تقارير المراسلين

42467‏السنة 127-العدد2003مارس15‏12 من محرم 1424 هـالسبت

المصـريون في العـــراق
بين أحلام العودة وأشباح الحرب

رسالة بغداد‏:‏ هشـام يونـس
اغرورقت شفتاه بالكلمات الحبيسة ومضي يفك أسر الحروف قبل أن تنتحر علي طرف لسانه‏..‏ وشيئا فشيئا عاوده الحنين إلي الحنين بعد أن كاد ينسي أنه يشتاق إلي صدر أمه ووجه جيرانه وتفاصيل بلدته الصغيرة‏,‏ وهو لا يشتاق إلي زوجته أو أطفاله‏,‏ فقد جرفه تيار الغربة دون أن يستطيع السكون إلي زوجة والاسترخاء مع أطفال‏..‏ والعامل البسيط الذي غادر دلتا النيل إلي ربوع دجلة تحل عليه البركة واللعنة في آن واحد‏,‏ فالعراقيون يقدرون من شاركوهم محنتهم ولم يتركوا العراق في لحظات الحصار‏..‏ لكن علي الضفة الأخري من المسألة فإن الأهل في مصر لا يقدرون من قطع أخباره عامدا وخلت صفحة من رسالة قصيرة أو مهاتفة عاجلة أو أي شيء يسد رمق الحيرة والاستفهام عن مصير من ذهبوا إلي بلاد الرافدين ليدفعوا ثمن الغربة مرتين‏!.‏
في غرفة مكيفة بفندق يطل علي نهر دجلة كنت متكئا وأنا ألوك سؤالا استنكاريا‏..‏ لماذا لا يعودون؟‏..‏ وبعد أيام بين أرصفة بغداد ومقاهيها ومستشفياتها ـ التي لا تشفي أحدا ـ وبعد أن تشممت عرق المصريين وتحسست مواضع ألمهم أصبح السؤال استغاثة واجبة هي كيف يعودون؟ لكن الإجابة تتشح بالعجز والحيرة والقلق فضلا عن الألم‏!.‏

سمعة طيبة
يتمتع المصريون بسيرة حسنة في العراق فقد ساهموا بجهد كبير في إعمار العراق إبان حربه مع إيران طوال عقد الثمانينيات‏.‏ ولذلك كانت لهم أفضلية بالنسبة للجنسيات الأخري في العراق وكانوا يعاملون مثل مواطنيه وكانت منطقة المربعة في بغداد أكبر تجمع للمصريين في العراق حيث كان يقطنها‏200‏ ألفا مصري قبل حرب الخليج الثانية عام‏1991‏ وفي هذا الوقت تراوحت أعداد المصريين في العراق بين‏4‏ و‏6‏ ملايين‏.‏

عدد غير محدد
ليس هناك احصاء كامل عن عدد المصريين المقيمين في العراق حاليا‏,‏ لكن الدكتور سمير مصطفي أستاذ الاقتصاد بمعهد التخطيط يرجح أنهم‏20‏ ألف استنادا لتقرير صادر من وزارة القوي العاملة بني علي تقديرات الملحق العمالي في بغداد‏..‏
لاتملك السفارة العراقية بالقاهرة احصاء عن عدد المصريين المسجلين هناك لكن مصدرا بها قال إن المسجلين في مديرية الإقامة ببغداد ويحصلون علي حصة تموينية شهرية كالمواطنين العراقيين يزيدون قليلا علي‏30‏ ألف مصري وإن كان أيضا هذا الرقم غير مؤكد وهذه التقديرات تتحدث فقط عن المقيمين في بغداد دون باقي المدن والمحافظات العراقية الأخري‏,‏ كما أنه لا يمكن الاعتماد علي أرقام من يحصلون علي تأشيرات دخول العراق لأن عددا غير معروف منهم يذهب عن طريق الأردن أو سوريا ويستقر في أحدهما‏.‏

أما نواب مجلس الشعب الذين أثاروا موضوع المصريين في العراق‏,‏ فأيضا لا يملكون أرقاما محددة مثل ناجي عبدالمنعم نائب منية النصر دقهلية‏,‏ الذي قدر عدد المصريين في العراق بأكثر من نصف مليون‏,‏ حيث قال إن محافظة الدقهلية بها‏450‏ قرية وكل قرية لها أبناء في العراق لا يقلون عن أربعة أو خمسة وهو يفترض أن ذلك حال كل المحافظات فضلا عن القاهرة‏,‏ وعلي هذا الأساس بني تقديره‏.‏
أما النائب محفوظ حلمي من المحلة الكبري فقد قدم طلب إحاطة عن المصريين الذين لم يعودوا من العراق بعد حرب الخليج‏,‏ وقال في بيان له بمجلس الشعب إن‏30‏ ألف أسرة مصرية مسجلة في الصليب الأحمر تعيش بالعراق ولما سألته عن مصدر هذا الرقم أجاب إنه احصاء غير رسمي والحكومة لم تنف أو تؤكد هذا الرقم‏..‏

المركز الإقليمي للصليب الأحمر بالقاهرة ينفي وجود احصاءات صادرة عنه عن أعداد المصريين بالعراق برغم أن الصليب الأحمر يقوم بتوصيل الرسائل بين المغتربين هناك ومن فقدوا الاتصال مع ذويهم في مصر‏.‏
وتشير تقارير المنظمة الدولية للهجرة التابعة للأمم المتحدة إلي أن أعداد المصريين بالعراق بين‏60‏ و‏70‏ ألفا‏.‏
وأيا كان هذا الرقم ما بين‏20‏ ألف أو‏200‏ ألف ـ وهي تقديرات بعض المراقبين ـ أو مليون فإن الأهم هو الأحوال التي يعيشون فيها وكيف تبدو تفاصيل المشهد المصري في العراق؟‏!‏

حصة تموينية‏!‏
يحصل كثير من المصريين علي حصة تموينية كالتي تقدمها الحكومة العراقية لمواطنيها لكن علي مستوي الأجور والقيمة الشرائية للدينار يصبح الوضع مأساويا‏..‏ فمتوسط أجر العامل المصري في العراق‏2000‏ دينار يوميا وهو ما يزيد علي‏3‏ جنيهات مصرية‏,‏ فإذا كان رغيف الخبز بـ‏25‏ دينارا وكيلو الارز بـ‏500‏ دينار والبيضة بـ‏100‏ دينار وكيلو اللبن بـ‏1000‏ دينار والدجاج بـ‏2000‏ واللحم بـ‏3500‏ دينار فلكم أن تتصورا الوضع الذي يعيشه المصريون هناك دون الحديث عن أسعار السكن والعلاج الطبي والملابس والمواصلات وغيرها حيث تصبح أمنيات الادخار شبه مستحيلة‏.‏
المصريون في العراق صنفان الأول استقرت أوضاعهم ومصالحهم‏,‏ فبعضهم تزوج من عراقيات وحصل علي الجنسية واندمج وتراجعت فكرة عودته إلي مصر‏,‏ ومنهم من له ممتلكات يصعب تركها بعد أن أصبحوا جزءا من نسيج المجتمع العراقي حتي أنهم اتقنوا اللهجة العراقية الصعبة‏,‏ أما السواد الأعظم من المصريين هنا فهم أولئك المتعبون الذين يعيشون علي الهامش بلا جذور‏,‏وقد دارت عليهم دوائر الغربة والحصار وشبح الحرب القادمة وعدم رضا الأهل‏,‏ فهم بين رغبات مكبوتة وأحلام بالعودة وبين واقع مادي ونفسي مرير يحتاج إلي عزم لتجاوزه‏,‏ وبين هذا وذاك تتلقفهم كل الأفكار لتلقي بهم في النهاية إلي اللا فكرة وتراودهم كل الأفعال لتصل بهم في النهاية إلي اللافعل‏.‏

الأشهر
عبده شبكة هو أشهر مصممي الأزياء في بغداد وهو من دكرنس دقهلية‏:‏قابلني وهو يحمل الصحف العراقية والخليجية التي تتحدث عن عروض الأزياء التي ينظمها وهو نموذج للمغترب الناجح برغم كل الظروف حيث يمتلك محلا كبيرا في حي المنصور ببغداد‏,‏ ولذلك فهو لا يريد العودة إلي مصر حتي للزيارة بسبب خوفه من أن عدم استباب الأمن إذا وقعت الحرب سيؤدي إلي عمليات نهب وسرقة وهو يريد أن يبقي ليحمي حصاد السنين الممتدة إلي‏14‏ عاما لم يزر مصر خلالها‏.‏ وشبكة الذي تبدو عليه مظاهر الثراء ينتقد بلا رحمة المصريين المقيمين في العراق بلا أمل ربما لأنه لم يعرف انتظار الرزق إلي درجة العناء فهو يصدر حكما قاطعا بأنهم مخطئون وعليهم أن يعودوا مهما كان الثمن‏.‏

نظرة المجتمع‏!‏
جمال أحمد موسي من حلوان‏40‏ سنة جاء إلي العراق عام‏89‏ يعمل بالتجارة‏,‏ أكد أن معظم المصريين في العراق أعمارهم فوق الـ‏35‏ سنة فقد أتوا في بداية الشباب وأقاموا علي أمل أن ينفك الحصار ويسمح بالتحويلات لكن لم يحدث شيء‏..‏ ويقول جمال‏:‏ نظرة الجميع لنا في مصر أننا فاشلون لأننا مكثنا في العراق كل هذه المدة برغم تلك الظروف كما أن البعض يعتقد أن من بقوا في العراق هم الحثالة ولذلك أنا لا استطيع العودة إلي مصر لأنني لو فعلت لن أجد عملا ينتظرني وربما أجوع‏..‏ أنا أتمني أن أرجع إلي مصر لكني سأبدأ من تحت الصفر وسأفشل ولا أستطيع أن أتحمل الفشل مرتين لذلك أنا أعيش هنا في انتظار أقداري‏.‏
وينتقد جمال موسي رجال الصناعة والتجارة الذين يأتون إلي بغداد لإقامة معارض لمنتجاتهم المصرية فهو يؤكد أنهم لا يستعينون بالعمالة المصرية الموجودة في العراق وقد سمع أحدهم يقول إن من بقوا في العراق ليسوا شرفاء‏.‏

ويستطرد موسي‏:‏ إذا كانت هذه نظرة من يأتون إلي العراق ويعرفون صعوبة أوضاعنا فما هي النظرة إذا عدنا إلي مصر؟‏!‏
ويقول محمد حسن الذي يعمل في إحدي الشركات المصرية بالعراق إنه لا يقبض راتبه في العراق وإنما يقبضه أهله في مصر بسبب صعوبة خروج النقد من العراق‏.‏

التحويلات‏!‏
علاء اللقاني من دمنهور جاء إلي العراق سنة‏86‏ وعمره‏26‏ عاما بعد أن تخرج في كلية الخدمة الاجتماعية وأدي الخدمة العسكرية كضابط احتياط‏..‏ عمل بالنجف الأشرف في مصلحة حكومية ثم انتقل إلي بغداد بعد الحرب ولم يزر مصر أبدا خلال تلك الفترة وفي منزله الذي هو أيضا مقر عمله حيث يمارس مهنة الخياطة قال‏:‏ الآن فقط اقتنعت بأن الاستقرار في مصر كان أفضل‏,‏ فعندما جئت كنت أشعر أنني أقف علي ساقين أما الآن فبعد هذه السنين لم أعد أستند إلي شيء وإذا عدت فسأكون خالي الوفاض لأن الحكومة العراقية ترفض التصريح بالتحويلات الا بعد رفع الحصار ولا يسمح لنا بأخذ أكثر من‏100‏ دولار ومازاد علي ذلك يعتبر تهريبا يجرمه القانون العراقي ويعرض صاحبه للمساءلة كما أن الدينار العراقي لا قيمة له خارج العراق فقد أصبح مع الأسف عملة محلية وعندما تحايل بعض المصارف بأن تحول الدولارات إلي عمان ومنها إلي مصر و تحصل علي نسبة‏10%‏ شنت السلطات العراقية حملة مداهمات واسعة علي هذه الشركات وأغلقتها‏.‏ ويتذكر علاء أن إحدي المشاكل التي واجهته هي شهادة الخدمة العسكرية وتجديد جواز السفر الذي اضطر لدفع‏45‏ دولار رسوم تجديده في السفارة المصرية‏,‏ ويطالب علاء بإعفاء المصريين في العراق من رسوم تجديد جوازات السفر واستخراج شهادات الخدمة العسكرية أو علي الأقل تخفيضها وذلك مراعاة لظروفهم الصعبة التي يزيدها الحصار والتهديد بالحرب‏.‏

مشاكل العاطلين‏!‏
ربيع حسين من أبوقرقاص المنيا واحد من ثلاثة توائم لكن طموحه دفعه للتمرد علي الوجود في مصر وسافر لعدة دول حتي استقر به المقام في العراق منذ عام‏90,‏ وهو يعمل في بيع الأدوات المنزلية بعد أن عمل في الديكور والمحارة قبل ذلك‏..‏ ويؤكد ربيع أن مشاكل المصريين في العراق ليست مشاكل من يعملون ولكنها مشاكل العاطلين الذين لا يعملون فهؤلاء يستدينون ويعجزون عن السداد وبعضهم يبيع أي شيء علي أرصفة حي السعدون والباب الشرقي والبتاوين وتطاردهم السلطات العراقية لعدم قانونية ذلك‏.‏
ويطالب ربيع السفارة المصرية بأن تتواصل مع المصريين أكثر وأن يكون هناك باحثون اجتماعيون لحل المشاكل وأن تكون هناك سلطة لإعادة المصريين العاطلين في العراق ولو بالقوة لأنهم اساءة لنا وعبء علينا‏.‏

ليست ثروة‏!‏
أحد التجار من دمياط فهو نموذج مختلف لمن لا يستطيعون العودة بسبب اختلاف دخله في العراق عن مصر‏..‏ رفض ذكر اسمه وقال‏:‏ لدي‏3‏ ملايين دينار عراقي وقد تعتقد أنها ثروة لكن هل تعلم أن المليون دينار يساوي‏400‏ دولار وهذا معناه أنني لن أعيش بنفس المستوي في مصر ومعناه أيضا أن أتنازل عن ممتلكاتي فلدي منزل من قبل عام‏1995‏ عندما صدرت قوانين التملك التي تمنع غير العراقيين من تملك العقارات والأراضي وقد تزوجت من عراقية وأنا مستقر هنا وراض بنصيبي‏,‏ وحتي لو قامت الحرب فليس عندي بديل‏,‏ لأنني لو عدت إلي مصر من الممكن أن أكون شحاذا لكن المشكلة أن بعض المصريين هنا لا يعملون وبعضهم ينامون علي رصيف شارع أبونواس وغيره وبعضهم باع كليته لكي يعيش‏,‏ أما من يموت يدفن في مقابر الصدقة لأن عودة الجثمان في الغالب شبة مستحيلة بسبب الحصار وارتفاع تكاليف الشحن بالطائرات عبر الأردن أو سوريا‏,‏ كما أنه لا يوجد من يقبل أن يسافر حتي مع جثمان متوفي‏,‏ فالعودة صعبة للأحياء‏..‏ والموتي ليسوا أفضل حالا‏!‏

ليست شقة‏!‏
سيد محمد إبراهيم‏39‏ سنة من كفر صقر شرقية يعمل بائعا في محل بحي الكرادة يبدأ عمله في التاسعة صباحا وينتهي في الحادية عشرة ليلا ذهب إلي العراق عام‏89‏ ولم يلحق بقطار الخيرات فأثر أن ينتظره سنة وراء سنة علي أمل أن يتم رفع الحصار وتعود العراق لسابق عهدها‏,‏ وهو نموذج لمن لا يستطيعون العودة بسبب ظروفهم الخاصة حيث توفي والداه واقتسم إخوته منزل العائلة ولم يعد له مكان وهويشير إلي حالات كثيرة ـ ليست فردية ـ لمن تقف أحوال إجتماعية غير مواتية في سبيل عودتهم‏.‏
لم يستطع سيد الزواج بسبب صعوبة الحال تسبقه المرارة وهو يتحدث‏:‏ لو تعبت يوم فسوف أموت من الجوع فلا تأمينات ولا غيره فأنا أعمل باليومية ولم أجمع مدخرات فقط أنا عايش وبس‏.‏ إذا عدت إلي بلدي فسوف أجد الصغير أصبح كبيرا والكبير أصبح أكبر وهم في بلدتي يظنون أني أتقلب في الملذات والخيرات رغم أن عمري راح هنا ولم أتزوج لأني أدبر أموري بالعافية‏,‏ أما هنا فلا أحد يعرفني واهي عيشة وخلاص‏..‏ حينما سألته عن مستوي معيشته في العراق رفض التحدث وأشار إلي أن أحد أصدقائه أن يصحبني إلي المكان الذي يعيشون فيه‏.‏

علي مسيرة دقيقتين من المحل الذي يعمل فيه‏,‏ دخلت إلي شقة متهالكة مكونة من حجرة وصالة ليس فيها ما يدل علي أنها مسكونة‏,‏ فكل ما فيها عتيق وموغل في القدم وكل شيء فيها غير مكتمل فمن بقايا المراتب الي أشباه الأسرة إلي غطاء من المؤكد أنه لا يمنع البرد بل ربما علي العكس يحرضه علي أن يصيب من يلتحف به‏.‏
أما المطبخ المفترض فهو مخزن لصاحب الشقة وغير مستخدم فلا موقد ولا ثلاجة‏,‏ أما دورة المياه فهي أشبه بصورة كاريكاتورية ليس فيها تناسب أو اتساق وإنما فقط خطوط تطل علي استحياء من ثنايا الجدران تلمح إلي آثار أنابيب المياه المتآكلة‏,‏ وأوان معدنية صدئة لتخزين المياه‏,‏ فهي كثيرة الانقطاع في بغداد وفوق هذا إضاءة ضعيفة وباهتة من مصباح وحيد بلا أشقاء‏,‏يغطي هذا كله سقف وعر التفاصيل والتضاريس‏,‏ خليط من ألواح خشبية هشة وحديد مهترئ‏..‏ ويغني المكان عن أي وصف لسوء الحال‏.‏

علي باب الله
في سنوات سابقة كان بعض المصريين يبيع كليته من أجل المال بعد أن ضاق الحال بهم إلي هذا الحد وكان مستشفي الخيال في بغداد مسرحا لعمليات بيع الكلي لبعض الخليجيين والأتراك الأغنياء إلا أن الحكومة العراقية أغلقت المستشفي لبعض الوقت في محاولة لمحاربة بيع الأعضاء البشرية‏.‏
وبينما أغلق ـ تقريبا ـ باب بيع الأعضاء البشرية بالنسبة للمصريين في العراق إلا أن ح‏.‏س من الشرابية بالقاهرة وخ‏.‏ع من إحدي المحافظات الساحلية كانا مثالين علي استمرار ظاهرة بطالة عدد من المصريين في العراق‏,‏ والمشكلة جزء من انتشار البطالة أصلا بين العراقيين وسوء أحوالهم‏,‏ فقد قابلت أحدهما في حي العلاوي والآخر في حي البتاوين‏,‏ وكلاهما يؤكد أنه أرزقي علي باب الله وأنه يستطيع أن يعمل في أي شئ وفهمت ـ من آخرين ـ أن هذا معناه أنهم لا يعملون وأنهم عالة علي بعض أصدقائهم وأحيانا يمارسون البلطجة في الأحياء الشعبية وأنهم بتوع مشاكل‏.‏

باقي المشهد
حينما عدت إلي القاهرة كان لابد أن أطمئن بعض الأهالي علي ذويهم الذين قابلتهم في العراق وهو أيضا ماساعدني علي استكمال المشهد‏,‏ فعندما رأي الحاج فؤاد اللقاني من دمنهور صورة ابنه علاء الذي لم يره منذ‏17‏ عاما بدا غير مصدق أن ابنه الشاب أصبح الآن رجلا أشيب الشعر‏,‏زحفت تجاعيد السنين إلي وجهه‏,‏ وقال‏:‏ لقد سافر وأخته الصغري في الصف الرابع الإبتدائي‏,‏ أما الآن فقد تخرجت وتزوجت وأنجبت‏..‏ لقد زهقت من الإلحاح عليه أن يعود ليعمل في المحل الذي امتلكه لكنه كان مصرا علي تحقيق ذاته في الغربة ولم تساعده الأحوال بعد حرب الكويت فهو لم يرسل أموالا وانقطعت اخباره لمدة‏4‏ سنوات بعد الحرب‏.‏
وفيما بدا أنه رسالة استعطاف من الأب لإبنه حدق في صورته وهو يهمس ياريت يرجع حتي لو مافيش حرب‏.‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية