تحقيقات

42656‏السنة 127-العدد2003سبتمبر20‏23 من رجب 1424 هـالسبت

ابن قرية الفرماوي شهيد الاحباط

تحقيق : محمـد البرغـوثي
في قرية الفرماوي‏,‏ بمحافظة الدقهلية‏,‏ يعيش الآن المزارع علي شتا البالغ من العمر‏65‏ عاما‏,‏ موزعا يومه بين الذهول الرهيب عن كل ما حوله‏,‏ والنحيب الهستيري علي قبر ابنه الشاب النابغة عبدالحميد‏,‏ الذي انتحر قبل أسابيع‏,‏ في لحظة فارقة من عمر أسرة لا يملك عائلها من كل أسباب الحياة غير تعليم أبنائه‏,‏ ولاتزين بيته المتواضع غير شهادات التقدير والتفوق المعلقة علي حوائط مبنية من الطوب اللبن‏.‏

كان عبدالحميد أحد ثلاثة أشقاء لايعرف الناس عنهم شيئا غير الطيبة والنبوغ الدراسي‏.‏ السيد الشقيق الأكبر حاصل علي ليسانس لغة فرنسية عام‏1993,‏ وكان الثاني علي دفعته‏,‏ ورضا الشقيق الأصغر الطالب الآن في السنة النهائية بكلية الطب‏,‏ وكان مجموع درجاته في الثانوية العامة‏101%,‏ وتقدير ممتاز في كل سنوات الدراسة الماضية‏.‏ أما عبدالحميد فقد حصل علي‏85%‏ في الثانوية العامة‏-‏ شعبة أدبي‏-‏ عام‏1995,‏ وكانت هذه غلطة لن يكررها أبدا‏,‏ لأنه يعرف أنه لا يملك ترف إعادة سنة دراسية واحدة‏,‏ وإرضاء لوالده التحق بكلية التربية جامعة الزقازيق‏,‏ وتقدم بأوراقه لامتحان الثانوية مرة أخري‏,‏ وفي هذه السنة تمكن من إحراز المركز الأول علي دفعته في قسم الجغرافيا بكلية التربية‏,‏ والحصول علي مجموع‏95%‏ في الثانوية العامة‏,‏ فترك التربية والتحق بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية عام‏1996.‏
ومن السنة الأولي في الكلية ترك انطباعا شديد التأثير لدي كل زملائه وأساتذته‏.‏

يصفه الباحث رضا عطية مدير مركز القرار للاستشارات‏,‏ والذي عرفه عن قرب بقوله‏:‏ كان عبدالحميد أصغر مني بخمس سنوات تقريبا‏,‏ ولكني عرفت الكثير عن نبوغه وهو لم يزل طالبا بالسنة الثانية‏..‏ وعندما تخرج وعمل معنا في مركز القرار‏,‏ فوجئت بأنه موسوعة متنقلة‏,‏ إذا وجد في مكان فهو المرجع الموثوق به في أي معلومة يريدها أي باحث أو دارس‏,‏ كان جبارا علي نفسه‏,‏ ولكنه كان حانيا علي أهله وزملائه ومطيعا إلي أبعد حد لأساتذته ورؤسائه في كل مكان عمل فيه‏,‏ وقد ظل طيلة سنوات الدراسة‏,‏ وبعد تخرجه عام‏2000‏ وحتي وفاته في‏29‏ يوليو الماضي‏,‏ يعمل لمدة‏18‏ ساعة يوميا‏,‏ كان قارئا نهما‏,‏ وباحثا دءوبا‏,‏ تمكن من إجادة اللغة الانجليزية إجادة تامة علي نفقته الخاصة‏,‏ وبعد التخرج حصل علي دورات مكثفة في اللغة الفرنسية‏,‏ وما أن تمكن منها حتي التحق بمركز لتعليم اللغة الألمانية‏,‏ وكان ينفق كل جنيه يكسبه من أبحاثه المنشورة في العديد من الدور يات المحترمة‏,‏ علي شراء الكتب والمعاجم ومساعدة أهله‏,‏ كما كان عبدالحميد متمكنا من استخدام العديد من برامج الكمبيوتر‏.‏

‏*‏ هل كان في تصرفاته ما يشير إلي أنه سيقدم علي الانتحار‏,‏ لمجرد استبعاده من قائمة المقبولين في التمثيل التجاري؟
ــ يجيب رضا‏:‏ لم يكن الاستبعاد من التمثيل التجاري هو الإحباط الأول الذي يتعرض له عبدالحميد‏,‏ فقد كان معروفا طيلة سنوات الدراسة بنبوغه‏,‏ ولم يعين معيدا لأنه لم يجد من يتبناه‏,‏ وكان مثالا مشرفا للباحث الممتاز بعد تخرجه‏,‏ ولكن كل مراكز الدراسات قبلته باحثا بالقطعة‏,‏ دون أدني أمل في التعيين‏,‏ وعندما أعلنت وزارة التجارة الخارجية عن حاجتها عام‏2002‏ لموظفين في التمثيل التجاري‏,‏ سارع عبدالحميد إلي تقديم أوراقه‏,‏ وقد ظل طيلة عام كامل يؤدي امتحانات مرهقة تحريرية وشفوية في العلوم السياسية والاقتصادية واللغات والكمبيوتر‏,‏ واجتاز كل الامتحانات بسهولة شديدة‏,‏ حتي تم اختياره ضمن‏43‏ متقدما فقط لشغل هذه الوظيفة المميزة‏,‏ وكنا جميعا نعلم‏,‏ أنه كان أكثر المتقدمين استحقاقا لشغل هذه الوظيفة‏,‏ وأنه سيتسلم عمله في التمثيل التجاري بعد أسابيع قليلة من آخر اختبار‏,‏ ولم يكن يخطر علي بال أحد أنه سيستبعد بمفرده في اللحظة الأخيرة‏,‏ بحجة أنه غير لائق اجتماعيا‏,‏ ويبدو أن قرار الاستبعاد نزل عليه كالصاعقة‏,‏ فأفقده توازنه‏,‏ وقضي علي كل آماله في الحياة‏.‏
آخر ما يفقده المرء هو الأمل‏..‏ تلك هي الحكمة الأثيرة التي كان عبدالحميد شتا يلقنها دائما لشقيقه الأصغر رضا طالب الطب‏,‏ الذي كان عبدالحميد بالنسبة له خصوصا هو القدوة والسند‏,‏ هو الممول الوحيد لكل احتياجاته المادية التي تعينه علي مواصلة الدراسة‏,‏ وهو الراعي الأول لنبوغه والمتابع الدءوب لكل صغيرة وكبيرة في حياته‏,‏ حتي إنه في آخر مكالمة تليفونية أجراها يوم انتحاره ترك مع زوجة شقيقه السيد‏,‏ وصية أخيرة كان رضا هو محورها‏:‏ سلمي علي أبويا وأمي‏..‏ وقولي للسيد خد بالك من رضا‏..‏ خليك معاه لحد ما يكمل دراسته‏,‏ وخدوا بالكو من بعض‏.‏
ما إن وصلت هذه الرسالة إلي السيد ورضا‏,‏ حتي انتابهما قلق غامض‏..‏ فسارعا إلي الاتصال به علي تليفونه المحمول‏,‏ ولكنه ظل مغلقا طيلة نهار‏29‏ يوليو‏,‏ فسارع رضا إلي السفر للقاهرة ليلا‏,‏ قاصدا مسكنه في منطقة بين السرايات القريبة من جامعة القاهرة‏,‏ وفي السكن أخبره ماجد‏-‏ أمين شرطة في الحرس الجامعي وزميل عبدالحميد في السكن‏-‏ أنه خرج منذ الصباح ولم يعد‏,‏ وظل رضا ينتظره حتي صباح يوم‏30‏ يوليو‏,‏ ولكنه لم يعد‏,‏ فترك السكن للبحث عنه في مكتبات القاهرة‏,‏ وفي مراكز بحوثها التي كان يتردد عليها‏,‏ واتصل بكل زملائه‏,‏ ولكنه لم يعثر له علي أثر وعندما علم من أحد زملائه المقبولين في التمثيل التجاري أن عبدالحميد تم استبعاده في اللحظة‏(‏ الأخيرة‏)‏ ظن رضا أن شقيقه انتابته حالة غضب‏,‏ ولابد أنه الآن معتكف في مكان ما‏,‏ مع أحزانه واحباطاته‏,‏ ولكن المؤكد أن عبدالحميد سيتجاوز هذه المحنة لأنه لم يفقد الأمل‏.‏

وكان اعتقاد رضا مبنيا علي أساس راسخ‏,‏ هو أن عبدالحميد انتهي قبل أسبوع واحد من استبعاده من التمثيل التجاري‏,‏ من انجاز رسالته للماجستير عن دور المحكمة الدستورية في الإصلاح السياسي في مصر تحت إشراف الدكتور ابراهيم درويش أستاذ القانون الدستوري والنظم السياسية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية‏,‏ وأنه سيظهر قريبا جدا‏,‏ وخصوصا أن الفصل الأخير من الرسالة حان موعد استلامه من المكتبة‏.‏
ولكن أخوال رضا وأعمامه وصلوا مساء اليوم التالي إلي مسكن عبدالحميد في القاهرة‏,‏ وطلبوا من رضا التوجه معهم إلي مستشفي شبين لتسلم جثة عبدالحميد التي ظهرت طافية علي الماء أمام القناطر الخيرية‏,‏ وفي انهيار تام تسلم رضا الجثة ومعها تقرير طبي يفيد أن الوفاة نتجت عن اسفكسيا الغرق‏.‏

هل انتحر عبدالحميد؟
يرفض الأب علي شتا‏,‏ وولداه رضا والسيد تصديق فكرة الانتحار‏..‏ كما يرفضها أيضا المهندس وجدي العادلي عضو الوحدة المحلية بميت الفرماوي‏,‏ والذي عرف عبدالحميد عن قرب في سنواته الأخيرة‏,‏ عرفه كإنسان متفوق ومتواضع‏,‏ مؤدب ومتدين وبار بوالديه ووفي لأهله وخدوم إلي أبعد حد‏.‏
إن الرغبة الحارقة في استبعاد فكرة الانتحار كسبب للوفاة‏,‏ مفهومة ومقبولة من أهله وأبناء قريته‏,‏ الذين يدفعهم حبهم لإنسان جدير بالاحترام والتقدير مثل عبدالحميد‏,‏ إلي تمني أي سبب آخر للوفاة‏,‏ غير الانتحار‏.‏

ولكن غير المفهوم هو أن يبدو أحمد عبادي المدير الفني لمكتب رئيس التمثيل التجاري‏,‏ مذهولا إلي حد كبير‏,‏ يدفعه للتساؤل‏:‏ لماذا ينتحر إنسان علي هذا القدر من التفوق والنبوغ‏,‏ ولديه كل هذه الامكانات‏,‏ ويعمل في مراكز بحثية مرموقة؟ هل التمثيل التجاري هو نهاية العالم؟
وإذ يؤكد أحمد عبادي الذي أبلغ عبدالحميد بعدم قبوله في التمثيل التجاري‏,‏ بأنه لم يشرح له أسباب عدم قبوله‏,‏ ولم يحدث أن قال له إنه غير لائق اجتماعيا‏...‏ وأنه حاول تهدئته عندما نزل عليه الخبر كالصاعقة‏,‏ فدفعه إلي الغضب الشديد‏,‏ إذ يؤكد عبادي هذا كله‏,‏ ينسي أن يدير ذهوله علي الوجه الآخر ليطرح سؤالا أكثر معقولية‏:‏ لماذا لم تقبلوه في التمثيل التجاري‏,‏ وهو علي هذا القدر من النبوغ والتفوق؟‏!‏
الوزير المفوض سعيد قاسم‏,‏ ورئيس التمثيل التجاري حتي‏12‏ أغسطس الماضي‏,‏ أجاب علي السؤال الأخير بأنه كرئيس للجنة التي أشرفت علي الامتحانات التي تقدم لها أكثر من‏800‏ خريج‏,‏ ونجح منهم‏43‏ شخصا فقط‏,‏ كان من بينهم عبدالحميد‏,‏ أرسلت استمارات التعارف الخاصة بهم إلي الجهات الأمنية‏,‏ وعندما عادت هذه الاستمارات وجدنا تأشيرة تقول إن عبدالحميد غير مقبول أمنيا‏.‏
ومما قاله أيضا سعيد قاسم إن عبد الحميد لم يكن أكثر المتقدمين نبوغا‏,‏ ولم يكن ترتيبه الأول كما قالت بعض الصحف‏,‏ وأن نتائجه في الامتحانات التحريرية كانت متوسطة وخصوصا في الكمبيوتر‏.‏

‏*‏وهل صحيح أنه تم قبول ابن شقيقك ضمن الدفعة التي تم استبعاد عبدالحميد شتا منها؟
‏-‏ نعم‏..‏ تم قبول ابن شقيقي‏,‏ لأنه لايوجد قانون يحرم ابن شقيقي من الالتحاق بالتمثيل التجاري‏,‏ لأن عمه رئيس التمثيل‏.‏

انتهي كلام سعيد قاسم‏,‏ ولكن تظل هناك حقائق كثيرة في قضية انتحار عبدالحميد شتا‏,‏ منها أنه يحمل‏6‏ شهادات تقدير من مركز‏IBM‏ في الشرق الأوسط‏,‏ تفيد أنه حصل علي دورات في الوندوز والدوس والنت والأكسس والإكسل والبروجيكت بتقدير ممتاز في كل منها‏,‏ ومن بين هذه الحقائق أيضا أنه لا يوجد بين أقارب عبدالحميد حتي الدرجة الرابعة‏,‏ من سبق اتهامه في قضية جنائية أو سياسية‏.‏
أما أخطر هذه الحقائق‏,‏ فتتعلق بطلبة وتلاميذ قرية ميت الفرماوي‏,‏ الذين باتوا علي يقين كامل من أن مؤهلات الترقي في الحياة‏,‏ ليس من بينها في هذا الزمان‏,‏ التفوق العلمي أو الاستقامة والاجتهاد والعيش بشرف‏!‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية