية ـ غير أن ما تشهده الساحة الاقليمية والدولية من ترقب وردود أفعال في الداخل الفلسطيني والإسرائيلي تؤكد ان أبو عمار لم يكن رقما سهلا يمكن تهميشه ولم يكن حدثا عابرا يمكن تجاوزه ـ وحتي إذا تحدثنا عن الموت من منطلق إيماني كقضية يقينية نجد أن تلك القضية برغم يقينيتها لم تزل قضية خلافية أو نسبية لايمكن حسمها بإدراكنا الحسي‏,‏ فكم من أناس يأكلون ويتناسلون ويتحركون بيننا وهم حسب الوصف القرآني أموات يظنون أنهم احياء‏,‏ وكم من أناس حسبناهم أمواتا وهم عند ربهم أحياء يرزقون‏..‏ وسواء صحت أو لم تصح الراوية القائلة بدس السم لعرفات فاننا نحتسبه من الشهداء وندعو الله ان يتقبله عنده ليحيا حياة طيبة‏.‏

بالطبع لايجب ولايصح اختزال القضية الفلسطينية في شخص عرفات‏,‏ فحينما نكون بصدد قضية مصيرية كالقضية الفلسطينية فأن مايجب أن ننشغل به هو حزمة الهموم والهواجس والتحديات التي يجب أن تتجاوز منزلة وقدر الأشخاص‏.‏

وإذا كان من غير المطلوب أو المفيد الآن الاستغراق طويلا في مسألة ذكر المحاسن أو مايشبه عملية التعديد‏,‏ كما تفعله النسوة المتشحات بالسواد ـ فإنه ليس مطلوب أيضا من أصحاب خطاب الشماتة الاستغراق طويلا في البكاء علي لبن بالقطع لم يسكبه عرفات ـ فالرواية الحقيقية تقول أن الاناء كان فارغا‏.‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية
موضوعات في نفس الباب
~LIST~