قضايا و اراء

43086‏السنة 127-العدد2004نوفمبر23‏10 من شوال 1425 هـالثلاثاء

مانـديــلا ـ‏2‏
بقلم : د‏.‏ جمال سلامة علي

*‏ تكشف لقاءات أبو مازن مع الفصائل الفلسطينية المختلفة عن رغبة في إعادة ترتيب البيت الفلسطيني في مرحلة ما بعد عرفات‏,‏ ويبدو أن هناك بالفعل تجاوبا ورغبة حقيقية من تلك الفصائل في تبني موقف توافقي مع السلطة للخروج بمشروع سياسي فلسطيني للالتقاء حوله‏,‏ ويدعم ذلك تلك السلاسة الظاهرية التي تمت بها عملية انتقال السلطة وتوزيع الاختصاصات بعد عرفات‏,‏ ناهيك عن الإعلان عن انتخابات فلسطينية خلال شهرين وتأييد بوش تلك الخطوة‏.‏

كل هذا جيد ومفيد خاصة فيما يتعلق بالطرف الفلسطيني في معادلة الصراع‏,‏ غير أن حصر الأمور في الزاوية الفلسطينية هو بمثابة اختزال مخل‏,‏ فالصورة قد لا تكتمل إلا إذا نظرنا إلي الشق الآخر من المعادلة‏..‏ فعلي الجانب الإسرائيلي يبدو أن الأوضاع تتخذ منحي آخر‏,‏ فإسرائيل تدرك أن السلطة الفلسطينية الجديدة سواء المؤقتة أو المنتخبة ستكون من الضعف بما لا يمكنها من التوقيع علي اتفاقيات أومشاريع سبق أن رفضها عرفات خاصة حينما يتعلق الأمر بتجاهل قضية عودة اللاجئين ومسألة السيادة علي القدس‏,‏ وعلي ذلك هناك إدراك إسرائيلي بأن القيادة الفلسطينية حتي بعد الانتخاب لن تعدو كونها قيادة مؤقتة قد لا تستطيع للتوقيع علي اتفاق مصيري ـ خاصة في ظل خلفية الاتهامات التي يروجها الشارع الفلسطيني ضد بعض قادتها‏.‏

وهذا يدفعنا إلي إلقاء الضوء علي التصور الإسرائيلي لعملية التسوية‏,‏ فهناك مسعي إسرائيلي يستهدف تحقيق معادلة‏:‏ السهل الممتنع‏,‏ أو بمعني اصح‏:‏ السهل المستحيل‏!!‏ أي وجود شريك فلسطيني يحظي بقبول الشارع وفي نفس الوقت يستطيع أن يوقع معها اتفاقا يتنازل بموجبه عن معظم الحقوق الفلسطينية مع قدرته علي الإمساك بزمام الأمور داخليا وتحقيق الأمن للمستجلبين اليهود‏!!‏ غير أن كل الشواهد الحالية تشير إلي أن تحقيق تلك المعادلة هو أمر بعيد المنال‏,‏ فلا يمكن أن يتوافق السهل مع الممتنع‏,‏ ولا يمكن أن يأتي السهل بالمستحيل‏.‏
في ظل تلك الأجواء يبرز دائما أمام إسرائيل شبح حركات المقاومة الإسلامية كحماس والجهاد بما لهما من قدرة للهيمنة علي الشارع الفلسطيني‏,‏ فتلك الحركات باتت تجسد الهاجس الأكبر لدي إسرائيل ليس فقط لنهجها المقاوم أو المسلح أو لاصطباغها بالصبغة الإسلامية ـ بقدر تبني تلك المنظمات لمشروع سياسي هو في مجمله مناقض للمشروع الصهيوني‏,‏ لهذا تنفر إسرائيل دائما من هواجس التسليم بالاعتراف بتلك المنظمات كشريك أو طرف في عملية تسوية‏,‏ هذا النفور ينبع من إدراكها استحالة التوصل معها إلي اتفاق لا يعيد الحد الادني من الحقوق العربية وعلي رأسها القدس‏.‏

