تحقيقات

42611‏السنة 127-العدد2003اغسطس6‏8 من جمادى الآخرة 1424 هـالأربعاء

في الإسكندرية‏:‏إنهم يهدمون التاريخ‏!‏
معاول الهدم تهدد منزل عبدالله النديم
بعد ازالة منزل سيد درويش

تحقيق‏:‏ حنان المصري
لو علم كل زعيم وطني ساهم في الحفاظ علي وحدة وطنه وعمل علي رفعته وإعلائه بأنه سيكون خارج ذاكرة التاريخ بفعل الزمن وعوامل التجاهل والنسيان وأحيانا الهدم لطالب كل واحد منهم بألا يذكره التاريخ علي الإطلاق‏.‏ أما علي الرموز التي ينتمي إليها كل زعيم أو صاحب تراث تاريخي وتكون شاهدة علي التاريخ فهذا أمر غير ذي قيمة‏...‏ هذه حقيقة غير مبالغ فيها وواقع تعيشه محافظة الاسكندرية بعد صدور قرار غير معلن مجهول المصدر بهدم التاريخ حيث تم هدم منزل فنان الشعب خالد الذكر سيد درويش بمنطقة كوم الدكة وتحويله إلي مقلب للقمامة ثم الشروع في هدم منزل الزعيم عبدالله النديم خطيب الثورة العرابية بمنطقة مينا البصل‏..‏ ناهيك عما حدث ويحدث لمنزل الزعيم الراحل جمال عبد الناصر بمنطقة باكوس والحالة المتردية التي آل اليها‏.‏
في منطقة كوم الدكة وأمام كومة من القمامة ورائحة كريهة تحيطها حوائط بلا أسقف نقف لنتذكر التراث الموسيقي للفنان الخالد سيد درويش والذي أثري الموسيقي العربية فأحدث ثورة بموسيقاه وأغانيه فتحولت إلي تراث مطالبين بضرورة الحفاظ عليه‏.‏

الدكتور حسن البحر درويش حفيد الموسيقار سيد درويش يتصفح ذاكرة التاريخ فنسأله‏..‏ ماذا حدث لمنزل الموسيقار سيد رويش ومن الذي هدمه وحوله إلي مقلب للقمامة؟‏!‏
يجيب قائلا‏....‏ في كل ذكري إحتفالية بفنان الشعب سيد درويش تتردد وتطلق التصريحات عن تحويل منزله الذي ولد فيه إلي مزار سياحي يكون قبلة للسائحين العرب والمصريين أسوة بما هو متبع مع مبدعي الدول المتقدمة‏,‏ وقد وصلت هذه الوعود والتصريحات إلي أوجها في الاحتفال المئوي بميلاد الفنان الخالد سيد درويش والذي أقامته مديرية الثقافة بالإسكندرية بحضور اللواء محمد عبد السلام المحجوب محافظ الإسكندرية ورئيس هيئة قصور الثقافة‏,‏ حيث أعلن أن المجلس الشعبي المحلي للمحافظة اتخذ قرارا بتحويل هذا المنزل إلي مزار سياحيا كما تمت إثارة موضوع منطقة كوم الدكة أيضا بهدف جعلها مزارا سياحيا حيث إنها تحتوي علي نمط معماري فريد لمنازلها بالإضافة إلي الحرف التي كادت تندثر وقد كانت الوعود من المسئولين بطرح هذا الأمر والحصول علي الموافقات اللازمة من الجهات المعنية‏.‏

إلا أنه لم تتخذ أي خطوة ايجابية تنفيذية بخصوص ما أثير علي مدي سنوات عديدة‏.‏ ويستطرد قائلا‏....‏ خلال السنوات الخمس الماضية دارت صراعات دموية بين بعض من ورثة ملاك المنزل والعائلة التي تقطن المنزل إلي أن وصل الأمر إلي هدم سقف المنزل المكون من دور واحد ويحتوي علي ثلاث حجرات ومدخل وذلك بهدف إجبار السكان علي إخلاء المنزل وقد ساعد علي ذلك وكان عاملا في الإسراع بهدم المنزل هو أن أحد الورثة كان عضوا بالمجلس الشعبي المحلي بحي وسط الاسكندرية ونجح في الحصول علي قرار بهدم المنزل من السادة المسئولين برغم علمهم علم اليقين بأنه المنزل الذي ولد فيه سيد درويش وأن أهالي الاسكندرية يطلقون عليه منزل سيد درويش‏.‏
يصمت لحظات وهو ينظر إلي حوائط المنزل فيقول‏....‏ الآن أصبح خرابة‏...‏ مقلب للقمامة محاط بسور وبه باب فقط فلماذا يتساءل وهو ينظر إلي المنزل المتهدم‏....‏ ويشير بقوله‏...‏ عندما علم أحد المسئولين بما حدث بمنزل سيد درويش وأن قرار الهدم قد صدر من الإدارة الهندسية التابعة له قام علي الفور بإحالة الأمر إلي النيابة الإدارية حيث تمت محاكمة بعض المسئولين الذين أفادوا بأنه لم يتم إخطارهم لإدراج المنزل ضمن الجدول الخاص بالمساكن التي لا يجب الترخيص بهدمها‏...‏ هنا يتبادر للأذهان سؤال مهم‏...‏ من المسئول عن إبلاغ الإدارة الهندسية بحي وسط بالجدول الصادر من المحافظة بالإدراج الفعلي لهذا المنزل ضمن المنازل التي لا يصرح بهدمها؟ ويؤكد الدكتور حسن البحر درويش بقوله‏....‏ من المفارقات العجيبة أنه أثناء اتخاذ الورثة إجراءات الحصول علي قرار الهدم كانت هناك محاولات من أبناء الاسكندرية وعدة جهات أخري منها أندية روتاري الاسكندرية بشراء المنزل وتحويله إلي متحف وإهدائه للمحافظة ولكن للأسف فشلت تلك المحاولات بسبب مغالاة الورثة في طلباتهم‏,‏ حيث أصروا بأن تتم عملية البيع مع الجهة الأجنبية مباشرة علي الرغم من الإعلان بأن الروتاري هو الذي

سيقوم بشراء المنزل وسداد قيمته كاملا دون تدخل أي جهة أخري وأخيرا أقام الدكتور بدر الخولي ممثلا من أندية الروتاري والذي أفاد بأن المنزل يتميز بطراز معماري فريد ويمكن احياؤه وعودته للأصل مرة أخري‏....‏ وحتي يتم تحقيق هذا الحلم من أسرة الموسيقار سيد درويش بل وأهالي الأسكندرية يترحمون علي التاريخ بعد الحالة التي آل إليها منزل الموسيقار الراحل‏.‏ وفي حارة عبد الواحد بك بمنطقة كفر عشري بدائرة مينا البصل بالاسكندرية لم يكن حال منزل عبدالله النديم خطيب الثورة العرابية أفضل حالا من منزل الفنان سيد درويش اللهم أن معاول الهدم لم تأت علي المنزل حتي الآن برغم صدور قرار بالإزالة‏!!!‏ وفي هذا الصدد يقول هريدي السيد هريدي من سكان المنطقة‏....‏ إن العقار رقم‏13‏ بحارة مينا الشراتوة وعبد الواحد بك هو أحد الشهود علي التاريخ فقد عاصرت جدرانه وأبوابه المقاومة الباسلة أثناء الاحتلال الأنجليزي حيث كان يسكن خطيب الثورة العرابية عبدالله النديم‏....‏ وهو منزل متفرد في مزاياه يحتوي علي مدخلين كان يستخدمهما عبدالله النديم في محاولات الهروب والإفلات من المستعمر والتحايل عليهم ومن الداخل يوجد سرداب أعلي السلم بالدور الأول وهو عبارة عن حجرة كبيرة بها سلم داخلي يفتح علي الشقة بالدور الأول علوي وكان هذا أيضا أحد أساليب النديم في الهروب أثناء مطاردة الانجليز له‏....‏ أما عبدالله النديم فقد كان دائما يخطب في الشعب ضد الاحتلال الانجليزي لذلك أطلق عليه خطيب الثورة العرابية وكان لدية مكتبة داخل السرداب عبارة عن دولاب زجاجي بلجيكي مطلي بالذهب الخالص وزاخر بأمهات الكتب التاريخية والخطب بخط يده وكذلك المطبعة التي كان من خلالها يطبع بعض الصحف حينذاك‏.‏

ويفجر عبد الدايم أحمد عمار ـ من سكان المنطقة ـ أمرا يدعو للحزن والذهول معا‏...‏فيقول‏...‏ أتردد علي هذا المنزل منذ نعومة أظافري وقبل سنوات عديدةـ مضت قمت بفتح السرداب لمشاهدة مكتب الزعيم عبد الله النديم ففوجئت باختفاء ثروة الزعيم من كتب ووثائق ومقتنيات وبالسؤال عنها جاءت المفاجأة التي عقدت الألسنة بأن زوجة حفيده قامت ببيع الكتب وكل ما يخص هذا الزعيم الوطني لاحد محلات بيع الأطعمة بمبلغ‏(12)‏ جنيها‏..‏ معقول التاريخ يباع؟‏!!‏ ليس هذا فقط بل توالت المفاجأت حيث صدر للمنزل قرار ترميم وقبل مرور اسبوعين كان القرار قد تحول من ترميم الي قرار ازالة وهدم تحت رقم‏165‏ لسنة‏2000‏ بتاريخ‏2000/6/21‏ لعدم جدوي إصلاحه‏!!!‏
ويضيف بقوله‏...‏ وبالتحري عن الأسباب والدوافع اتضح أن المنزل المجاور له قد صدر له قرارإزالة الأمر يستدعي هدم منزل رقم‏13‏ ـ منزل عبد الله النديم ـ بهدف ضم الأرض الخاصة به الي الأرض الفضاء المجاورة له لاقامة برج سكني والغريب في أن حي غرب الاسكندرية والمحافظة قد صدقا علي قرار الازالة للمنزل رغم أن الجميع يعلم بأنه منزل الزعيم عبد الله النديم كما يطلق عليه أهالي المنطقة‏.‏

وحملت علي عاتقي مسئولية الحفاظ علي هذا المنزل حتي لوكان جدرانا فقط‏..‏ فهذه الجدران تنطق بوطنية وحماس هذا الرجل الذي قاوم الاحتلال بالكلمة التي كانت سلاحه الباتر‏.‏ لذلك قمت بالطعن في قرار الإزالة وانتدب خبير لمعاينة المنزل الذي أثبت في تقريره سلامة العقار من حيث اساساته وجدرانه واخشابه وأنه صالح لمدة مائة عام قادمة وليس في حاجة الي ترميم‏.‏
أما خميس محمد عوض ـ محام فيقول‏..‏ قام أهالي المنطقة برفع دعوي قضائية لوقف تنفيذ قرار هدم منزل عبد الله النديم وقد وافقت علي دفاعي في هذه القضية التي تعد رأي عام خاصة بشخصية تاريخية يحدثنا التاريخ عنها في حين أننا عاجزين عن الحفاظ علي رمزها ـ المنزل ـ وقد اجتاحتني الدهشة وأيضا الشك حينما علمت بأن قرار الترميم تحول بقدرة قادر الي قرار هدم خلال أيام قليلة ولم أجد سوي القضاء وتم رفع الدعوي القضائية تحت رقم‏4665‏ لسنة‏2000‏ مساكن كلي دائرة‏18‏ مساكن وقد أنصف القضاء أمالنا في الابقاء علي المنزل كرمز لهذا الزعيم الوطني حتي لو لم يكن به أي من المقتنيات التي بيعت في خلسة من الزمن ولكنه في النهاية هو رمز من رموز الحركة الوطنية ضد الاحتلال التي سجلها التاريخ‏.‏ وداخل المجلس الشعبي المحلي لمحافظة الاسكندرية وتحديدا لجنة الثقافة بالمجلس تمت مناقشة هذا الموضوع فيقول علي أبو السيد وكيل اللجنة‏..‏ الكل يعلم من هو عبد الله النديم فهو خطيب الثورة العرابية مؤسس جريدتي الرسالة والتبكيت والتنكيت وهو أحد أبناء الاسكندرية ومن الثوار القلائل اثناء الثورة العرابية الذين فشلت محاولات جنود الاحتلال في القاء القبض عليه وكان ذلك بسبب ال
منزل الذي يقيم فيه والذي ساعده كثيرا في مقاومة الاحتلال‏..‏ هذا المنزل الذي قام حي غرب الاسكندرية باصدار قرار بهدمه ولكن اسرع قاطنوه بالقيام بترميمه ولكن علي اسس غير علمية من الناحية الهندسية والانشائية لذلك انحصرت مناقشة اللجنة في ضرورة الحفاظ علي هذا المنزل رغم عدم وجود مقتنيات لهذا الزعيم ولكن يكفي ان المنزل يسرد تاريخ حقبة زمنية فمن ذا الذي يملك حق هدمه ببضعة سطور في ورقة يطلق عليها قرار هدم ألا يكفي ما حدث لمنزل سيد درويش الذي تحول الي مقلب للقمامة؟‏!‏
ويتساءل بصوت عال لماذا نقف عاجزين امام معاول الهدم للرموز الوطنية التاريخية من يملك القدرة علي منعها؟‏!‏ هذا هو مضمون السؤال الذي تقدمت به للجنة بعد قيامي بزيارة ميدانية للمنزل‏.‏

ويقول عوف همام رئيس لجنة الثقافة بالمجلس الشعبي المحلي لمحافظة الاسكندرية‏..‏ فيما يتعلق بمنزل سيد درويش فقد قرر رجال الأعمال اعضاء الحزب الوطني والمجلس المحلي شراء قطعة الأرض التي كان مقاما عليها منزل سيد درويش وسوف تخصص هذه الأرض لصندوق التنمية الثقافية التابع لوزارة الثقافة من أجل إقامة متحف خاص بهذا الفنان الخالد ليضم مقتنياته الشخصية والفنية‏..‏ كما سيعاد تأهيل وصياغة الشارع الواقع فيه منزل سيد درويش وسيتم ترميم المنازل المقامة به مع تكثيف الاضاءة بطراز معماري قديم‏.‏
ويضيف قائلا‏..‏ هناك تفكير أيضا في اعادة صياغة منطقة كوم الدكة بالكامل لتكون مزارا سياحيا تقام فيه الأنشطة الثقافية والفنية بصفة عامة والتي تتلاءم مع طبيعة المكان‏..‏ وهناك أمر مهم لابد من توضيحه فقد سبق للجنة الثقافة بالمجلس مناقشة موضوع منزل سيد درويش الذي كان آيلا للسقوط ولايجدي معه الترميم ولكن سبق السيف العزل حيث تم هدم الأسمنت فكان اعادة التفكير بشكل عملي لذلك جاء قرار شراء قطعة الأرض المقام عليها المنزل بعد جمع التبرعات‏.‏

ويواصل حديثه بقوله‏..‏ وفيما يتعلق بمنزل عبد الله النديم فالأمر مختلف حيث لاتوجد مقتنيات لهذا الزعيم وكل ما نعرفه هو المنزل فقط وعند اقامة أي متحف لابد من توافر عدة عناصر منها وجود مقتنيات له لذلك هناك فكرة اطلاق اسم عبد الله النديم علي المنطقة الواقع فيها المنزل والمطلق عليها حاليا كفر عشري لأنه منزل عادي لايمثل شيئا ولايمكن أن يصبح متحفا مثلما نأمل بالنسبة لمنزل سيد درويش لأن هناك مقولة تقول إن المكان قيمته في الشخصية والمقتنيات والتاريخ لذلك فإن اللجنة بصدد عرض هذا الأمر بتحويل منطقة كفر عشري الي منطقة عبد الله النديم أما بالنسبة للمنزل ذاته فسوف تقوم بزيارة ميدانية له وعند التأكد من سلامته الانشائية وعدم حاجته للترميم او الهدم فإننا نطالب بضرورة الابقاء عليه خاصة ان المنطقة تتميز بهذا الطراز المعماري الجميل والذي يختلف كل الاختلاف عن الأبراج السكنية التي تقام خلال الفترة الحالية‏.‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية