ملفات الأهرام

42773‏السنة 127-العدد2004يناير15‏22 من ذى القعدة 1424 هـالخميس

ديـــــــوان الحـــــــياة المعاصــــرة
معركـة نعيمة الأيوبي
نعيمة الأيوبي‏:‏ تبعث برسالة أنها بصدد التخصص في قضايا الأحوال الشخصية
بقلم‏:‏ د‏.‏ يونان لبيب رزق

الحـــلقة‏528‏
في يوم الجمعة‏16‏ يونية عام‏1933‏ طلعت الأهرام علي قرائها وقد احتل صدر صفحتها الأولي صورة لشابة ذات تقاطيع دقيقة وملامح شرقية‏,‏ جاء في تعريف الجريدة لصاحبتها‏'‏ الآنسة نعيمة الأيوبي‏-‏أول طالبة مصرية نجحت في امتحان ليسانس كلية الحقوق منذ إنشاء مدرسة الحقوق‏-‏ والآنسة كريمة المؤرخ الكبير المرحوم إلياس الأيوبي وقد كان ترتيبها الثالثة عشرة بين الناجحين علي كثرة عددهم وحازت درجة الشرف‏'.‏
ونعتقد أن قراء الأهرام من أنصار قضية المرأة قد أسعدهم الخبر‏,‏ خاصة وأن الآنسة كانت قد خاضت قبل ذلك بأربع سنوات معركة مريرة حتي أمكن قبولها في الكلية العريقة‏,‏ ومع أن زميلات لها استطعن الالتحاق في ذات العام بكليات العلوم‏(8)‏ والآداب‏(4)‏ والطب‏(4),‏ فقد كانت الوحيدة التي التحقت بكلية الحقوق‏,‏ بيد أنه كان علي الجانب الآخر قراء جريدتنا من المحافظين الذين وضعوا أيديهم علي قلوبهم في انتظار الخطوة التالية من الآنسة الجريئة‏.‏

لم تتأخر هذه الخطوة ففي اليوم التالي مباشرة نشرت جريدتنا خبرا مطولا تحت عنوان‏'‏ الأستاذة نعيمة الأيوبي‏-‏ زيارتها للمحاكم والحفاوة بها‏'‏ كشف عن نية صاحبتنا‏,‏ التي وصفتها الأهرام‏'‏ بالأستاذة‏'‏ بعد أن كانت قد نعتتها في خبر اليوم السابق‏'‏ بالآنسة‏',‏ لا نجد مندوحة من تقديم نصه كاملا هنا لما فيه من دلالات‏..‏ جاء في هذا الخبر‏:‏
‏'‏زارت حضرة الأستاذة الآنسة نعيمة الأيوبي خريجة كلية الحقوق يوم الخميس الماضي مجلس مصر الحسبي ومعها الأستاذ إبراهيم أبو العينين‏.‏

‏'‏ثم زارت غرفة المحامين بمحكمة الاستئناف والمحكمة الشرعية‏,‏ وقد قدمها حضرة الأستاذ عبد الله حسين المحامي إلي حضرات الزملاء المحامين‏.‏ الذين رحبوا بهال كأول فتاة مصرية زميلة لهم في هذه المهنة الشريفة‏-‏ مهنة المحاماة‏.‏ وقد قالت لهم‏:‏إنني لن أقبل المرافعة إلا في قضايا المظلومين لأنتصف لهم من الظالمين‏,‏ وسأخصص حياتي لخدمة المهنة التي شغفت بها مذ كنت طفلة‏,‏ ومذ رأيت المرحوم عمي محاميا يفخر برداء المحاماة علي أي شيء آخر في الحياة‏.‏
‏'‏فسرهم اتخاذ هذا الشعار الأسمي الذي هو المثل الأعلي في المحاماة النزيهة‏,‏ ورحبوا بها في إعجاب واحترام كزميلة محترمة جديدة‏.‏

‏'‏وستقدم في هذا الأسبوع طلبا لمحكمة الاستئناف قبول قيد اسمها في جدول عموم المحامين‏.‏ وستقدم طلبا آخر للجنة قبول المحامين لدي المحاكم الشرعية‏.‏ بعد أن تقضي إجازتها الصيفية في مدينة الإسكندرية‏,‏ موطنها الأصلي ومحل ميلادها‏'.‏
وبدا انحياز الأهرام للآنسة الأستاذة وللقضية التي تمثلها مما جاء في تعليقها علي الخبر‏..‏ قالت الجريدة‏:'‏ تلقت الأستاذة نعيمة دروسها الابتدائية في مدرسة محرم بك الابتدائية بالإسكندرية‏,‏ وبعد حصولها علي الشهادة الابتدائية التحقت بمدرسة البنات الثانوية التي كانت بالحلمية الجديدة بالقاهرة سابقا‏.‏ ثم التحقت بالقسم الإعدادي بالجامعة المصرية‏.‏ وكان ترتيبها حتي السنة الأولي بكلية الحقوق الأولي‏-‏ متقدمة وحدها علي كل زملائها الطلبة‏.‏ وقد مرضت قبل الامتحان الأخير لشهادة الليسانس‏,‏ غير أنها جاهدت المرض وأدت الامتحان بنجاح باهر‏'!‏

كانت أولي هذه الدلالات أن المرأة المصرية‏,‏ ممثلة في الشابة الصغيرة‏,‏ قد قررت أن تمتهن عملا كان حتي ذلك الوقت مقصورا علي الرجال‏,‏ وهو العمل الذي مر بتطورات هامة خلال تاريخ مصر الحديث وكان أصحابه لا يحظون بالاحترام في البداية حتي أنهم سموا في عصر محمد علي‏'‏ بالمزورين‏',‏ وإن أصبحوا أفضل بعد ذلك فأصبحوا وكلاء دعاوي وعرضحالجية‏,‏ غير أنه في أي الأحوال لم يكن يشترط فيهم الحصول علي درجات علمية مهما بلغ تواضعها‏,‏ ولم يكن بالطبع للمرأة مكان في مثل هذا العمل‏.‏
ومع تعقد النظام القضائي المصري خاصة بعد قيام المحاكم المختلطة عام‏1876‏ ثم المحاكم الأهلية بعدئذ تتالي صدور اللوائح التي تنظم المهنة‏..‏ أولي تلك اللوائح صدرت عام‏1888,‏ وهي اللائحة التي استخدمت لقب المحاماة لأول مرة‏,‏ تبعها بعد خمس سنوات لائحة أخري وضعت في شروطها‏,‏ ولأول مرة‏,‏ ضرورة حصول المتقدم للقيد علي شهادة الحقوق‏,‏ سواء من مصر أو من الخارج‏.‏

وتشير قراءة هذه اللائحة أنها لم تتوقع بأي حال أن تكون‏'‏ المرأة‏'‏ ضمن من تنطبق الشروط عليهم للاشتغال بالمحاماة‏,‏ فيما بينته من الحقوق والواجبات والعقوبات والأتعاب وكل ما يختص بسرية أو بشرف المهنة‏,‏ فقد افترضت جميعها أن المهنة ذكورية أولا وأخيرا‏.‏
الدلالة الثانية‏:‏ أن مدرسة الحقوق‏,‏ خاصة بعد أن تحولت إلي كلية بعد ظهور الجامعة الأميرية عام‏1925,‏ تحولت لتصبح مقصدا لأبناء الطبقة الراقية من الأعيان‏,‏ وكانت بمثابة‏'‏ الحضانة‏'‏ التي يتخرج منها كبار الموظفين والوزراء ناهيك عن الزعماء السياسيين‏,‏ الأمر الذي تؤكده القائمة الطويلة لهؤلاء‏..‏ مصطفي كامل‏,‏ محمد فريد‏,‏ أحمد لطفي السيد‏,‏ سعد زغلول‏,‏ مصطفي النحاس‏,‏ مكرم عبيد وآخرين بمن فيهم إسماعيل صدقي نفسه الذي كان يحكم البلاد وقتئذ‏.‏ ولم يكن مقبولا لكثيرين أن تدخل امرأة في زمرة هؤلاء‏,‏ فقد وافقوا علي أن تكون معلمة أو طبيبة أو موظفة ولكنهم لم يتصوروها وزيرة أو زعيمة‏!‏

الدلالة الثالثة‏:‏ إن نعيمة الأيوبي التي أفصحت عن نيتها علي العمل في المحاماة لم تكن لتلقي القبول من عديدين بسبب الأزمة الاقتصادية العالمية التي عانت منها البلاد‏,‏ حين تفشت البطالة بين المتعلمين‏,‏ وكان الحقوقيون أكثر من طالتهم‏,‏ فلا عمل في الحكومة ولا إقبال علي مكاتب المحامين‏,‏ ولم يكن ينقص هؤلاء سوي أن تأتي فتاة وتنافسهم‏,‏ ناهيك عن هيمنة فكرة تفوق الرجل علي عقولهم‏.‏
الدلالة الرابعة‏:‏ ما ساد في العقل الجمعي المصري من أن هذه المهنة بحكم طبيعتها ذات طابع رجولي‏,‏ فهي تقتضي الاحتكاك بالمتقاضين‏,‏ وتقدير الأتعاب‏,‏ والتنقل بين قاعات المحاكم‏,‏ والانكباب علي وضع المذكرات‏,‏ مما رآه هؤلاء فوق طاقة المرأة‏,‏ ولعل تلك الفكرة هي التي دعت‏'‏ الأستاذة‏'‏ إلي أن تركز زيارتها علي المجلس الحسبي والمحكمة الشرعية‏,‏ وكأنما أرادت بذلك أن تبعث برسالة إلي أولئك الذين يفكرون بهذه الطريقة أنها بصدد التخصص في قضايا الأحوال الشخصية‏.‏
في ظل هذه الظروف كان من الطبيعي أن تتحول المناسبة السعيدة عند أسرة‏'‏ نعيمة الأيوبي‏'‏ إلي معركة من سلسلة المعارك التي ظلت تنشب حول المرأة‏,‏ وهي المعركة التي لم تتأخر كثيرا بعد إعلان الفتاة اليافعة عن نواياها‏..‏

‏***‏
لما كان الأستاذ عبد الله حسين المحامي هو الذي تولي تقديم الآنسة نعيمة الأيوبي إلي أوساط المحامين‏(‏ راجع الخبر‏),‏ ولما كان من أبرز كتاب الأهرام في ذات الوقت‏,‏ فقد كان من الطبيعي أن يكون أول المنبرين للدفاع عن حقها‏,‏ وحق المرأة عموما أن تقتسم مع الرجل بعض الأعمال التي كانت قد اقتصرت عليه حتي ذلك الوقت‏..‏ الأمر الذي بدأه في مقال له نشرته الأهرام يوم‏24‏ يونية‏,‏ أي بعد نحو أسبوع من نشر الخبر‏,‏ جاء بعنوان‏:'‏ فوز الآنسة نعيمة الأيوبي‏-‏ ووظيفة المرأة في الإنسانية‏-‏ وهل من المصلحة أن تشارك المرأة الرجل في عمله؟‏'.‏
بدأ المحامي المعروف بطرح التساؤل الذي كان يدور في ذهن الكثيرين وقتئذ‏,‏ وهو‏:'‏ هل من مصلحة الإنسانية أن تشارك الرجل في أعماله ووظائفه التي عرف بأنه متخصص بها قبل خمسين سنة‏,‏ وهل تتحدد رسالة المرأة في الحياة أو مهمتها في الدنيا أن تكون الزوجة والأم‏.‏ بأن تفرغ همها وتحصر همتها في إدارة المنزل‏,‏ وإعداد الطعام‏,‏ والحمل‏,‏ والولادة والرضاعة وتربية الأطفال‏,‏ فلا تشتغل في المصانع والمعامل‏,‏ والوقوف في بيوت التجارة وحوانيت البيع والجلوس أمام المكاتب‏,‏ ومزاولة الطب والصحافة والمحاماة والصيدلة‏,‏ ولا تشتغل بالشئون العامة من سياسة وانتخابات وحكم ووظائف حكومية‏.‏ أم من مصلحة الإنسانية أن تدخل المرأة في المهن التي يرجو مزاولها الرزق والكسب‏,‏ دون أن تشترك في الحياة السياسية‏.‏ أم أن من مصلحة الإنسانية أن تشارك المرأة الرجل في كل عمل وكسب وحق وواجب؟‏'.‏

وبدأ الأستاذ عبد الله حسين رده بمحاولة طمأنة أبناء المهنة بأن عمل نعيمة الأيوبي في المحاماة‏'‏ لا يمكن أن يعد منافسة‏,‏ وإنما هو إكليل في تاج المهنة ودرة في تاج المرأة المصرية وبشيرا محبوبا يحسن مستواها‏..‏ أما أن يؤول ذلك في المستقبل‏-‏ والمستقبل البعيد طبعا إلي ثلاثين سنة علي الأقل‏-‏ إلي منافسة المرأة المصرية الرجل المصري في وظائفه‏,‏ وأعماله‏,‏ فهو رهن الحوادث‏.‏
ونري أن كاتب الأهرام كان أكثر من متفائل الأمر الذي أكده بروز أسماء محاميات عديدات خلال العقد التالي‏(‏ الأربعينات‏),‏ ومنهم نعيمة الأيوبي نفسها ومفيدة عبد الرحمن ثم سلسلة طويلة انتهت أخيرا بالأستاذة تهاني الجبالي‏,‏ أول من تولي منصب القضاء من المحاميات‏.‏ ولعل الشريط السينمائي الذي قام ببطولته الفنانان فاتن حمامة وكامل الشناوي باسم‏'‏ الأستاذة فاطمة‏'‏ والذي تناول قضية محامية تنافس زوجها العامل في نفس المهنة‏,‏ ورغم أن صانعيه قد انحازوا في النهاية للزوج‏,‏ إنما يكشف عن أن اشتغال المرأة بالمحاماة أصبحت إحدي القضايا التي تهم الرأي العام المصري‏!‏

نعود بعد ذلك إلي مقال الأستاذ عبد الله حسين الذي لم يلبث أن كشف عن انحيازه لاشتغال المرأة بسائر المهن بما فيها المحاماة‏,‏ فيما جاء في قوله‏:'‏ إن صعود منزلة المرأة اليوم مترتب علي صعود منزلة الرجل ذاته‏,‏ فالعلم كالكهرباء أو كالوباء‏,‏ لا سبيل إلي منع انتشاره بين جميع الناس‏..‏ وهذا ما حدث في مصر‏,‏ فقد بدأت النهضة العلمية بين الرجال الذين رأوا أنهم‏,‏ وقد تعلموا‏,‏ لا يستطيعون أن يعيشوا مع المرأة الجاهلة فعلموها‏'.‏
وخلص الرجل من ذلك إلي القول أنه‏'‏ من ضرورات اشتغال المرأة بمهن الرجال عدم توفقها إلي الزواج‏,‏ أو إلي الزواج الذي تسعد به‏.‏ أو أن لها طبيعة معينة تمنعها من الزواج‏.‏ ولا شك أن المصلحة الإنسانية تقضي بأن ينتفع بهذه المرأة‏.‏ ولا شك أنه لا يجوز أن نقول للنابغات اللواتي تنتفع بهن الإنسانية نفعا ممتازا‏,‏ كشهيرات النساء في التاريخ‏,‏ اذهبن إلي البيت واحرمن الإنسانية من عبقريتكن‏'.‏

فتحت الأهرام بذلك باب معركة جديدة في تلك الحرب الطويلة بين أنصار المرأة وخصومها‏,‏ هي التي يمكن تسميتها‏'‏ بمعركة نعيمة الأيوبي‏',‏ إذ لم يمض وقت طويل حتي جاء الرد الذي نشرته الأهرام علي صفحتها الأولي يوم‏28‏ يونية عام‏1933..‏ الكاتب‏:‏ خطاب عطية‏,‏ العنوان‏:‏ مهمة المرأة المصرية علي بساط البحث والاستفتاء‏.‏
وبدا الأستاذ خطاب في مستهل المقال وكأنما هو من أنصار المرأة‏,‏ إلا أنه لم يلبث في قسمه الثاني أن كشف عن رأيه ألا وهو أنه من أنصار تعليمها وليس توظيفها‏,‏ فيما جاء في قوله‏:'‏ لا يخصنا اليوم أن نعرض لتعليم الفتاة وإنما يهمنا أن نقف علي وظيفتها‏,‏ وهل للمرأة أن تعمل عمل الرجل وأن تشاركه مشاركة الند للند‏,‏ أو أن تترك ميدان العمل للرجل فقط مكتفية بما أعدتها لها الطبيعة من عمل هام قد يصرف كل وقتها ولا يدع لها مجالا للتفكير في الخبرة؟

يتبع‏'‏ خطاب عطية‏'‏ هذا السؤال بسؤال آخر يكشف فيه تماما عن موقفه وكان نصه‏:'‏ هل يجوز للمرأة أن تترك منزلها في الصباح المبكر إلي محل وظيفتها تاركة أعمالها من تدبير منزل وتربية طفل إلي خادم أو خادمة كيفما كان الحال؟
الإجابة‏:‏ إن تعليم المرأة واجب‏,‏ وأنه يجب علي الوالد أن يعد ابنته لأن تكون أما صالحة فضلا عن زوجة مخلصة‏..‏ تذهب إلي المدرسة لا لتتعلم القيام بمهنة أو صنعة خاصة وإنما للتثقف والثقافة وأن الجامعة إنما تعد النشء للحياة‏..‏ إن المرأة إنما خلقت لتأسيس العائلة التي هي حجر في بناء الأمة‏,‏ ومتي انهارت عدة أحجار انهار البناء كله‏,‏ وما البناء هنا إلا الأمة‏!‏

ويبدو أن آراء الأستاذ خطاب قد استفزت عددا من قراء الأهرام حتي أن أحدهم‏,‏ حسين عفيف المحامي‏,‏ أرسل إلي الجريدة برأي مطول قدم من خلاله رؤية اجتماعية مكملة لرؤية الأستاذ عبد الله حسين‏,‏ وكانت فريدة بالنسبة لطبيعة الفكر في ذلك العصر‏..‏
بدت هذه الرؤية عندما قرن الرجل بين الحرية الاجتماعية والحرية الاقتصادية التي منها حرية العمل والإنتاج‏'‏ ذلك أن عجز المرأة عن التكسب يجعلها تلتجئ إلي الرجل في إشباع حاجاتها الاقتصادية‏,‏ ومن ثم تصير عبدة له من هذه الناحية‏.‏ والاستعباد الاقتصادي يجر إلي استعباد اجتماعي‏,‏ لأن شخصية الإنسان المعنوية إنما هي ظل أو صدي لشخصيته المادية‏,‏ فكل ما يهدد الثانية فهو يهدد الأولي‏'.‏

ويستمر الرجل في تقديم رؤيته الناضجة‏,‏ والتي يبدو منها أنه كان من أنصار التفسير المادي للحركة الإنسانية‏,‏ فيقول‏:'‏ ليس لنا أن نستند في الحد من حرية المرأة في العمل علي أن ذلك يقابله أيضا حد من حرية الرجل يتمثل في التزامه الإنفاق عليها‏.‏ لأن هذا الالتزام هو في ذاته صورة من استعباد الرجل للمرأة ما دام الاتفاق من الجانب الأول يفترض مقابله الحاجة من جانب الثانية‏.‏ فهذا الالتزام في الواقع ليس إلا مقدمة لاستلاب حرية المرأة‏'!‏
وقبل أن ينتهي الأستاذ حسين عفيف من مقاله حرص علي أن يفند رأي المعارضين لعمل المرأة ويبدد مخاوفهم‏,‏ فيما جاء في قوله إن أقوي ما يستند إليه هؤلاء هو أن هذا العمل من مسببات البطالة‏,‏ وهو قول غير صحيح إذ أن‏'‏ الواقع أن سبب البطالة لا يرجع في أصله إلي كثرة الأيدي العاملة‏,‏ وإنما إلي عدم تنظيم الإنتاج الآلي تنظيما يجعل الفائدة الآتية منه تنسحب إلي البشرية كلها بدلا من قصرها علي طوائف دون أخري‏..‏ ثم لنفرض أن نزول المرأة إلي الميدان يزاحمنا حقا‏,‏ فبأي حق يفرض الرجل علي المرأة أعباء‏,‏ كائنة ما كانت‏,‏ ليستفيد هو من ورائها‏!‏ أية أنانية صارخة‏,‏ بل أي عار يستهدف الرجل من وراء عمل كهذا‏'!‏

وانتهت بذلك الموجة الأولي من معركة‏'‏ نعيمة الأيوبي‏',‏ وبات قارئ الأهرام في انتظار موجات جديدة لم تتأخر كثيرا‏..‏

‏***‏
عرفت هذه المعركة تدخل أطراف عديدة كان أقلها من أعداء عمل المرأة في المحاماة وفي المهن الحرة عموما‏,‏ مما بدا في مقال قصير وضعته نعيمة المغربي‏'‏ كريمة العلامة عبد القادر المغربي‏'‏ تحت عنوان‏'‏ رفقا بكرامتكن أيتها الشرقيات‏',‏ وكان قد سبق‏'‏ معركة نعيمة الأيوبي‏'‏ أن كتب الأمير عمر طوسون‏,‏ بكل ما له من وزن سياسي واجتماعي‏,‏ مقالا حبذ فيه أن تكون المرأة للأمومة لا لسواها وأنه ليس من الحكمة أن تنزل المرأة لمجال الوظائف والمهن التي ضاقت بالرجل‏'‏ فتزيد الأمور ارتباكا وتعقيدا‏',‏ وهو الأمر الذي أيده فيه آخر من قراء الأهرام هو‏'‏ فليكس فارس‏'‏ والذي كتب مقالا طويلا تحت عنوان‏'‏ تشغيل المرأة في الشرق‏'‏ انتهي فيه إلي القول‏'‏ جميل أن تكون المرأة متعلمة مثقفة وأقبح ما أري فيها الجهل والانحطاط‏,‏ ولكنني لا أعلم لماذا تعتقد النساء أن العلم والتهذيب يستلزمان حتما الاندفاع إلي العمل الخارجي في حين أن علمهن وتهذيبهن أجزل فائدة لهن وللمجتمع في عالم الأسرة‏,‏ وهو علي ضيقه أفسح مجالا للمواهب السامية من ميادين هذه المدنية المضللة علي رحبها‏',‏ وذهب الأمير بعيدا في رأيه حين أعرب عن مخاوفه من أن الرجال الذين يتزوجون من السيدات العاملات إنما يبغون القعود عن العمل‏!‏
غير أن الغالبية كانوا من أنصار عمل المرأة ممن وضعوا مقالات عديدة كان أبرزها ما كتبه الجغرافي المعروف الدكتور عباس مصطفي عمار‏,‏ وقارئة تدعي زينب الحكيم‏.‏

الأستاذ عمار كتب مقالين تشي العناوين التي اختارها لهما بماهيتهما‏,‏ الأول‏:‏ وظيفة المرأة وتربيتها بين الإطلاق والتقييد‏,‏ والثاني‏:‏ وظيفة المرأة في الحياة تعطلها أنانية الرجل‏..‏
عرض في بداية مقاله الأول لكتاب كانت قد ألفته كاتبة أمريكية اسمها‏'‏ مرجريت سانجر‏'‏ تحت عنوان‏'‏ المرأة والجنس الجديد‏'‏ اعترف فيه بأنه لم يستطع أن يتركه بعد البدء في قراءة الصفحة الأولي إلا بعد أن وصل إلي الصفحة الأخيرة‏,‏ الأمر الذي يبين أنه قد تأثر كثيرا به‏,‏ وإن كان لم يقبل‏'‏ ما شابه من بعض الغلو‏'..‏

بيد أن رفضه للغلو في المطالبة بتحرير المرأة صاحبه رفض لأغلب الآراء التي كان قد عبر عنها الأمير عمر طوسون في مقاله‏,‏ ومنها أن علي المرأة أن تتفرغ للزواج فتساءل‏:'‏ هل أصبح باب الزواج مفتوحا ميسرا‏,‏ وإذا كان عدد العوانس يزيد يوما بعد يوم‏,‏ والضرورات الاقتصادية والاجتماعية تزيد المشكلة وتضاعفها‏,‏ فما وجه العدالة أن ننصف الرجل علي حساب المرأة‏,‏ وفي أن نكون أنانيين نضيق علي البنت لنفسح المجال للولد‏'.‏
ويبدو أن الأستاذ عمار قد أسس رأيه علي انتشار العنوسة فيما جاء في إعرابه عن دهشته من ترك ملايين النساء‏'‏ لا نستفيد منهن كأمهات‏,‏ ثم نقف في سبيل مشاركتهن الرجل في العمل والكسب‏'!‏

المقال الثاني للجغرافي المعروف جاء في خضم المعركة وبعد تبادل الطلقات بين الجانبين‏,‏ وكان أكثر صراحة من مقاله الأول‏,‏ فهو قد تجاوز حجة‏'‏ العنوسة‏'‏ التي اعتمد عليها من ذي قبل‏,‏ إذ اتهم الرجل بحب الذات حين رأي أن باعث تلك الحملة المتكررة ما يمليه جشع الرجل‏,‏ وهاجم في هذه المناسبة النظامين‏,‏ الفاشي في إيطاليا والنازي في ألمانيا‏,‏ اللذين حدا من اشتغال المرأة ببعض الأعمال‏,‏ خاصة وأن بعض أنصار هذا الرأي في مصر استشهدوا بما فعله هذان النظامان‏.‏
وخلص صاحبنا إلي القول بوجوب مراعاة رأي المرأة في هذه القضية‏..‏ أنها تعتبر الرجل مسئولا عن هذا الضعف فيها‏'‏ وتحمله وزر ما قد يعتري تكوينها من نقص وما قد يصيب تفكيرها من قصور‏..‏ فعلم الحيوانات يقول بأن الأنثي في الحيوانات أشد من الذكر بأسا وأعظم منه قوة‏..‏ وأنها لو تركت منذ البداية حرة لا يثقلها الرجل بتحكمه وعسفه‏,‏ لظلت أقوي وأشد منه‏'!!‏

الأهم من مقالي عباس عمار المقالان اللذان وضعتهما الأستاذة زينب الحكيم‏,‏ لأنها كانت في أي الأحوال تنطق باسم المرأة ولا توكل عنها رجلا‏,‏ مهما بلغت درجة تعاطفه‏,‏ ثم أنها لم تغلب الطابع العاطفي الذي صبغ المقالات الأخري‏,‏ فقد كان أكثر عقلانية من الرجال‏..‏
صدرت زينب الحكيم مقاليها بمأثورة عن الفيلسوف اليوناني الشهير‏'‏ أفلاطون‏'‏ جاء فيها‏:'‏ ليس من عمل ما في الهيئة الاجتماعية‏-‏ تختص به المرأة كامرأة أو يختص به الرجل كرجل‏-‏ لأن الطبيعة ساوت بين الرجل والمرأة فيما منحتهما من النعم والمواهب‏,‏ ولذلك يحق للمرأة أن تقوم بكل عمل يقوم به الرجل رغم كونها أضعف جسما منه‏'.‏

دللت صاحبتنا بعد ذلك علي أهمية دور المرأة في الحياة بمجموعة من أقوال المفكرين والأدباء‏,‏ غاندي‏:‏ إني أؤمن بمبدأ المساواة بين الرجل والمرأة‏,‏ الدكتور كوخ‏:‏ إن موضوع المرأة لأعظم موضوعات الإنسانية‏,‏ تولستوي‏:‏ إذا افتخر الرجل بأنه نسل ولدا فلا فخر له في حضانته‏,‏ فولتير‏:‏ إن المرأة جد عظيمة لمقدرتها علي احتمال مظالم الرجل‏,‏ ورباطة جأشها أمام حقوقها المهضومة‏.‏
انتقلت من ذلك في مقالها الثاني بطرح سؤال عن الأسباب التي دعت الرجل إلي اختصاص نفسه بالسيطرة علي المرأة‏'‏ فإن كانت الرجولة فنا فمن أكبر عيوب الفن الأنانية والرجل الذي لا يسهل للعالم وكائناته مهمة الحياة لا يستطيع أن يري حقيقته ويفهم كنهه‏.‏ وإن كانت الأنوثة فنا‏,‏ فأكبر عيوب هذا الفن التقيد وجمود البديهة‏.‏ وإن اعتبرنا ثقافة المرأة بدعة آخر زمن‏,‏ فلنتأكد أن البدعة هذه شرط أساسي للرقي‏'!‏ وشخصت ما أسمته خير طريق للموقف القائم وهو‏'‏ أن تفسحوا المجال للمرأة فتنتعش نفسها‏,‏ وتشرق شمسها بعد طول احتجابها الذي أظلم العالم‏,‏ اتركوها تسير وفق ميولها الأقوي‏,‏ وتتخير لنفسها‏,‏ فلستم أدري منها بنفسها‏,‏ لتروا أمثال مسز كوري‏,‏ ومدام منتسوري ومسز مكفرش وغيرهن كثيرات ممن لا أراني في حاجة إلي ذكرهن خصوصا نساءنا البارزات في الميدان أمامكم‏'!‏

وبهذا‏'‏ المانيفستو‏'‏ الذي كان أقرب إلي المنشور الثوري أنهت زينب الحكيم مقاليها المعبرين‏,‏ وأغلقت الأهرام ملف معركة نعيمة الأيوبي‏,‏ وكان إغلاقا مؤقتا فالحرب بقيت مستمرة‏,‏ ربما حتي يومنا هذا‏!‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية
موضوعات في نفس الباب
~LIST~