ويبدو أن هناك سيناريو تشير المعطيات الحالية إلي أن إسرائيل قد تسعي إلي إخراجه علي المدي الطويل ـ بعد أن تكون قد تمكنت من تكريس واقعها الاحتلالي في الضفة وبعد أن ييأس الفلسطينيون من الحصول علي شئ‏,‏ فإذا سلمنا كما أشرنا بعدم قدرة السلطة أو الحركات علي تحقيق معادلة السهل الممتنع طبقا للتصور الإسرائيلي ـ فإنه يبقي هناك احتمال يبدو أن الأجواء الفلسطينية والإسرائيلية معا قد باتت تتهيأ له‏...‏ وبرغم وجود قاسم مشترك إلا أن نظرة أكثر عمقا تكشف لنا مدي التباين في الرؤي الفلسطينية والإسرائيلية التي تعكسها تلك الأجواء المرتقبة‏.‏
فعلي الجانب الفلسطيني يبرز الآن بقوة اسم مروان البرغوثي أمين سر حركة فتح في الضفة الغربية وعضو المجلس التشريعي الفلسطيني ـ الذي أعلن عن نيته خوض الانتخابات القادمة برغم محبسه‏,‏ فهناك كثيرون من الفلسطينيين يرشحونه لتبوؤ دور تاريخي لقيادة الدفة الفلسطينية‏,‏ وباتوا ينظرون إليه باعتباره خليفة محتملا لعرفات‏,‏ والبرغوثي معتقل في السجون الإسرائيلية بموجب خمسة أحكام بالمؤبد فضلا عن السجن‏40‏ عاما لاتهامات تتراوح بين التخطيط للانتفاضة‏,‏ والمسئولية المباشرة عن‏4‏ عمليات نفذتها كتائب شهداء الأقصي التابعة لحركة فتح قتلت فيها إسرائيليين‏.‏

ومن الواضح أن السمات الشخصية للبرغوثي قد جاءت لتعزز وضعه فلسطينيا فهو صاحب الأسلوب الحماسي في مخاطبة الشارع الفلسطيني وإلهاب حماسه أثناء انتفاضة الأقصي عام‏2000‏ لدرجة أن كثيرين يعتبرونه الزعيم السياسي لتلك الانتفاضة‏,‏ فضلا عن دوره السابق في الانتفاضة الأولي عام‏1987,‏ يضاف إلي ذلك أن هذا الشاب ذا الـ‏45‏ عاما قد بات في المخيلة الفلسطينية من أكثر الزعماء الفلسطينيين شعبية بعد عرفات بسبب ابتعاده الملحوظ عن مواطئ الفساد‏.‏
وإذا انتقلنا للصورة علي الجانب الإسرائيلي نجد أن المعطيات تشير أيضا إلي البرغوثي كقاسم مشترك في مرحلة لم تأت بعد‏...‏ وهنا ارجو ألا يفهم البعض من ذلك أننا نريد القول بأن البرغوثي أصبح أو قد يصبح طرفا في اتفاق أو أداة في مخطط ـ بالطبع ليس هذا ما أعنيه‏,‏ فلا يجب أن تلقي الاتهامات هكذا‏,‏ وإذا أراد البعض ذلك فإنه لا يملك بالقطع أدلة تؤيد رؤيته‏...‏ غاية القول أن إسرائيل قد تري من المفيد العمل بشكل غير مباشر علي مدي بعيد وليكن‏10‏ سنوات لتهيئة الأجواء التي تعظم من أسهم البرغوثي علي أنقاض القيادات الحالية للسلطة وتدفع الشارع الفلسطيني للإجماع علي شخص البرغوثي‏.‏

لذلك قد يأتي ترتيب المسرح وتجهيزه في صياغة مسرحية غير مألوفة‏,‏ حيث يظل البطل غائبا ـ ليس فقط عما يدور بالكواليس‏,‏ بل أيضا عما يدور علي خشبة المسرح في أحداثها الأولي‏,‏ ومن ثم قد يجد الأحداث تدفعه دفعا أثناء وقوفه علي خشبة المسرح ليتفاعل ويصبح جزءا من الرواية‏,‏ وطبقا للتصور الإسرائيلي فإن البطل دائما لديه القدرة علي اجتذاب التأييد وأن الجمهور غالبا ما يتعاطف مع البطل ويلتمس له المبررات ويغفر له أخطاء‏.‏

وبالطبع فإن هناك عدة عوامل لا تغيب عن الإدراك الإسرائيلي أهمها‏:‏

أـ أن البرغوثي هو احد القادة المؤيدين لعملية التفاوض للوصول إلي حل سلمي ولم يمارس نشاطه السياسي في الخفاء‏,‏ بل ظل يمارس نشاطه بشكل علني‏.‏

ب ـ أن بروز الدور القيادي للبرغوثي سيشكل عامل توازن أمام حماس والجهاد‏.‏

ج ـ أن مثل تلك الشخصية إذا ما تمكنت من الجماهير تستطيع أن توقع اتفاقا لقدرتها علي الإقناع وهو شئ لا يتوافر لدي القيادات التقليدية الحالية للسلطة‏.‏

دـ أن التاريخ النضالي للبرغوثي وتجربة سجنه شئ يلائم العقلية العربية التي يغلب عليها العاطفة‏,‏ ويستحضر في الذهن العربي تجربة نيلسون مانديلا الذي قضي‏27‏ عاما في سجون الحكم العنصري ثم خرج ليقود شعبه ويصبح رئيسا لبلاده‏.‏

نصل إلي نقطة مهمة ـ فإذا كنا بصدد الحديث عن مانديلا الأصلي فإن هناك عدة حقائق يجب أن تدركها كل الأطراف‏,‏ فإذا أردنا القياس أو اقتباس نموذج مانديلا فيجب أن تتشابه الظروف والبيئة التي أدت إلي نجاح مانديلا في جنوب أفريقيا‏,‏ فهذا النجاح ارتبط بوجود مجتمع دولي فاعل ودول حاصرت وقاطعت النظام العنصري علي رأسها الولايات المتحدة‏,‏ يضاف إلي ذلك اختلاف البيئة الداخلية فمن ناحية السكان الأصليين لم يكن هناك سوي حركة تحررية كبري هي حركة المؤتمر الوطني‏.‏
أما إذا قارنا الحال من ناحية النظام العنصري فسنجد أن الموضوع يختلف تماما ـ ففي ظل أجواء المقاطعة الخانقة وحينما استشعر النظام العنصري في بريتوريا بوادر هزيمته قبل أن يدفع ثمنا باهظا لإتمام المصالحة مع السكان الأصليين‏,‏ وهنا لم يكن كافيا أن يقدم النظام العنصري كفنه للسكان الأصليين كثمن للمصالحة علي غرار ما يحدث في أرض الصعيد‏,‏ بل كان ثمن إتمام المصالحة هوموت النظام العنصري نفسه‏.‏

بالطبع نحن لا نتوقع من النظام العنصري في تل أبيب أن يقدم كفنه‏,‏ أو أن يعلن عن موته ـ ولكن ليس أقل من أن يهيئ لمانديلا فلسطين المرتقب مقومات حقيقية لتسوية مقبولة إن لم تكن عادلة‏,‏ حتي يمكن أن يتحقق الأمن للمستجلبين‏.‏
نقطة أخيرة نود تأكيدها‏,‏ فنحن نتمني بالفعل أن يكون هناك مانديلا فلسطيني‏,‏ وليكن البرغوثي أو أي شخص آخر يكون بمقدوره استخلاص الحق الفلسطيني دون التنازل عن الحد الأدني الذي أجمع عليه الشارع الفلسطيني ومات دونه عرفات‏.‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية
موضوعات في نفس الباب
~LIST~