ملفات الأهرام

42638‏السنة 127-العدد2003سبتمبر2‏5 من رجب 1424 هـالثلاثاء

حول الرأسمالية ودور الدولة والتقدم
بقلم ‏:‏ هناء عبيد

شهدت صفحة قضايا استراتيجية في الأسابيع الماضية جدلا ساخنا دشنه مقال أستاذي الدكتور عبدالمنعم سعيد الذي دعا فيه إلي إقامة نظام رأسمالي ديمقراطي في مصر علي غرار الدول المتقدمة‏.‏ ويهدف هذا المقال إلي المساهمة المتواضعة في الحوار الدائر حول موضوع الخيار الرأسمالي ودور الدولة في تحقيق التنمية عموما وفي مصر علي وجه الخصوص‏.‏
وتجدر الإشارة بداية إلي أن مناقشة موضوع الرأسمالية عادة ما يكون مشحونا بالأبعاد الأيديولوجية للمصطلح التي تجعله مثارا للجدل والخلاف‏,‏ حيث يشير المصطلح علي إطلاقه بشكل شبه أوتوماتيكي المخاوف من سيطرة مصالح الطبقات الغنية وتراجع الدولة عن حماية الفئات الأضعف والطبقات الفقيرة‏,‏ وبالتالي كثيرا ما يختلف أطراف الحوار حول المسميات رغم التوافق حول الشكل الأساسي لتنظيم الإنتاج في المجتمع‏.‏

والواقع أن خيار التحول الرأسمالي في مصر يبدو محسوما إلي حد بعيد‏,‏ حيث يسيطر القطاع الخاص بعد حصيله العقدين من الخصخصة علي حوالي‏73%‏ من الناتج القومي الإجمالي‏,‏ ويوفر نسبة مقاربة من الحجم الإجمالي للتوظيف‏..‏ أما إلي أي مدي يقترب التحول الرأسمالي في مصر أو يجب أن يقترب من النموذج الرأسمالي الكلاسيكي للدول الغربية المتقدمة‏,‏ فإن هذا هو مكمن التساؤل وقلب الاختيار الذي تواجهه مصر‏,‏ ليس فقط من زاوية الدور الاجتماعي للدولة في حماية الطبقات الفقيرة‏,‏ وإنما من ناحية دور الدولة في توجيه عملية التنمية بشكل عام‏.‏
كذلك تجدر الإشارة إلي أن التقدم في الحالة المصرية في المدي المنظور يجب تعريفه في اطار حقل التنمية‏,‏ بمعني أن التقدم المنشود والممكن بالنسبة لإمكانات مصر الراهنة هو إحداث طفرات تنموية كبيرة بمؤشراتها الاقتصادية السياسية والإنسانية المختلفة‏.‏ وفي هذا السياق‏,‏ فإن نموذج التنمية في الدول حديثة التصنيع هو الأجدر بالدراسة والاتباع في الحالة المصرية‏,‏ حيث يواجه تطبيق النموذج الارتقائي الكلاسيكي الذي أدي إلي التقدم في الدول الغربية عبر عدة قرون صعوبات هيكلية علي المستوي المحلي والعالمي‏.‏

وبالرغم من الاتفاق مع طرح أستاذي الدكتور عبدالمنعم سعيد بأن الدول المتقدمة وكذلك الدول حديثة التصنيع تأخذ جميعها بالتنظيم الرأسمالي للإنتاج‏,‏ إلا أن الخيار ليس حتميا بين رأسمالية الدولة التي تقود إلي مراحل متقطعة من النمو من ناحية والدولة الرأسمالية التي تقود إلي التقدم المستدام من ناحية ثانية‏,‏ وتوجد ألوان شتي من التنظيم الرأسمالي للإنتاج التي تتعايش مع أو ترتبط بدور متزايد للدولة في دعم وتوجيه عملية النمو وليس تعويقه بالضرورة‏,‏ خاصة في الدول حديثة النمو أو حديثة التصنيع‏,‏ مثل كوريا الجنوبية والهند والصين والبرازيل وسنغافورة وربما كل الدول التي تندرج تحت مسمي الدول حديثة التصنيع‏newiyindustrializingcountries,‏ وهي تلك الدول التي لم تصل بعد إلي مصاف الدول الرأسمالية المتقدمة ولكنها بالقطع خرجت من طوق التخلف وأحدثت طفرات تنموية مستدامة استوجبت استحداث فئة خاصة بها في علوم التنمية والاقتصاد والاقتصاد السياسي تعترف بالقدر الذي حققته من النمو‏,‏ وبجدارة نموذجها في الدراسة والاحتذاء‏.‏
وقد انعكست تلك النماذج التنموية التي تمزج بين التحول الرأسمالي ولعب الدولة دورا متزايدا في الاقتصاد والتنمية في صك العديد من المصطلحات والنظريات الجديدة التي تعترف بوجود نموذج وسط بين الرأسمالية الخالصة من ناحية والاقتصاد الموجه من ناحية ثانية‏,‏ مثال ذلك نظرية الدولة التنموية للاقتصاد تشالمرز جونسون التي صاغها في دراسته لدور الدولة في النمو في اليابان‏,‏ وتصف الدور الذي لعبته وزارة الصناعة والتجارة الخارجية اليابانية‏MITI‏ منذ الحرب العالمية الثانية كمؤسسة تقود وترشد عملية التنمية في اليابان‏.‏ ومن قبيل ذلك ايضا مقولة حكم السوق‏GovernmingTheMarket‏ التي يحملها عنوان كتاب الاقتصادي المعروف روبرت ويد وتتناول نموذج النمو في دول النمور الآسيوية‏.‏ كذلك اعترف البنك الدولي بحقيقة دور الدولة في تحقيق النمو في تقريره حول المعجزة الاقتصادية الآسيوية الصادر عام‏1993
TheEastAsianMiracle:EconomicGrowthandPublicPolicy.‏

وليس أدل علي إمكانية التعايش بين الرأسمالية ودور الدولة من ذلك المصطلح الطريف الذي اصطلح عليه لوصف نموذج التنمية في الصين وهو مصطلح اقتصاد السوق الاشتراكي والتحول في الصين بلا جدال في مضمونه هو تحول رأسمالي‏,‏ ولكن دور الدولة الواعي والموجه والمتحكم في شكل وإيقاع ودرجة التحول لا يمكن انكاره‏.‏ وكذلك في كوريا الجنوبية التي قامت التنمية فيها علي أساس ارتباط وثيق بين الدولة والقطاع الخاص الممثل في الشركات العملاقة المعروفة بالـ‏Chaebole‏ مثل سامسونج وغيرها‏.‏
ففي كل تلك الحالات كان دور الدولة يتعدي كثيرا فكرة الحكم‏refereestats‏ أو الدولة الحارسة‏nightwatchmanstate‏ التي تقوم بتوفير الإطار الملائم لعمل السوق بفاعلية من خلال قواعد قانونية فاعلة‏,‏ أو فتح السوق أمام الاستثمار الأجنبي المباشر الذي يتدفق تلقائيا متي رفعت الدولة أيديها الثقيلة عن الاقتصاد‏.‏ علي العكس من ذلك كان دور الدولة في كل الدول حديثة النمو أو حديثة التصنيع هو دور العقل أو المايسترو الذي يقود ويوجه عملية التنمية وفي القلب منها التصنيع‏.‏ وقد استتبع ذلك أن تقوم الدولة بالانتاج بنفسها في بعض الأحيان لتحفيز القطاع الخاص علي الدخول في مجالات بعينها وليس لمنافسته أو تعويقه‏,‏ وخلق سوق في قطاعات واعدة وتشجيع الاستثمار الأجنبي المباشر علي مشاركة الاستثمار الوطني في بعض الأحيان‏,‏ وحماية بعض القطاعات الوليدة من المنافسة الأجنبية في أحيان أخري‏.‏

بعبارة أخري فقد تميزت هذه النماذج بامتلاك الدولة رؤية واضحة لأولويات التنمية وضروراتها‏,‏ ثم صياغة السياسات الملائمة لتحقيقها‏,‏ وحظي الإصلاح البيروقراطي والمؤسسي للدولة بأولوية قصوي أجمعت عليها كل تلك النماذج التنموية كخطوة أولي في تحقيق التنمية‏,‏ فكان لي كوان يو أبوالمعجزة الاقتصادية في سنغافورة علي سبيل المثال يضع اختبارات للمتقدمين لوظائف بيروقراطية الدولة مثل تلك التي يتوجب اجتيازها للالتحاق بالشركات متعددة الجنسية وذلك للنهوض بالأداء البيروقراطي‏,‏ وتحقيق كفاءة وفاعلية دون الدولة ومؤسساتها‏,‏ وبالتالي فإن دور الدولة الاقتصادي أو ملكيتها لبعض أدوات الإنتاج ليس شرا في حد ذاته وإنما المعيار هو كفاءة الدولة في القيام بهذا الدور‏.‏
ورغم أن معظم الدول حديثة التصنيع قد اتجهت في فترات حديثة إلي التقليل من دور الدولة وليس إلي إلغائه كلية‏,‏ فإن ذلك لم يتم إلا بعد تحقيق درجة معقولة من نضوج التجربة ومؤشرات النمو الشامل والمستدام‏.‏

وعلي العكس من الدروس التي تقدمها تلك التجارب‏,‏ نجد أن الحوار العام حول دور الدولة في مصر مقتصر علي الدور الاجتماعي التقليدي‏,‏ والذي يختزل في قضايا مجانية الصحة والتعليم والتوظيف وتوفير الدعم للخدمات والسلع الأساسية‏,‏ ومع توافر رؤية وسياسات رسمية شبه واضحة في هذا السياق‏,‏ فإن مشكلات الكساد الاقتصادي وعجز الموازنة تحتم صياغة حلول خلاقه من أجل استمرار هذا الدور ووصوله إلي مستحقيه‏.‏ أما دور الدولة في مصر في دعم الاقتصاد والتنمية وفي القلب منها التصنيع‏,‏ فالرؤية فيها غائمة‏,‏ والسياسة شبه غائبة‏,‏ بخلاف بعض التعديلات في قوانين الاستثمار والإعفاءات في المناطق الصناعية الجديدة‏,‏ وبالتالي يظل التعامل مع قضايا الاقتصاد والتنمية بالقطعة وبمنطق درء المخاطر وليس من خلال رؤية شاملة ومبادآت لتحسين وضع مصر الاقتصادي ومؤشرات التنمية الشاملة فيها‏.‏ وبالرغم من صياغة خطاب رسمي متماسك يضع التنمية التكنولوجية علي رأس أولويات الدولة منذ عام‏1997‏ بهدف النهوض بالتصنيع من أجل التصدير‏,‏ لم تخرج إلي النور المؤسسة الجامعة للتنمية التكنولوجية لتقود وتنسق جهود التنمية في مصر والتي كانت مثيلاتها في التجارب حديثة التصنيع خاصة في الهند وكوريا الجنوبية والبرازيل علامة مهمة من علامات التجربة‏.‏ وكان مآل المبادرات والمؤسسات البديلة التي ظهرت في السنوات الأخيرة في مصر مثل مشروع وادي التكنولوجيا ومدينة مبارك للعلوم والقري الذكية إما التعثر أو النجاح المحدود‏.‏ ومازالت قضايا الإصلاح الكبري في مجالات التعليم والبحث العلمي والإصلاح البيروقراطي‏,‏ ولعب الدولة لدور تنسيقي بين تلك القطاعات المختلفة وبينها وبين القطاع الخاص‏,‏ يدخل في باب الأمنيات‏.‏

حاصل القول إن ميراث ومثالب قيام الدولة بلعب دور اقتصادي مباشر في مصر في فترات معينة فضلا عن تجارب بعض دول الاقتصاد الموجه لا يجب أن يكون مبررا لإنهاء دور الدولة باعتباره المسئول عن تراجع أو تعثر الأداء الاقتصادي‏,‏ خاصة في ظل التجارب المذكورة للدول حديثة التصنيع‏,‏ وفي ظل التاريخ الطويل للدولنة في مصر‏,‏ كما لا يفترض أن يكون هذا التخلي الكامل للدولة عن دورها هو مفتاح حل المشكلات الاقتصادية وتحسين المكانة المصرية بشكل تلقائي‏,‏ وإنما المطلوب ـ علي الأقل في الفترة الراهنة من تطورنا الاقتصادي ـ هو وضع استراتيجية لترشيد الدور الاقتصادي والتنموي للدولة ومعالجة الملفات الصعبة والمعلقة‏.‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية