قضايا و اراء

42568‏السنة 127-العدد2003يونيو24‏24 من ربيع الثانى 1424 هـالثلاثاء

عبدالرحمن كتخدا عميد العمارة الإسلامية
بقلم :مهندس ـ محمود أحمد الكردي

غاب عن مصر‏(12‏ عاما‏)‏ من‏1178‏ هـ الي أن عاد في‏(16‏ صفر عام‏1190‏ هـ‏)‏ ولكن ذكراه وخيراته في فم الشعب المصري وخاطره مستمرة مع مر الأيام وكلما مروا أمام مبانيه العظيمة في انحاء القاهرة تتملكهم الأثارة المكبوتة لظلم الحاكم الطاغي‏(‏ علي بك‏)‏ الذي تولي حكم مصر عام‏(1177‏ هـ‏),‏ وقام بنفي عبدالرحمن إلي أرض الحجاز لشدة حقده وغيرته من مكانته في مصر وحب الشعب له‏.‏
أرق الشوق عبدالرحمن في منفاه الي أرض مصر وأضناه فراق الشعب المحبب اليه‏.‏ وصدره ضاق بالظلم المطاع الذي وقع فيه حتي أصبح لايري النوم إلا غرارا‏.‏ أخذ يتنقل بين مكة المكرمة والمدينة المنورة لكي يشعر براحة فكره ولكن حنينه لشعب مصر الطيب وترابها يلاحقه أينما ولي‏.‏ حتي وقع في الشيخوخة قبل أوانها‏.‏ فضمر جسمه وانحني ظهره وبطأت خطاه وضعف بصره‏.‏

وكلما حاول النوم تلاحقه الأفكار الخاصة بتجميل القاهرة وحرمانه من تنفيذ مآربه ويتمني العودة لتحقيق أمانيه‏.‏
شاء الله أن يعود الي مصر مع أمير الحاج يوسف بك بعد هزيمة الطاغية وتولي حكم مصر محمد أبو الدهب‏.‏ فرح عبدالرحمن بعودته الي محبوبته مصر‏.‏ ودخل داره بحارة عابدين‏.‏ وهي تحفة معمارية وصفها الدكتور عبدالرحمن زكي أستاذ الآثارالإسلامية في كتابه عن القاهرة الذي طبع عام‏(1362‏ هـ‏).‏ مبني عظيم محكم الوضع والأتقان لم تماثلها دار في مصر‏.‏ تمتاز بحسنها وزخرفة مجالسها‏.‏ وغرس بها بستان بديع بداخله قاعة متسعة مربعة الأركان بوسطها نافورة مفروشة بالرخام وأركانها مركبة علي اعمدة من الرخام‏.‏ وللدار بوابة عظيمة مزخرفة بالألوان‏.‏ ملحوظة‏(‏ بحثت عن قصر عبدالرحمن بعابدين فوجدت البوابة وبداخلها عمارة سكنية والنافورة بركن من الأرض وخربت مبانيه وضاع التراث الجميل‏)‏

دخل عبدالرحمن داره هزيلا من مآسي الحياة وأقام فيها أحد عشر يوما وانتقل الي رحمة الرحمن راضيا مرضيا‏,.‏ وعندما علم الشعب بوفاته توافد علي داره العلماء والأساتذة والطلبة وعامة الشعب وتسابقوا في حمل نعشه علي الأكتاف من عابدين الي مدفنه الذي أعده لنفسه عند الباب الشرقي بمسجد الأزهر‏.‏ وحزن الشعب عليه حزنا شديدا لأعماله وخيراته‏.‏
عشق عبدالرحمن الفن المعماري من ملازمته لوالده عثمان كتخدا الذي كان له ميول فنية في العمارة الإسلامية‏.‏ فتفوق عليه وبزه فيه‏.‏ فكانت لعبد الرحمن ملكة في هندسة المباني يقتدر بها علي ما يروم من الوضع مبانيه ناطقة بجمال وروعة العمارة الأسلامية لها بهجة وطابع شرقي يجذب المشاهد برونقها‏.‏ فواجهاته محلاة بالكرانيش‏.‏ وأدخل قيما مستجدة علي المباني بتكسيه الحوائط بالرخام‏.‏ تسابق مع الزمن في الإبداع الفني من أصباغ وألوان مشكله بتنسيق بديع من زخارف تلمس المشاعر من دقة كمالها وتهز قلوب عشاق الجمال حين تراها‏.‏ وما زالت هذه المشاهد باقية في تحفته المعمارية‏(‏ سبيل كتخدا الذي يقع في ملتقي شارع النحاسين والجمالية أنشأه عام‏(1176‏ هـ‏)‏ ويتكون من سبيل بالدور الأرضي ويعلوه مبني كتاب يمتاز سقفه وحوائطه بالتحلية بالزخارف الجذابة والكتابات التاريخية‏.‏

واتجه الي توسعة الأزهر فزاد في طوله وعرضه بخمسين عامودا من الرخام عليها براتك مرتفعة من الحجر المنحوت‏.‏ وبني محرابا جديدا وأقام له منبرا وأنشأ له بابا عظيما جهة حارة كتامه وبني أعلاه مكتبا بقناطر معقودة علي أعمدة من الرخام لتعليم أطفال الأيتام‏.‏
وبني مساجد لأحفاد رسول الله صلي الله عليه وسلم‏.‏ المشهد الحسيني‏.‏ والسيدة زينب والسيدة سكينة والسيدة عائشة والسيدة فاطمة والسيدة رقية‏.‏ واتجه الي الأزبكية وشيد المسجد المعروف بأسمه‏.‏ وأنشأ المدرسة الطبرية وهي من أحسن المباني فخامة وعظمة وعمر المدرسة السيوفية وجدد الماريستان‏.‏ وكان عدد المساجد التي شيدها‏18‏ مسجدا وكثيرا من الأسبلة‏.‏ رحم الله عبدالرحمن كتخدا عميد العمارة الأسلامية‏.‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية