الكتاب

42622‏السنة 127-العدد2003اغسطس17‏19 من جمادى الآخرة 1424 هـالأحد

كروان الإذاعة ومستقبل التليفزيون
بقلم : فاروق شوشة

لخص أندريه مالرو ـ وزير ثقافة فرنسا في عصر ديجول ـ الصفة العالمية للثقافة متمثلة في الفيلم السينمائي بقوله‏:‏ تؤدي فيه ممثلة سويدية‏,‏ دور بطلة روسية‏,‏ تحت إشراف مخرج أمريكي‏,‏ ليستدر الدمع من عيون أهل الصين‏.‏
وتستوقف كروان الإذاعة محمد فتحي عبارة مالرو ـ الذي يصفه بأنه شخصية حضارية عالمية فذة بهرت العالم بسيرتها التي تمتليء بمعالم البطولة وآيات التحرير والوعي الثقافي الباهرة ساهم في حركات التحرير العالمية وطرق أبواب الصين الحديثة‏,‏ وفقدته فرنسا عام‏1976‏ ـ تستوقفه عبارة مالرو وهو يتناول بفكره المستقبل‏,‏ في كتابه‏,‏ عالم بلا حواجز‏,‏ تليفزيون الغد‏,‏ وعلي أية صورة سيكون‏,‏ وما حجم تأثيره علي البشر‏,‏ مرددا مقولة ويلسون ديزارد إن في وسع الانسان أن يجعل من هذه الأداة العالمية فاتحة عهد جديد من السلام الحقيقي أو أن يجعلها أعظم سيرك للتلهية عرفه العالم‏!‏

في رأي كروان الاذاعة أن مستقبل التليفزيون يثير القلق‏,‏ شأنه في ذلك شأن أجهزة الاتصال الجماهيرية الأخري‏.‏ فإذا كان القول الفصل في مسار التليفزيون هو للجماهير العريضة المستهلكة‏,‏ التي تتغذي بما تقدمه لها الأجهزة‏,‏ والتي تتحمل في النهاية ثمن الاعلان المنتج للبرامج‏,‏ فالمستوي المرتقب لا يمكن أن يبشر بالخير‏.‏ ذلك أن أذواق الجماهير فيما هو معلوم تجنح دائما نحو المستويات المنحدرة التي لا تتسم بالمعقولية بل تعاديها‏,‏ ودأبها أن تطارد القيم المهذبة الذكية من مناهج الصحافة والإذاعة ـ بشقيها ـ وتضيق عليها الخناق حتي تطردها‏,‏ كما تطرد العملة الرديئة العملة الجيدة من السوق‏.‏
وهو يري أن الصحف الجدية ذات القيمة ـ علي نطاق العالم كله ـ تشقي في معاناة اقتصادية مزمنة‏,‏ في حين تنعم صحف الإثارة والفضائح بالرخاء والازدهار‏.‏ وكذلك الحال في الاذاعات المرئية‏:‏ المسلسلات التي تضج بالعنف والجنس والجريمة يجري وراءها الجمهور ويلح في طلبها‏,‏ في حين يغمض عينه ويصم أذنه عن برامج المعرفة والتنوير‏.‏ ممالأة الجماهير ومداهنتها ومخاطبة غرائزها تبسط لها الأيدي‏,‏ ولكنها مفلسة إزاء الذوق والفكر وقيم الخير‏.‏

ذلك أن التقدم التقني ـ أو التكنولوجي ـ الذي يطور الأجهزة بصفة عامة يركض ويقفز‏,‏ ولكن تقدم المضمون التليفزيوني عاثر لا ينبيء ببشارة‏.‏ هذا التناقض الصارخ يثير في النفس الشعور بالاحباط والبرم بالسياسات الاعلامية‏.‏ فالرسالة الاتصالية المكتوبة‏,‏ سواء كانت في شكل كتاب أو صحيفة أو في أي منشور مطبوع‏,‏ قاصرة عن بلوغ كل البشر‏,‏ ذلك أن فك رموزها سر لم يشارك فيه نصف البشر‏,‏ أو ربما أكثر‏.‏ والنصف الآخر يرتع في بحبوحة الجهالة أو ما تسميه اللغة العربية المهذبة‏:‏ الأمية‏.‏ فالصحيفة‏,‏ رغم أنها أوسع أدوات الاتصال المطبوعة انتشارا إلا أنها محدودة الأثر‏,‏ لا من حيث قدرتها علي التأثير‏,‏ ولكن من حيث أعداد المنتفعين بها‏.‏
والفيلم السينمائي ـ بالرغم من انتشاره ـ أداة نشأت وترعرعت في أحضان الترفيه المطلق ولخدمة أغراضه‏,‏ فضلا عن أن الدفة في سفينته تمسك بها يد التجارة‏!‏

والراديو ـ هو الأداة الوحيدة التي لاتزال تنتشر بالسرعة المواتية لمقابلة احتياجات العصر الاتصالية‏.‏ ولكن شتان بين أداتي الراديو والتليفزيون‏!‏ فالصورة في التليفزيون لغة عالمية مفهومة للكل‏,‏ والصورة ملونة‏,‏ والصورة تنبسط لها الأسارير‏,‏ وكما تتفتح لها العين التي تستقبلها ينفتح لها طريق القلب والوجدان‏.‏
ويكشف كروان الإذاعة محمد فتحي عن مزيد من جوانب فكره المتطور ورؤيته المستقبلية حين يتساءل‏:‏ في أية صورة سيكون تليفزيون الغد‏,‏ هل يكون الأداة المسيطرة علي أفئدة الجماهير يجتذب كما يجتذب المغناطيس‏!‏ يجتذب فحسب معطلا التفكير لدرجة الشلل‏!‏ أم يكون دوره‏,‏ بما له من قدرة إلكترونية‏,‏ مجرد الحشد والتجميع‏,‏ إن الأداة التي تمتلك هذه القدرة المذهلة علي ربط الناس بعضهم ببعض لا تعاب ولا تؤاخذ إذا هي أخفقت في تحقيق النتائج‏.‏ وإنما الذي يعاب هو صاحب الرسالة وصانعها‏,‏ ذلك الذي لا يعرف كيف يترجم هذه الحقيقة إلي شيء ذي مغزي ينفع البشر‏.‏ الثورة التكنولوجية تجري في سرعة الإعصار‏,‏ ونحن حيالها كالعاجزين‏,‏ لا نملك أن نعي أو نتأمل‏,‏ أو نحدد‏,‏ أو نقدر مرماها ومنتهاها‏.‏ وينتهي محمد فتحي إلي نتيجة مؤكدة‏:‏ مهما يكن من أمر‏,‏ فالأكيد أن التليفزيون قد رسخ أقدامه‏,‏ ولايزال يستقطب ويوسع نطاقه عرضا وطولا‏,‏ يوما بعد يوم‏.‏ وسيظل الأداة الأولي المعتمدة التي يشارك فيها ويستوعب رسائلها كل واحد من أهل الأرض‏.‏

لقد كان يري بعين المستقبل ـ وهو يكتب هذا الكلام منذ أكثر من عشرين عاما ـ أن في مدي خمس سنوات أو نحو ذلك سوف يرتفع هوائي التليفزيون في كل قرية قاصية ملغيا فكرة البعد‏,‏ ملغيا الحواجز بين البشر‏,‏ آتيا من الانسان للإنسان وهو قابع في عقر داره‏,‏ بكل مالدي البشر من فكر ورسائل‏,‏ عظم قدرها أو كانت سمتها التفاهة والسخف‏.‏
هل سينتهي أمر التليفزيون إلي أن يكون مظهرا من مظاهر الآلية المتسلطة في حياة البشر‏,‏ أو سيؤذن ببداية عصر من السلام الدولي؟ هكذا كان تساؤله منذ أكثر من عشرين عاما‏,‏ معلقا الاجابة وقتها علي ما سوف تكشف عنه العقود القادمة من القرن العشرين ـ الذي مضي ـ بكل ما حمله إلي البشر من معاناة وهموم وكوارث‏.‏ لكنه يعود فيري أن التليفزيون يتطور من مجرد أداة خفيفة الوزن للترويج والتلهية‏,‏ إلي أداة فعالة للاعلام والأخبار والتعليم والتبادل الثقافي‏.‏

ولم يفت كروان الاذاعة محمد فتحي ـ وهو يولي التليفزيون ومستقبله في عالم الغد هذا القدر من الاهتمام والتفكير ـ أن يسجل في كتابه الاذاعة المصرية في نصف قرن‏(1934‏ ـ‏1984)‏ الدور الرائد للإذاعة المصرية في عالم الاتصال الدولي من خلال مايعرف بالاذاعات الموجهة‏,‏ مستعيرا كلمات تأملية لماركوني يقول فيها‏:‏ الاتصال بين الشعوب‏,‏ التي تفصل المسافات والأقطار بينها‏,‏ هو بلاشك غاية من غايات السلام‏,‏ في وجه الشرور والآثام الناتجة عن التشاحن والغيرة‏.‏ ولن أتيح لاختراعي أن يحقق شيئا في سبيل إبطال مخاطر الحروب وأهوالها فلسوف أشعر بأن حياتي لم تكن عبثا‏.‏ هكذا كان العالم الايطالي الفذ ماركوني مخترع التليفون اللاسلكي ـ الذي مهد لاذاعة الراديو ـ يري الرسالة المعقودة علي هذا الوليد الجديد الذي سيغير حياة الناس وأساليب الاتصال الجماهيري‏!‏
ويعلق محمد فتحي بقوله‏:‏ من أجل ذلك كان الاستهلال الذي استهلت به الاذاعة المصرية دخولها في ميدان الاذاعات الدولية الخارجية نابعا من فهم أصيل لدور مصر الحضاري‏.‏ ذلك أن صفة مصر الدولية وإيمانها بالاتصال الدولي والتقاء شعبها بغيره من الشعوب شيء أصيل في ثقافة المصريين‏.‏ دار الاذاعة المصرية في‏5‏ شارع علوي كانت دليلا بينا علي هذه الحقيقة‏.‏ أغلب الظن أن الزائر للدار‏,‏ في أي وقت من الأوقات‏,‏ كان يلتقي بعلم من الأعلام‏.‏ لا تتملي عيناه فقط من طه حسين أو أم كلثوم أو محمد عبدالوهاب أو عباس العقاد أو الدكتور الجراح علي إبراهيم أو الشيخ محمد رفعت‏.‏ بل كان من المحتمل أن تقع عيناه علي أعلام دوليين مثل الجنرال ديجول ـ الذي كان يوجه إذاعاته لجنود فرنسا الأحرار المحاربين ضد جيوش النازية في الصحراء الغربية ـ أو الرئيس السوداني إسماعيل الأزهري أو الرئيس الحبيب بورقيبه أو الملك السنوسي‏:‏ وثلاثتهم كانوا في المنفي أثناء نضالهم ضد المستعمر البريطاني والفرنسي والإيطالي‏,‏ أو زعيم من زعماء سوريا أو العراق أو لبنان‏.‏ الاذاعة المصرية كانت مقصد الجميع يذيعون منها‏,‏ يلتقون ـ وهم في المنفي ـ بمواطنيهم عن طريق الأثير‏,‏ مشعلين نار الوطنية والحرية في قلوبهم ـ ويؤكد فكرته مرة أخري بقوله‏:‏ الاتصال بين الشعوب والثقافات مبدأ أصيل عريق من مباديء الشعب المصري ومورد من موارد قوته‏,‏ يظهر جليا في اهتمامه الكبير بالاذاعة الدولية‏.‏

لا يفوت كروان الاذاعة أيضا وهو يؤصل لبدايات الريادة الاذاعية في مصر‏,‏ أن يبرز ماتميز به الاذاعيون من وطنية جارفة ونبض وطني أصيل‏.‏ وقد تجلي هذا في مناسبتين‏.‏ الأولي في‏23‏ أغسطس‏1934,‏ وكانت العناصر الوطنية في البلاد بأسرها ـ بمقاومة ورفض من الحكومة القائمة ـ تحيي ذكري وفاة الزعيم الوطني الكبير سعد زغلول‏,‏ بالتوقف عن العمل ـ كل العمل ـ خمس دقائق‏,‏ في الساعة التي فاضت فيها روحه ـ وهي التاسعة وخمس وأربعون دقيقة من المساء‏.‏ يتوقف سائقو القطارات وسائقو الأتوبيس والعاملون في المقاهي وفي كل مكان يعمل بالليل‏:‏ المسارح والملاهي ودور السينما‏.‏ كانت الروح الوطنية ثائرة من أجل استقلال البلاد‏,‏ ضد المحتل الانجليزي‏,‏ والحكومة التي تعمل تحت ظله‏.‏ موقف وطني لا جدال فيه‏.‏ تدارس نفر من المذيعين الأمر سرا‏,‏ كيف يستساغ أن تتوقف البلاد كلها عن العمل والاذاعة وحدها تملأ الدنيا غناء ولا تشارك في هذا المظهر الوطني‏!‏؟ ترك الأمر لمذيع السهرة للتصرف في الأمر‏.‏ المغني يغني أمام الميكروفون مع فرقته في الاستديو‏,‏ وبغاية الهدوء والسرعة ينزع المذيع سلك الميكروفون من مجري التيار فيتوقف الصوت علي الفور‏,‏ في الساعة التاسعة والخامسة والأربعين بالضبط‏.‏ وتتصل غرفة المراقبة بمحطة الإرسال‏,‏ ويتحري المهندسون الأمر‏,‏ وقبل أن يجيء المهندس إلي الاستديو يكون المذيع قد أعاد سلك الميكروفون المنزوع إلي مكانه وتكون الدقائق الخمس المحددة للحداد قد مضت‏.‏ ويري الناس فيما حدث كرامة من كرامات الزعيم الراحل والأقدار تشاركهم في إحياء ذكراه‏,‏ إذ لا يمكن أن تكون شركة ماركوني الانجليزية ومهندسوها الانجليز والأجانب يشاركون الشعب في تلك المناسبة الوطنية‏!‏

المرة الثانية حين دعا محمد سعيد لطفي ـ مدير الاذاعة ـ سهير القلماوي لكتابة حديث وإذاعته عن شهداء الإسلام في اليوم الذي خرج فيه طلاب الجامعة في مظاهرة كبيرة وزحفوا من الجيزة إلي القاهرة ففتحت السلطة كوبري عباس منعا لهم من العبور وأطلق عليهم الرصاص وسقط الشباب الزاهر شهيدا‏.‏ لم تستطع الإذاعة السكوت والتفرج‏,‏ والحديث الذي قدمته سهير القلماوي كان بريئا في ظاهره‏,‏ ولكن صلته بالأحداث لم يكن من الممكن تجاهلها‏.‏ لقد أحدث الحديث صداه‏,‏ وزاد من نار السخط علي الحكومة‏,‏ ولم تتوان الحكومة عن انتهاز الفرصة‏,‏ والتحقيق في الأمر‏,‏ وإدانة المراقب العام للإذاعة وفصله‏.‏ وحنت شركة ماركوني رأسها للعاصفة وقبلت استقالة المراقب العام‏!‏
مثل هذه الأحداث يكشف عن دقة المواقف التي يتعرض لها العاملون في الاعلام بين الالتزام بأداء واجب العمل وشرف المهنة من ناحية‏,‏ والواجب الوطني المتأثر بالرأي العام ورأي الجماعة من ناحية أخري‏,‏ خاصة بالنسبة لمن يوقعهم سوء حظهم في مواجهة مثل هذه المواقف التي تعد امتحانا لوطنيتهم‏!‏

وربما كان هذا المعني هو المقصود بالمقولة الشائعة عن لعنة الاعلام التي تشبه لعنة الفراعنة في رأي محمد فتحي‏,‏ والتي يكتوي بنار بلواها الاعلاميون في شتي أنحاء الدنيا‏,‏ خاصة في تلك البقاع المبتلاة بعدم الاستقرار‏,‏ والوقوع في الحروب والأزمات وصنوف القهر والعدوان‏.‏
وليس الصحاف إلا مثالا قريبا لما قاله كروان الإذاعة عن لعنة الإعلام‏!‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية