قضايا و اراء

42503‏السنة 127-العدد2003ابريل20‏18 من صفر 1424 هـالأحد

أبعاد الحملة الأمريكية علي سوريا
بقلم‏:‏ د‏.‏ جمال سلامة علي
خبير في الشئون السياسية للشرق الأوسط

برغم أن حملة الابتزاز والضغوط الأمريكية ـ الإسرائيلية علي سوريا لا تعتبر شيئا وليد الحدث ـ فإن ما يثير الريبة هو التلاحق السريع بين تصاعد تلك الحملة وبين السقوط السريع لبغداد‏.‏
ويبدو أن الانتصار المفاجئ للولايات المتحدة في حملتها علي العراق قد فتح شهية صقورها لتحويل الاتجاه نحو سوريا فقد اتخذت حملة الابتزاز الأمريكية علي سوريا سلما تصاعديا بدءا من تصريحات بول وولفيتز مساعد وزير الخارجية أعقبتها تهديدات من رامسفيلد وباول ثم بوش‏,‏ وكلها تنصب علي نفس الاتهامات التي كانت توجه في السابق ضد النظام العراقي مع اختلاف الرتوش حيث تتراوح بين امتلاك أسلحة دمار شامل وتشجيع الإرهاب‏,‏ ثم تصنيف سوريا علي أنها من الدول المارقة‏!‏ وقد جاء تصريح شارون لصحيفة معاريف ليلقي الضوء علي حقيقة الضغوط التي تتعرض لها سوريا حيث أكد خلاله نفس المزاعم والاتهامات الأمريكية واصفا الرئيس السوري بأنه رجل خطير‏!!‏

بالطبع لسنا في مجال الأخذ والرد علي صحة أو عدم تلك المزاعم التي لا تستحق عناء إضاعة الوقت في تفنيدها‏,‏ فالولايات المتحدة تعلم قبل غيرها أنها ليست إلا مجرد أكاذيب وافتراءات ولكنها السياسة الأمريكية شأنها شأن السياسة الإسرائيلية التي تري في الهجوم وإطلاق الاتهامات بمثابة ستار دخان تخفي وراءها أهدافا عدوانية‏.‏
إلا أن ما يستحق البحث هو التساؤل عن مغزي ودوافع أو أهداف تلك الحملة علي سوريا؟

وقبل أن نتناول ذلك يكفي أن نشير إلي تزامن تلك الحملة مع إعلان رامسفيلد عن تعطيل قوات الغزو لخط أنابيب النفط الممتد من الموصل إلي ميناء طرطوس السوري‏,‏ وإعلان شارون عن مخطط لمد خط أنابيب بترول من حقول الموصل إلي حيفا مرورا بالأراضي الأردنية‏.‏
ومن المعروف أن العراق هو مورد النفط الأساسي لسوريا‏,‏ ويحقق خط أنابيب الموصل ـ طرطوس فوائد حيوية لسوريا‏,‏ فمن خلاله تحصل سوريا علي احتياجاتها النفطية‏,‏ فضلا عن العائد الذي تتحصل عليه نتيجة عبور هذا الخط من أراضيها والمتمثل في مقابل العبور‏,‏ ثم الفوائد التي يجنيها الاقتصاد السوري من تشغيل ميناء طرطوس كميناء تصدير للنفط العراقي‏.‏ وإذا عدنا بالذاكرة نجد أن هذا الخط قد لعب دورا مهما في خدمة الأمن القومي العربي أثناء أزمة السويس عام‏56‏ حيث قامت سوريا بنسف خط النفط المار عبر أراضيها لتلحق الضرر بالاقتصاد الغربي جراء وقف إمدادات البترول العراقي في عهد نوري السعيد‏.‏

إذن فقد باتت تتضح معالم الصورة‏,‏ فالولايات المتحدة تستهدف إجهاض الاقتصاد السوري للقضاء علي عناصر الاستقواء السياسي لدي النظام مما يمكنها لاحقا من فرض إرادتها دون حاجة لعمل عسكري علي غرار ما حدث في العراق‏,‏ وبالتالي تأتي حملة الابتزاز بغرض التغطية علي المخطط الصهيو ـ أمريكي وإسكات سوريا أو جعلها تلتزم الصمت حيال ما يحاك ضدها‏.‏
نأتي إلي هدف آخر علي رأس أهداف الحملة الصهيو ـ أمريكية ويتمثل في ضرب الوجود السوري في لبنان وإرغامها علي سحب قواتها من سهل البقاع في الشمال اللبناني‏,‏ فضلا عن ضغوط لتسليمها قياديي حماس والجهاد والجبهة الشعبية والديمقراطية الموجودين داخل المخيمات الفلسطينية في سوريا‏.‏

فإذا رجعنا للوراء قليلا نجد أن تلك الحملة تأتي استكمالا أو تفعيلا للقانون الذي طرح من قبل علي الكونجرس والمسمي بقانون محاسبة سوريا باقتراح من عصابة الحاخامات في الكونجرس وبتدعيم مما يسمون بالمحافظين الجدد أو من الإدارة الأمريكية والذي يهدف إلي فرض عقوبات علي سوريا‏,‏ وقد تزامن طرح هذا المشروع في العام المنصرم مع التهديدات التي وجهها بوش إلي سوريا مطالبا إياها بالكف عن تدعيم حزب الله وما سماه الجماعات الإرهابية الفلسطينية وإغلاق معسكراتها الموجودة علي الأراضي السورية علي حد زعم بوش‏.‏
نأتي إلي تساؤل آخر يتعلق بالسيناريوهات المحتملة بأزمة التهديدات الأمريكية ضد سوريا‏,‏ فقد أشار البعض إلي احتمال لجوء الولايات المتحدة إلي تكرار السيناريو العراقي في سوريا خاصة أن تكلفة الحرب قد لا تقارن بما أنفقته الولايات المتحدة بشأن العراق نظرا للوجود الأمريكي الفعلي والمكثف في المنطقة علي تخوم سوريا الشرقية‏,‏ فضلا عن إحاطة سوريا بجار مناوئ في الشمال وهو تركيا ناهيك عن عدو يتربص بها من الجنوب وهو إسرائيل‏.‏

وبرغم أننا يجب ألا نستبعد أي احتمال خاصة في ظل أجواء غطرسة القوة الأمريكية الإسرائيلية‏,‏ فإننا قد لا نرجح احتمال تكرار السيناريو العراقي ضد سوريا‏,‏ ولا ينبع ذلك من قناعة لدينا باختلاف معطيات الأزمتين فقط‏,‏ كما لا ينبع ذلك من قناعة بعدم صحة المزاعم الأمريكية‏,‏ لأننا نعلم أن الولايات المتحدة لا تعول كثيرا علي مسألة الصدق أو الافتراء بل يكفي لديها مجرد إطلاق المزاعم والافتراءات مستندة إلي جوقة من المرددين في وسائل الإعلام المختلفة لكي تلصق التهمة بمن تريد‏.‏
لكن ما يدعونا إلي عدم ترجيح أو احتمال تكرار السيناريو العراقي هو طبيعة الأهداف أو ما تستهدفه الادارة الأمريكية من حملتها علي سوريا‏,‏ فهي تريد إنهاء الوجود السوري في لبنان‏,‏ وهي تريد إخراج عناصر المقاومة الفلسطينية من الأراضي السورية‏,‏ وكل ذلك يصب في خدمة هدف أكبر يتمثل في تجرع النظام السوري شراب تسوية بتركيبة أو بمواصفات إسرائيلية سبق أن رفضها الرئيس السوري حافظ الأسد من قبل‏.‏

ويبدو أن هناك تصورا داخل الإدارة الأمريكية بأن كل هذه الأهداف قد يمكن تحقيقها من خلال حزمة من الضغوط علي سوريا مستندة إلي الإيحاء باستخدام القوة الموجودة في المنطقة دون الاضطرار إلي عمل عسكري أو تورط أمريكي إسرائيلي جديد في المنطقة قد يلقي معارضة كبيرة‏,‏ دوليا فضلا عما قد ينجم عنه من اضطراب وفوضي بالمنطقة بما قد يؤدي إلي إفلات الأمور من يد الولايات المتحدة فينقلب السحر علي الساحر‏.‏
لذلك فمن المرجح أن تأخذ تلك الضغوط منحني آخر في صورة تصعيد إسرائيلي ضد لبنان علي قواعد حزب الله في الجنوب وعلي القوات السورية في البقاع‏,‏ تعقبه ضغوط أمريكية علي الحكومة اللبنانية لدفعها إلي المطالبة بخروج القوات السورية من لبنان‏,‏ وقد تزداد تلك الضغوط فعالية بتدخل أطراف دولية أخري تطالب الحكومة السورية بإخراج قواتها من لبنان‏,(‏ لا يفوتنا التذكير بأن الوجود السوري في لبنان قد مثل أكبر النجاحات من وجهة نظر النظام السوري في عهد الرئيس حافظ الأسد حيث اكتسب هذا الوجود غطاء شرعيا بموجب اتفاق الطائف عام‏90)‏ لذا قد يمثل هذا الخروج السوري من لبنان بداية اهتزاز شرعية النظام‏,‏ فتأتي الخطوة التالية المتمثلة في ضغوط أمريكية علي النظام السوري تحت زعم المطالبة بإجراء إصلاحات سياسية وما يصاحب ذلك من تفعيل لدور عناصر المعارضة السورية الموجودة في الولايات المتحدة والغرب‏,‏ فلا يصبح متاحا من بدائل أمام سوريا إلا الرضوخ لتسوية حسب الشروط الإسرائيلية‏,‏ أو مواجهة النظام السوري لأعاصير التغيير‏.‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية