أبو عمار وداعا

43075‏السنة 127-العدد2004نوفمبر12‏29 من رمضان 1425 هـالجمعة

من أسرار أيلول الأسود عام‏1970‏
إزاحة الستار لأول مرة عن عملية إخراج عرفات من عمان إلي القاهرة

كتب ــ عـبـده مبـاشر
وجدت منظمات وجماعات المقاومة الفلسطينية في نكبة يونيه‏1967‏ فرصة ملائمة لانطلاق عمليات المقاومة بصورة أفضل مما كانت عليه من قبل‏,‏ أي منذ أطلقت طلقتها الأولي في ديسمبر عام‏1964,‏ واختارت معظم منظمات المقاومة الأردن قاعدة رئيسية لها ولعملياتها‏.‏ ونتيجة لكثافة الوجود الفلسطيني في الأردن‏,‏ وكثرة السلاح‏,‏ ووفرة التمويل‏,‏ وقلة النضج أيضا‏,‏ شهدت الأردن تجاوزات كثيرة‏,‏ بل بدا واضحا تجاهل المنظمات الفلسطينية للسلطة الأردنية وقوانينها‏,‏ وتصرفوا علي أساس أنهم دولة داخل الدولة‏.‏
وعلي ضوء تطورات الأوضاع الاقليمية بالمنطقة وتفاقم الموقف الداخلي بالأردن‏,‏ قرر الملك حسين حسم الموقف مع المقاومة الفلسطينية بالقوة المسلحة‏.‏ واعتبارا من يوم‏17‏ سبتمبر‏1970,‏ بدأ الجيش الأردني قصف معسكرات وأماكن تجمعات المقاومة الفلسطينية بنيران كثيفة ومتصلة‏.‏ وأدرك قادة المقاومة أن الملك حسين يخوض هذه المعركة لتصفية وجود المقاومة الفلسطينية بالأردن‏,‏ وأنه قد حسم أمره فعلا‏,‏ وأنه بالضرورة سيمضي إلي النهاية‏,‏ وبالتالي فليست هناك أدني فرصة للبحث عن حل وسط‏,‏ أو وقف العمليات العسكرية عبر المفاوضات‏.‏

وقررت كل المنظمات الفلسطينية خوض المعركة‏.‏ ولم يكن هناك أمام المقاومة فرصة للانتصار علي الجيش الأردني الحسن التدريب والموالي للملك حسين‏.‏
وكان الملك من الدهاء‏,‏ بحيث أفسح الطريق أمام المقاومة لترتكب الكثير من الحماقات وبما يثير غضب الشارع الأردني‏.‏ ولم تبال المنظمات الفلسطينية بهذا الغضب بالرغم من تصاعد وتيرته‏,‏ ولم تعره أي اهتمام استنادا إلي وجودها القوي ورسوخ أقدامها بالضفة الغربية للأردن التي تضم نسبة كبيرة من الفلسطينيين‏,‏ وإلي تعاطف الرأي العام العربي معها باعتبارها أول تجسيد للمقاومة العربية بعد كارثة يونيه‏1967.‏

وظل الغضب يتصاعد ضد المقاومة الفلسطينية ورجالها‏.‏ وعندما قرر الملك حسين حسم الأمر بالقوة‏,‏ كان علي بينة من حقيقة موقف الرأي العام الأردني‏,‏ كما أنه استند في تحركه إلي دعم القبائل الموجودة بالأردن والتي تعد الأكثر ولاء للملك‏.‏
واستمرت العمليات العسكرية الأردنية‏,‏ وتساقط كثير من الضحايا من الجانبين‏,‏ خاصة من الجانب الفلسطيني‏,‏ وبدا واضحا للمراقبين أن الملك حسين لن يتوقف إلا إذا كسر شوكة المقاومة وقضي علي ياسر عرفات‏(‏ أبوعمار‏)‏ زعيم منظمة فتح‏,‏ ورئيس منظمة التحرير الفلسطينية‏.‏ وقرر الرئيس عبدالناصر أن يوفد الفريق محمد أحمد صادق رئيس أركان حرب القوات المصرية المسلحة إلي الأردن‏.‏

وخلال اتصال تليفوني‏,‏ طلب منه جمال عبدالناصر أن يسافر فورا إلي الأردن من أجل وقف القتال الدائر هناك‏,‏ وقال له إن المقاومة في مأزق‏,‏ وأنت أعرف الناس بهم‏,‏ وثقتي أنك قادر علي النجاح في مهمتك ثم أعطي السماعة للعقيد معمر القذافي الذي كان في ضيافته‏.‏ وخاطب القذافي صادق قائلا‏:‏ يا أخ صادق‏,‏ سفرك الآن ضرورة لإنقاذ الثورة الفلسطينية ومرة أخري يتحدث جمال عبدالناصر مع الفريق صادق بعد انتهاء حديث القذافي ليلخص له مهمته في وقف نزيف الدم‏,‏ وتحقيق المصالحة‏,‏ وإنقاذ ياسر عرفات من هذا المأزق الخطير‏.‏
ويصدر اللواء صادق تعليماته إلي مطار ألماظة لتجهيز طائرة خاصة للإقلاع فورا‏,‏ ولم يطلع أي شحص علي وجهة الطائرة الحقيقية‏,‏ حيث قال للطيار في البداية‏,‏ نحن متجهون إلي بيروت‏,‏ وعند الوصول إلي الأجواء اللبنانية‏,‏ طلب من قائد الطائرة أن يتجه إلي مطار المفرق في الأردن‏.‏ وبدون أي اتصالات لاسلكية هبطت الطائرة في القاعدة الجوية الأردنية‏.‏ ومن الطائرة توجه للقاء قائد القاعدة الجوية‏,‏ وكشف له عن شخصيته‏,‏ وطلب لقاء عاجلا مع جلالة الملك حسين‏,‏ لأنه يحمل له رسالة مهمة من الرئيس عبدالناصر‏.‏ وتمت اتصالات عديدة مع القصر الملكي‏,‏ وأخيرا يسمع الفريق صادق صوت الملك حسين عبر التليفون ليخبره أن الطريق غير مأمون لوصوله ويرد عليه الفريق صادق قائلا‏,‏ أعلم ذلك‏,‏ ولكن أرجو إرسال طائرة هليكوبتر لتحملني إليك‏.‏

وبالفعل أرسل الملك طائرته إلي الفريق ليستقلها في رحلة قصيرة‏,‏ تهبط بعدها في فناء القصر الملكي في الحمر‏,‏ حيث وجد في استقباله الملك حسين في زيه العسكري‏,‏ ومظاهر الارهاق بادية علي وجهه‏.‏
وبادره الملك قائلا‏:‏ ها أنت تري أفعالهم‏,‏ ولابد من القضاء علي الفتنة وإنقاذ الأردن‏,‏ واجتمع الرجلان‏,‏ وفي البداية استمع الفريق صادق إلي شرح دقيق للموقف العسكري‏,‏ بعدها طلب مقابلة ياسر عرفات‏,‏ ثم سأل أين أجده؟ فأجاب الملك‏:‏ لن تجده‏,‏ فنحن نبحث عنه ولم نعثر عليه بعد‏.‏ وبعد ثلاث ساعات‏,‏ غادر الفريق صادق القصر الملكي إلي مقر السفارة المصرية بجبل عمان في سيارة مصفحة‏,‏ ولم يجد بالسفارة إلا ضابط اتصال مصري وجهاز لاسلكي وراديو‏,‏ وكانت القذائف تتساقط من حول مبني السفارة‏.‏ وعلي امتداد ثلاثة أيام‏,‏ ظل في المبني يراقب الموقف‏,‏ ويجري اتصالات مباشرة مع عدد من قادة المقاومة‏.‏

وعن طريق ضابط الاتصال تبادل مجموعة من الرسائل مع ياسر عرفات حول شروط وقف إطلاق النار‏.‏ وينقل الفريق صادق هذه الشروط إلي الملك حسين‏,‏ بعدها يتصل الملك حسين لإبلاغ عبدالناصر بالشروط التي يراها ملائمة لوقف إطلاق النار‏.‏
ويضطر ضابط الاتصال المصري إلي الانتقال من الخطوط الأردنية إلي المواقع الفلسطينية ليتمكن من إبلاغ ياسر عرفات بشروط الملك حسين‏,‏ الذي يري أنها شروط قاسية جدا‏,‏ وأنه لا يستطيع قبولها‏,‏ ويطلب عرفات من ضابط الاتصال أن يحمل رسالة إلي الفريق صادق ليحملها بدوره إلي الرئيس عبدالناصر للحصول علي شروط أفضل من ذلك‏.‏ ويعود الفريق صادق إلي القاهرة‏,‏ حيث يستقبله الرئيس عبدالناصر‏,‏ ليستمع منه إلي تقييم كامل ودقيق للموقف‏.‏ وكان عبدالناصر قد قرر الدعوة لعقد اجتماع طارئ للقمة العربية بالقاهرة لبحث الموقف في الأردن‏.‏

وتقرر القمة تشكيل وفد برئاسة الرئيس السوداني جعفر نميري وعضوية الباهي الأدغم رئيس وزراء تونس آنذاك‏,‏ والشيخ سعد العبد الله الصباح‏,‏ وزير الدفاع الكويتي آنذاك بالاضافة إلي الفريق محمد صادق‏.‏
وتم الاتفاق علي أن الوفد يمثل القمة العربية المجتمعة بالقاهرة‏,‏ وله سلطة التصرف باسمها خلال الاتصالات مع كل من الملك حسين وياسر عرفات‏.‏

وتم وضع قائمة بالمهام التي يتحتم علي الوفد أن ينجزها في العاصمة الأردنية عمان‏.‏ وكانت قمة القاهرة الطارئة تمثل‏,‏ محاولة جادة من مصر لإيجاد مخرج للأزمة والأوضاع المتدهورة في الأردن‏,‏ حيث يرتفع عدد الضحايا كل دقيقة بطريقة مخيفة‏.‏
واجتمع الوفد بفندق هيلتون‏,‏ حيث عقدت القمة العربية الطارئة‏,‏ للاتفاق علي خطة العمل‏,‏ بعدها توجه الفريق صادق للقاء الرئيس عبد الناصر‏.‏

وكان من أهم ماقاله عبد الناصر للفريق صادق‏:‏ أهم شيء عندي أن تحضر لي ياسر عرفات حيا الي القاهرة‏,‏ فعرفات يمثل الوفد الفلسطيني‏,‏ ولابد من إنقاذ هذا الرمز‏.‏ وعليك أن تتصرف في سرية كاملة‏,‏ ولك كل الصلاحيات‏,‏ أما بقية المهام‏,‏ فلوفد القمة أن يقوم بها مجتمعا‏,‏ ثم قال له‏,‏ ضع خططك‏,‏ ونفذ التعليمات‏,‏ فنحن في سباق مع الزمن‏.‏ وغادر الوفد مطار القاهرة في الطريق الي عمان‏,‏ وبدا واضحا أن المسئولين الأردنيين قد فوجئوا بوفد القمة العربية‏.‏
وبعد وصول الوفد استقبلهم الملك حسين ومن حوله كبار القادة والضباط‏,‏ وبدأ في شرح الموقف بالتفصيل‏.‏ ووجه جعفر نميري رئيس جمهورية السودان الأسبق بصفته رئيسا لوفد القمة العربية بيانا‏,‏ أذاعته إذاعة عمان‏,‏ الي جماهير الشعب الأردني‏,‏ جاء فيه‏:‏ إننا جئنا إليكم باسم مؤتمر القادة العرب الذي ينعقد في القاهرة‏,‏ فور ان حلت النكبة في بلدكم العزيز هذا‏,‏ وماوقع فيه من أحداث دامية مؤسفة عصرت الدماء في قلب الأمة العربية‏.‏ لقد كانت الشعوب العربية تتابع كفاحكم ضد العدو المشترك لحظة بلحظة طوال السنوات الماضية‏,‏ ولكنها روعت فجأة بوقوع الكارثة بالأردن المتفتح‏,‏ وقد كانت تتوقع حدوث أي شيء ماعدا هذا لثقتها بأن الذي يقف في أرض المعركة هو أكثر الناس إدراكا وتمسكا بمعني الاتحاد والتعاون والتلاحم تحت كل الظروف‏.‏

إن الشعوب العربية لم تكن تتصور ان تتفاقم الأحداث وتصل الي ماوصلت إليه بين الأخوة الأشقاء في الدار والدم واللقمة والهدف والمصير‏,‏ بل كانت تؤمن ان القوي الصامدة في الأردن هي أكبر من كيد العدو ومكره وأساليبه الخبيثة المدمرة‏.‏
لقد اجتمعت وأعضاء الوفد العربي الي جلالة الملك حسين‏,‏ ولمست مع إخواني جراحات قلبه وأسي فؤاده‏,‏ ولكننا لمسنا الي جانب ذلك إيمانه بالعمل الفدائي‏,‏ وحرصه عليه‏,‏ وإيمانه بوحدة شعبه وقدسيتها وحرصه عليه‏,‏ وقد لمسنا من جلالته الاستجابة الصادقة والفورية لنداء أمته وصوت ضميرها وهو الذي كافح وعمل في سبيل أمته طوال حياته‏,‏ ولئن تعذر علينا الاجتماع بالأخ ياسر عرفات‏,‏ فقد اجتمعنا بالأخوة صلاح خلف‏,‏ وفاروق قدومي‏,‏ وابراهيم بكر‏,‏ وبهجت ابو غريبة‏,‏ والعقيد سمير الخطيب‏,‏ ووجدنا عندهم الاستجابة الفورية والصادقة لنداء أمتهم وصوت ضميرها وهم العاملون المكافحون في سبيل قضيتها المقدسة‏.‏

ونجحت الجهود العربية‏,‏ وتم الاتفاق علي عودة قوات الجيش الأردني الي ثكناتها وقواعدها‏,‏ وجلاء الفدائيين من عمان والمدن والقري‏,‏ ونقل قواعدهم الي خطوط وقف إطلاق النار والتفاوض مع منظمة التحرير الفلسطينية التي كانت تضم وقتئذ منظمات المقاومة العشر برئاسة ياسر عرفات‏,‏ وتطبيق نظم الدولة وقوانينها علي الفدائيين‏.‏ وعلي كل من يعيش علي أرضها ان يحترم سيادة الدولة‏.‏
وعاد الوفد الي القاهرة يوم‏23‏ سبتمبر‏1970,‏ بعد ان تم التوصل الي اتفاق لوقف نزيف الدم‏.‏ وفي نفس اليوم غادر الرئيس اللبناني شارل حلو القاهرة الي بيروت بعد ان شارك في جانب من اجتماعات القمة بعد ان فاز سليمان فرنجية بمنصب رئيس الجمهورية‏.‏ وفي اليوم التالي غادر الرئيس الجديد بيروت الي القاهرة بعد ان تسلم سلطاته كرئيس جديد للبنان‏,‏ للمشاركة في أعمال القمة‏.‏

وفي نفس اليوم‏,‏ فوجئت القمة‏,‏ بأن اتفاق وقف اطلاق النار لم يصمد طويلا حيث تم استئناف القتال بصورة أكثر شراسة‏.‏ وعاد القادة العرب للتشاور حول الوضع في الأردن بعد ان وصلت الأحداث الي حد يتعين معه حسم الموقف بصفة قاطعة ونهائية‏.‏ واتفق القادة العرب علي أن يعود الرئيس جعفر نميري الي عمان مرة أخري واخيرة علي رأس وفد يضم الباهي الأدغم وحسين الشافعي والشيخ سعد العبد الله والدكتور رشاد فرعون مستشار الملك فيصل وفاروق ابو عيسي وزير خارجية السودان آنذاك والفريق محمد صادق‏.‏ وكانت المهمة المعلنة للوفد هي تقصي الحقائق والعمل بكل الوسائل من أجل وقف اطلاق النار علي أن يعود الملوك والرؤساء العرب للاجتماع مرة أخري في اليوم التالي‏25‏ سبتمبر‏,‏ للنظر في النتائج النهائية لمهمة الوفد‏.‏
أما المهمة السرية‏,‏ فهي نفس المهمة التي سبق أن حددها الرئيس المصري لرئيس الاركان الفريق صادق‏,‏ ألا وهي إحضار ياسر عرفات الي القاهرة بأي طريقة وبأي اسلوب‏.‏ وصل الوفد الي عمان‏,‏ وعقد اجتماعا مطولا مع الملك حسين‏.‏

وأثناء الاجتماع الذي طال‏,‏ قطعت الاذاعة الأردنية التي كانت لا تذيع الا الموسيقي والأناشيد العسكرية إذاعتها لتعلن ان الرئيس جعفر نميري سيذيع بيانا بعد وقت قصير‏.‏ وفي الساعة الحادية عشرة وعشر دقائق من مساء يوم‏24‏ سبتمبر‏(‏ ايلول‏)‏ أذاع راديو عمان نداء بصوت الرئيس نميري نصه كالتالي‏:‏ الأخ المناضل ياسر عرفات‏,‏ باسمي شخصيا ونيابة عن الوفد الذي وصل الي عمان هذه الليلة نرجو منكم أن تقترحوا علينا كيف يمكن الاتصال بكم ومكان وموعد الاجتماع وبأي وسيلة متاحة‏,‏ وبما أن الأمر هام وعاجل فأرجو تحقيق ذلك حالا‏..‏ نكرر حالا وشكرا‏.‏

وظل راديو عمان يكرر النداء بعد ذلك عدة مرات‏,‏ وبعد حوالي الساعة‏,‏ أي في الساعة الثانية عشرة و‏45‏ دقيقة‏,‏ رد أبوعمار علي النداء ببيان أذيع من راديو اللجنة المركزية في دمشق قال فيه‏:‏ سيادة الأخ الرئيس اللواء أركان حرب جعفر محمد نميري‏,‏ سمعت نداءكم الموجه إلينا من إذاعة عمان من أجل لقاء عاجل وفوري يجمعنا‏,‏ وتلبية لندائك أقول‏:‏ ليكن الاجتماع الليلة وفي حدود الساعة الواحدة‏,‏ ونقترح أن تصلوا سيادتكم عبر الطريق الموصل من فندق الكرمان إلي مدرسة عالية إلي مقر سفارة الجمهورية العربية المتحدة في جبل اللويبدة‏,‏ ويصلكم مندوب من طرفنا ليرافقكم إلي مقر الاجتماع‏.‏ لقد عممنا علي قوات الثورة في جبل اللويبدة لتأمين وصولكم وعدم التعرض لسيادتكم وسيكون أكثر أمنا لمسيرتكم لو شددتم علي الطرف الأخر بالتقيد بوقف اطلاق النار في جبل اللويبدة هذه الليلة والي أن نلتقي بكم لكم التحية من إخوانكم المناضلين‏:‏ ومن القصر الملكي توجه الوفد للقاء ياسر عرفات‏,‏ وكان الدليل ضابط الاتصال المصري‏,‏ وتحت ستار من القصف المدفعي الشديد توجهت ثلاث سيارات مصفحة إلي مكان الاجتماع بعرفات‏,‏ وتوقفت السيارات الثلاث عند مكتب الوزير المفوض المصري في
جبل اللويبدة‏,‏ وهي منطقة بسيطر عليها الجيش الأردني‏,‏ وعلي مسافة كيلو متر واحد‏,‏ يقف الفدائيون الفلسطينيون متحصنين في مواقعهم علي قمم جبل عمان وفوق أنقاض المنازل التي تهدمت‏,‏ وصل مندوب من ياسر عرفات‏,‏ وبعد مداولة قصيرة‏,‏ تقرر ان ينتقل وفد القمة العربية الي المقر السري لعرفات وتم اللقاء وتقرر أن ينتقل الجميع الي مقر السفارة المصرية في جبل عمان وكان لابد من تغيير زي أبو عمار حتي لا يتعرف عليه أحد وهو يغادر مع أعضاء الوفد‏.‏ وبالفعل تمكن وفد القمة من الخروج من مقر القائد الفلسطيني وهو بصحبتهم دون أن ترصد ذلك العيون‏.‏ وركب الجميع السيارات وعندما وصلوا الي مقر السفارة المصرية‏,‏ ترجلوا ودخلوا المبني‏,‏ دون أن يتمكن أحد من معرفة أن أبو عمار بين أعضاء الوفد‏.‏ وتجددت المفاوضات مع الملك حسين‏.‏ وفي الساعة الثانية الا ثلث بعد ظهر يوم‏25‏ سبتمبر‏,‏ أذاع راديو عمان أن وفد الملوك والرؤساء قد اجتمع مع كل من الملك حسين وياسر عرفات‏,‏ وقال إنه نتيجة للجهود المباركة التي بذلها الوفد برئاسة اللواء جعفر نميري‏,‏ فقد تم بحمد الله الاتفاق الشامل علي وقف اطلاق النار‏.‏ وأضاف أن ياسر عرفات سلم الي اللواء غيري نداء خطيا موقعا منه بوقف القتال‏.‏ بعد ذلك بدأ وفد الرؤساء بحث الخطوات التنفيذية للاتفاق‏,‏ ولكنها تعثرت بالتطورات التي حدثت عند العصر‏,‏ حيث استؤنف القتال مرة أخري‏,‏ وتجدد القصف وشمل كل مناطق عمان‏.‏

ولكي يتم إخراج ياسر عرفات من مبني السفارة ومن عمان دون أن يعلم أي فرد‏,‏ طلب الفريق صادق منه أن يصعد الي الطابق الثالث من السفارة‏,‏ وأن يظل هناك الي أن يحضر اليه‏.‏ وطلب بعد ذلك من ضابط الاتصال‏,‏ وهو أحد ضباط المخابرات الحربية‏,‏ أن يقوم أبو عمار بتسجيل بيان يذاع بصوته في وقت تم تحديده من إذاعة المقاومة‏,‏ يهاجم فيه الأردن‏,‏ ويعلن استمرار القتال حتي يتم الاتفاق الكامل علي وقف إطلاق النار‏.‏ واعترض أبو عمار‏,‏ كيف أفعل ذلك؟
فطلب منه الفريق صادق أن ينفذ ما طلب منه وأنه شخصيا يضمن النتيجة النهائية‏,‏ ألا وهي حقن الدماء‏.‏ ثم أخبره بأنه سيذهب الآن مع الوفد للقاء أخير مع جلالة الملك حسين‏.‏ وأثناء اجتماع الوفد مع الملك‏,‏ دارت المفاوضات حول تثبيت وقف اطلاق النار‏.‏

وبعد مضي نصف ساعة‏,‏ دخل الي قاعة الاجتماع ياوران الملك حسين ومعه جهاز تسجيل إدارة الملك‏,‏ فسمع الجميع صوت ياسر عرفات وهو يهاجم فيه الأوضاع بشدة ويعلن استمرار القتال حتي يتم التوصل الي ايقاف حقيقي للمعارك‏.‏
وثار الذين من حول الملك‏,‏ وبدا الوضع في غاية الصعوبة‏,‏ فأخبرهم الفريق صادق أن هذا ليس صوت ياسر عرفات‏,‏ ولم يكن هناك من هو علي استعداد لسماع أي تفسير أو تبرير‏,‏ وانتهي الاجتماع بقرار العودة فورا الي القاهرة‏.‏ وعاد الوفد الي السفارة المصرية‏.‏ وخلال رحلة العودة لاحظوا شدة القصف‏,‏ خاصة علي المنطقة التي التقوا فيها من قبل بياسر عرفات في جبل اللويبدة‏.‏ وقبل أن يغادر الفريق صادق السفارة المصرية‏,‏ طلب أن يصطحب معه عددا من المصريين الذين حاصرتهم الأحداث‏.‏

وفعلا وصل الي مقر السفارة عدد من السيدات‏,‏ فطلب منهن الاستعداد لركوب السيارات التي ستتجه الي المطار‏.‏ بعدها صعد الي الطابق العلوي بالسفارة‏,‏ وطلب من ياسر عرفات أن يحلق ذقنه‏,‏ ثم أخبره بأن سيصحبه معه الي القاهرة‏,‏ فعارض عرفات الاقتراح بشدة‏,‏ وأكد أن المخابرات الاردنية ستكتشف الأمر‏,‏ وأنه لن يفلت حيا من هذه المحاولة‏,‏ فقال له إن هذا هو قرار الرئيس عبد الناصر‏,‏ وإن وجودك الآن حيا خارج عمان هو أفضل مخرج للمحافظة علي الثورة الفلسطينية‏.‏
وأوضح له أن الرئيس عبد الناصر لديه من الخطط ما يضمن انهاء الاقتتال خلال يومين أو ثلاثة أيام‏.‏ واستمر عرفات في معارضته لخطة اخراجه من عمان ومن الأردن ككل‏,‏ ولكنه في النهاية وافق‏.‏ واستعار الفريق صادق عباءة الشيخ سعد العبد الله الصباح وزير الدفاع الكويتي‏,‏ وألبسها لعرفات‏,‏ واصطحبه الي الطابق الأرضي للسفارة‏,‏ وطلب من إحدي المواطنات المصريات أن تركب السيارة هي وابنتها ومعها ياسر عرفات‏,‏ وكأنهم جميعا أسرة واحدة‏,‏ وتحركت السيارات الي خارج مبني السفارة دون أن يشعر أي فرد من المخابرات الاردنية الموجودة بما يجري‏.‏ووصل الركب الي مطار عمان‏,‏ فطلب الفريق صادق من سائق السيارة التي تقل عرفات بالاتجاه مباشرة الي الطائرة‏,‏ وهناك نزل ركابها‏,‏ وصعدوا الي الطائرة‏,‏ وجلس عرفات الي مقعده دون أن يحس به أحد‏,‏ في حين كان الفريق صادق منهمكا في حديث ضاحك مع أحد قادة الجيش الاردني الكبار‏,‏ بعدها صافح حرس الطائرة ليشغلهم عن عملية الصعود الي داخل الطائرة‏.‏ وأقلعت الطائرة الي القاهرة‏,‏ وبعد أن هبطت نزل منها الرئيس جعفر نميري ومن بعده كل أعضاء وفد القمة العربية‏,‏ بعدها ينزل محمد صادق ومعه ياسر عرفات‏,‏ ويتوجه من المطار الي مكتبه دون أن يلفت الأمر نظر أحد‏,‏ وفجأة يدق جرس التليفون‏,‏ ويسمع الفريق صادق صوت سكرتير الرئيس المصري ثم يأتيه صوت الرئيس وبعد أن يهنئه بسلامة الوصول يسأله عن أخباره‏,‏ فيجيبه قائلا‏:‏ كله تمام‏.‏

ويسأله ماذا تعني‏,‏ فيقول أعني أنني نفذت المهمة‏,‏ وأن عرفات موجود معي فيتساءل الرئيس‏,‏ موجود فين؟
فيجيبه‏:‏ عرفات معي الآن‏.‏
فيسأله مرة أخري‏,‏ معك الآن في القاهرة؟

كيف حدث ذلك؟ وكيف خرجت من عمان دون أن يعلم أحد؟ وكيف دخلت به القاهرة دون أن يراك أحد؟‏!‏
فقال له‏,‏ يافندم‏,‏ أبو عمار الي جواري الآن يرتدي بدلة الياور المرافق لي‏..‏

فيقول الرئيس‏,‏ إذن أحضر أنت وهو فورا الآن‏,‏ نعم الآن‏..‏ وفورا‏.‏
ويسأله الفريق صادق‏,‏ ما العمل الآن يا سيادة الرئيس؟ ويرد عبد الناصر علي السؤال بسؤال‏,‏ ماذا تقترح؟ ويقول صادق‏,‏ يظل عرفات معنا بصفة سرية لبضعة أيام ثم يطير الي دمشق‏,‏ ومن هناك يبدأ العمل‏.‏ فيقول عبد الناصر‏,‏ بل سيظهر عرفات للناس غدا وبصفة رسمية‏.‏ فيقول صادق‏,‏ هذا سيؤزم الموقف‏.‏
فيطلب منه الرئيس‏,‏ أن يذهب لينام بعد أن نفذ مهمته بنجاح‏,‏ وأن يترك له المهمة الآن‏.‏ وبالفعل ترك عبد الناصر ومعه أبو عمار‏,‏ وعاد الي مكتبه‏.‏ وبعد ساعتين دق جرس التليفون ليسمع صوت عبد الناصر‏,‏ وهو يقول له‏,‏ افتح الراديو‏,‏ ففي أخبار الساعة الواحدة والنصف مساء‏,‏ سيتم الإعلان عن وصول ياسر عرفات الي مصر‏.‏

فيقاطعه صادق قائلا‏,‏ ياريس أخشي من تأزم الموقف‏,‏ وهنا يقول له عبد الناصر‏,‏ ظهر غد سيكون الملك حسين في القاهرة‏,‏ وستتحقق المصالحة‏.‏
وفي اليوم التالي‏,‏ يتصل الملك حسين بالرئيس عبد الناصر‏,‏ ويبلغه أنه في طريقه الي القاهرة لحضور القمة‏.‏

وفي مساء‏27‏ سبتمبر‏,‏ وصل الجميع الي اتفاق شامل بين الحكومة الأردنية والمقاومة الفلسطينية‏,‏ ومثل هذا الاتفاق لم يكن ممكنا أن يتحقق دون إخراج ياسر عرفات من عمان الي القاهرة‏,‏ وبذلك انطوت صفحة أحداث ايلول الأسود‏,‏ وتم إنقاذ المقاومة الفلسطينية‏,‏ والحفاظ علي حياة ياسر عرفات آنذاك‏.‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية
موضوعات في نفس الباب
~LIST~