قضايا و اراء

42582‏السنة 127-العدد2003يوليو8‏8 من جمـادى الأولـى 1424 هـالثلاثاء

في ذكري الإمام الأكبر فضيلة الدكتور عبد الحليم محمود
بقلم: د‏.‏ منيع عبدالحليم محمود
عميد كلية أصول الدين بالقاهرة ـ جامعة الأزهر

في إطار فعاليات الاحتفال بذكري الإمام الأكبر الدكتور عبد الحليم محمود شيخ الإسلام رضي الله عنه تبدي لنا الحاجة لبيان ملامح من حياته من خلال كتاباته وسيرته الذاتية المباركة‏.‏
وكلها يظهر فيها محض فيض وإلهام من الله سبحانه وتعالي لفضيلته رضي الله عنه‏,‏ فلقد كان قطب العصر وخاتمة العلماء المحققين وهو في هذه الأحاديث المجموعة في الأسفار الذي بين أيدينا يتضح لنا مدي علاقته التي يمكن أن يطلق عليها التجليات في اتصاله بالقرآن والسنة ومسائل العقيدة والتفسير والحديث والفقه‏,‏ وفي نفس الوقت هي علاقة التزام قوي الغرس بالتطبيق‏,‏ وهو الأصل في الأمور الدينية أي علاقة الحب والاتباع‏.‏

لقد نشأ الإمام الأكبر عبد الحليم محمود رضي الله عنه في أسرة كريمة مع علاقة طيبة بالأزهر الشريف فقد كان والده الشيخ محمود علي أحمد أحد قضاة المنطقة في ذلك الوقت من تلامذة الإمام محمد عبده فكان يعد ابنه الأكبر الإمام عبد الحليم محمود الإعداد المتواصل ليكون من ابناء الأزهر النجباء ولعل الجو العام في البيت من حرص علي تعلم العلم وتعليمه كان كفيلا بإلقاء البذرة الصالحة لتكوين أحد أئمة الأزهر العظام‏,‏ هذا بالإضافة إلي التربية العملية السليمة لتعاليم الدين الحنيف من والده أو من زوار والده من نخبة رجال العلم في ذلك الوقت‏.‏
ولعل دراسة متأنية لحياة الإمام عبد الحليم محمود في رحاب الأزهر الشريف منذ بواكير عمره توضح لنا الكثير من أسباب تكوينه اللاحق بعد ذلك كعالم محقق يطابق قوله فعله ويشار إليه بالبنان لقد كان من أساتذته الشيخ محمد مصطفي المراغي والشيخ الزنكلوني والشيخ حامد محيسن والشيخ محمود شلتوت والشيخ سليمان نوار وغيرهم كثير من فضلاء العلماء ولا نستطيع في نفس الوقت أن نتناسي القراءات الواسعة التي مارسها في إطار المذهب السلفي علي وجه التحديد وحضوره ندوات الشبان المسلمين وجمعية الهداية ومجالس الأستاذ محمد فريد وجدي وندوات الأحزاب السياسية ومشايخ التصوف ثم كان سفره لباريس بعد حصوله علي العالمية ودراسته للمناهج العقلية القديمة والحديثة وقيام عنصر المقارنة في نفسه بينها وبين طريق النصيين واختياره للطريق الثالث وهو منهج العبودية أو الاتباع الذي كان حصيلة دراسته للدكتوراه في التصوف عن الحارث ابن أسد المحاسبي‏.‏

تأثيره في الأزهر‏:‏
لقد قام شيخ الأزهر الإمام عبد الحليم محمود رضي الله عنه بجلائل الأعمال فقد قام بإعادة اعتبار الأزهر ومكانته إلي النفوس‏,‏ وأزال جميع العوائق والعراقيل التي وضعت في طريقه وفتح باب الأزهر علي مصراعيه للوافدين من طلاب العلم والدين فعاد الأزهر من جديد إلي مكانة القيادة التعليمية والتربوية في العالم الإسلامي‏.‏
كان عالما حكيما يدرس الوضع بدقة وإمعان ويفكر في القضايا والمشكلات تفكيرا جديا سليما ويبحث لها عن حلول في صمت وصرامة ويبدي رأيه في أوانه ولذلك استطاع أن يحفظ مكانة الأزهر ويبقي كرامته‏.‏

لقد كان أمة في ذاته فإذا جلس في مكان تحول ذلك المكان إلي مسجد ومدرسة يطلب من الناس أن يتبرعوا في سبيل الله لإنشاء المساجد والمدارس والمعاهد فيلبون نداءه‏,‏ حتي وجد في كل مدينة من مدن مصر معاهد للأزهر وكان الناس يؤمونه من الجهات البعيدة ليستفيدوا منه العلم والدين‏.‏

تأثيره بالنسبة للدعوة العالمية‏:‏
لقد كان الإمام الأكبر عبد الحليم محمود إماما في الدعوة إلي الله تعالي بسلوكه وقدوته قبل كلامه وتوجيهه‏.‏

وكانت غيرته علي الإسلام واضحة في كل أعماله وأقواله فكان ركنا ركينا في حماية الدين والدفاع عنه‏,‏ صامدا في مواجهة الغزو الفكري فكان يري أنه لابد في هذا الصدد من أمرين‏:‏
الأول‏:‏ تحصين الدعوة الإسلامية وحمايتها وتقويتها‏.‏

الثاني‏:‏ مواجهة الغزو الفكري وتيارات التحلل والإباحية التي تريد النيل من دين الله تعالي‏.‏

أما بالنسبة للأمر الأول فنري أن أول قرار أصدره بعد تجديد خدمته كان إنشاء إدارة ـ لأول مرة ـ في الأزهر تسمي إدارة القرآن الكريم تعمل علي مستوي مصر والعالم ونهض لتدعيمها ونشرها علي أوسع نطاق ونادي بتحرير فلسطين وإعادة الحقوق الفلسطينية كاملة غير منقوصة فكان رأيه‏:‏ أنه لن يكون هناك سلام في منطقة الشرق الأوسط إلا برد حقوق الفلسطينيين كاملة وانسحاب القوات الاسرائيلية من الأراضي المحتلة والقدس‏.‏
ويري ان تحرير المسلمين لا يكون كاملا إلا بتحرير أراضيهم وتحرير عقولهم وفكرهم‏,‏ فلابد ان تتحرر الارض من الاعداء والاستعمار‏,‏ ولابد أن يتحرر العقل والفكر من تيارات التحلل والاباحية ومن الغزو الفكري ومما تطفح به بعض الكتب والمؤلفات من مقالات مدمرة‏,‏ تنفث سمومها علي الاسلام والمسلمين‏.‏

الثاني‏:‏ مواجهة الغزو الفكري لهذا وقف الامام عبد الحليم يدافع عن الإسلام وعن الازهر ولا يدافع عن شخصه او عن شخص غيره‏,‏ لأنه علي يقين إن الله يدافع عن الذين آمنوا ونشر المؤلفات التي يواجه بها الملحدين والماديين وظل ماضيا برسالته‏,‏ حاملا مشعلها الذي سيظل مصونا الي ان يقوم الناس لرب العالمين‏,‏ ولو كره الكافرون‏.‏
وكان يقول دائما إن المتوقع ان يكون الازهر في كل مكان في العالم لأنه اقدم المؤسسات وابو الجامعات‏.‏

لقد كان الامام عبد الحليم محمود إذا تحدث‏,‏ لا تظن أنه يخطب أو يحاضر بل تشعر أنه يتكلم من قلبه ووجدانه‏,‏ وتشعر في نبراته بالصدق مع الله ومع النفس ومع الناس‏,‏ وكان إذا صمت تعلوه مهابة وإذا تكلم كان حديثه ينبع من قلبه فيتأثر الناس به ويقتنعون‏.‏

غزالي القرن العشرين‏:‏
الامام عبد الحليم محمود رضي الله عنه درس مذهب النصيين ودرس علاقة اليقين بالعقل ودرس المذاهب العقلية سواء في الجو الاسلامي أو الغربي وبين هذه الدراسات جميعا مع دراسة الفلسفة وعلم النفس والاجتماع يقول الامام عبد الحليم محمود‏:‏
وانتهيت من دراسة الدكتوراه وأنا أشعر شعورا واضحا بمنهج المسلم في الحياة وهو منهج الاتباع‏.‏

إن ابن مسعود رضي الله عنه يقول عن هذا المنهج كلمة موجزة كأنها إعجاز من الاعجاز‏:‏ اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم‏.‏
لقد كفينا وعلينا إذن الاتباع وبعد ان وقن هذا المنهج في شعوري واستيقنته نفسي أخذت أدعو اليه‏:‏ كاتبا ومحاضرا ومدرسا ثم أخرجت فيه كتابا خاصا هو الاسلام والعقل وكل ما كتبته عن التصوف والشخصيات الصوفية فإنما يسير في فلك هذا المنهج منهج الاتباع‏.‏

ومن هنا سمي الامام عبد الحليم محمود باسم غزالي القرن العشرين نظرا لانه اختبر الطرق الكلامية والنصية فلم يجد الطريق الصحيح إلا في العبودية والاتباع‏.‏

الأسلوب‏:‏
بالنسبة للامام عبد الحليم محمود فهو لم يكن يعتمد في كتاباته علي مجرد البحث الاكاديمي في الامور العلمية ولكنه كان بالاضافة الي ذلك مطبقا للفكرة التي يؤمن بها‏,‏ ومن كان كذلك يصل كلامه الي القلب مباشرة ويتأثر به القاريء ولعل دراسة متأنية لما كتبه عن الشخصيات الصوفية توضح لنا أنه كان منفعلا بها ومتفاعلا معها ويظهر هذا بوضوح في كتابه الحمد لله هذه حياتي فهو لم يكن مجرد سرد تاريخي او ذاتي بل هو ايضا استخراج لكثير من الأسس والمباديء التي امن بها وطبقها علي نفسه قبل ان يطلب من الاخرين الاقتناع بها والعمل علي تطبيقها‏.‏
ويعد الإمام الأكبر فضيلة الدكتور عبد الحليم محمود صاحب ورائد مدرسة الفكر الاسلامي والتصوف في العصر الحديث ولقب بأبي التصوف في العصر الراهن‏,‏ فقد اثري المكتبة العربية بامهات الكتب بين تحقيق وتأليف وترجمة‏,‏ فمنها دراساته القيمة عن الامام الغزالي وكتابه المنقذ من الضلال ودلائل النبوة والقرآن في شهر القرآن الي جانب ما كتبه عن رواد التصوف علي مر العصور الاسلامية المختلفة‏.‏

والإمام الأكبر فضيلة الدكتور عبد الحليم محمود له عمق وغزارة الآراء الفقهية ودقة الاجتهادات مما جعله يكسب صفوف المعارضين قبل المؤيدين‏,‏ إلي جانب اللياقة والدراية الكاملة في عرض اي موضوع او مسألة تتعلق بأمور الدين وايضا يمتاز بقوة ورصانة الاسلوب والعبارات مما يدل علي المهارة الفائقة والملكة اللغوية‏,‏ فلهذا اكتسب هذا العالم الجليل احترام كل الفرق والمذاهب الاسلامية في شتي بقاع العالم‏,‏ وسيبقي هذا العالم وتراثه الذي يبلغ حوالي‏63‏ كتابا غير الأحاديث الإذاعية والتليفزيونية ومحاضراته في جميع انحاء العالم في قلوبنا علي مر العصور‏.‏
فكان من أمر الشيخ عبد الحليم محمود رضي الله عنه ان اصبح هو الفضيل بن عياض وهو الامام الغزالي وهو الشيخ الاكبر محيي الدين ابن عربي‏,‏ حتي وصل به الامر ان امتزج امتزاجا كاملا بالمدرسة الشاذلية فكان قطبها‏,‏ ولقب بأبي الحسن الشاذلي القرن العشرين‏,‏ ولقب ايضا بأبي التصوف في العصر الراهن‏,‏ فلقد كان اليه رضي الله عنه المرجع والفتيا وريادة الفكر الاسلامي والتصوف في العصر الحديث‏.‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية