قضايا و اراء

42442‏السنة 126-العدد2003فبراير18‏17 من ذى الحجة 1423 هـالثلاثاء

التصعيد الأمريكي‏..‏ والمواقف المناوئة
بقلم: د‏.‏ جمال سلامة علي
خبير في شئون الشرق الأوسط

يبدو أن الرياح سوف تأتي بما لا تشتهي الأساطيل الأمريكية‏...‏ فبرغم أن التصعيد الأمريكي إزاء العراق كاد يتجه إلي حافة الهاوية ــ فإن الولايات المتحدة قد جوبهت في الأيام القلائل الماضية بحزمة من المواقف المناوئة‏,‏ التي قد يكون لها أثر فعال في إفشال نسبي أو كلي لحملتها المزمعة علي العراق أو علي الأقل في إحباط سياستها تجاه المنطقة‏,‏ واتضح هذا بعد أن استعاد مجلس الأمن المبادرة استنادا الي تقرير لجنة المفتشين برئاسة هانز بليكس وبيان محمد البرادعي رئيس الوكالة الدولية للطاقة الذرية الذي ألقاه بالأمس القريب‏,‏ الذي يكاد يثبت خلو ساحة العراق من أسلحة الدمار الشامل فضلا عن الاقرار بتعاون العراق التام مع لجان التفتيش طبقا للقرار‏1441.‏
بالطبع لا يمكن أن نتجاهل أو نجحد الدور الألماني الفرنسي في مجلس الأمن والدور الألماني الفرنسي البلجيكي في حلف الناتو‏,‏ والذي يمكن أن ننظر إليه علي أنه المطرقة الأولي التي تم بها تكييل الضربات لحائط الحرب الأمريكي‏,‏ ولعل معظمنا قد لمس وشاهد جلسة البوندستاج الألماني‏,‏ والذي دافع خلاله المستشار الألماني جيرهارد شرودر ووزير خارجيته يوشكا فيشر بإصرار عن موقفهما المناوئ للمخططات الأمريكية‏,‏ ضاربين عرض الحائط بالمساومات والاستفزازات الأمريكية التي تراوحت بين تهديد بعدم إشراك ألمانيا في خطة إعمار العراق ما بعد الحرب إلي وضع ألمانيا في خانة الدول المناوئة للولايات المتحدة مثلها مثل كوبا وليبيا علي حد تصريحات وزير الخارجية الأمريكية كولن باول‏.‏

ويبدو أن الجلسة الأخيرة لمجلس الأمن قد مهدت لفتح عدة ثقوب وثغرات في جدار الهيمنة الأمريكية‏,‏ وتمثل ذلك في موقف كل من روسيا والصين الذي اشاد بتعاون العراق وطالب باستمرار عمل ووجود المفتشين الذين من شأن وجودهم داخل الأراضي العراقية أن يقلل من احتمالات الحرب ولو علي المدي القريب‏.‏
أما علي ساحة الحليف البريطاني فقد واجه رئيس الوزراء توني بلير عاصفة من الاحتجاجات تمثلت في أكبر مظاهرة شهدتها بريطانيا في تاريخها حيث تظاهر مليون بريطاني منددين بالحرب وبسياسة بلير‏,‏ وهو الأمر الذي سيكون له أثر كبير في تهديد مستقبل بلير السياسي إذا مضي فيما هو عازم عليه‏,‏ بل إن أثر هذه التظاهرة قد آتت ثمارها في الحال ــ ففي الوقت الذي تظاهر فيه البريطانيون كان بلير يلقي كلمته في مؤتمر الربيع لحزب العمال في مدينة جلاسجو البريطانية ويلمح فيه بأنه سيتحرك في إطار الأمم المتحدة محاولا تهدئة الشارع البريطاني علي عكس النبرة التي كان يتحدث بها في السابق‏.‏

نصل إلي نقطة أخري تصب في نفس الموضوع‏,‏ وهي تتعلق بالأزمة الأمريكية الكورية وإعلان كوريا الشمالية حالة الطوارئ بعد الإعلان عن تحويل الملف النووي الكوري إلي مجلس الأمن‏,‏ فمما لاشك فيه أن الإدارة الأمريكية الحالية في إطار سياسة التخبط قد فتحت علي نفسها بابا يصعب إغلاقه إلا عن طريق تقديم تنازلات من طرفها هي للتخفيف من حدة الأزمة في شبه الجزيرة الكورية خاصة بعد إعلان كوريا عن أحقيتها في توجيه ضربات نووية ضد الأهداف والمدن الأمريكية ردا علي التهديد الأمريكي بتوجيه ضربات وقائية ضد كوريا الشمالية‏,‏ مما حدا بدول الجوار الإقليمي مثل كوريا الجنوبية واليابان والصين إلي التدخل بالضغط علي الولايات المتحدة لصالح كوريا الشمالية‏.‏
بالطبع فإن هذا التصعيد الأمريكي تجاه كوريا يمثل إرباكا وتشتيتا للجهود الأمريكية تجاه العراق والشرق الأوسط‏,‏ يضاف إلي ذلك هذا الانفراج الأوروبي تجاه العراق المتمثل في زيارة المبعوثين الأوروبيين إلي بغداد وزيارة طارق عزيز نائب رئيس الوزراء العراقي ولقائه مع بابا الفاتيكان فضلا عن لقائه بوزير الخارجية الإيطالي والمسئولين الايطاليين في روما‏,‏ وهي تعد أول زيارة لمسئول عراقي لدولة أوروبية منذ نهاية حرب الخليج الثانية‏,‏ وقد تحمل هذه الزيارة بعدا إضافيا خاصة إذا نظرنا إلي إيطاليا علي أنها من ضمن الدول الحليفة للولايات المتحدة في حملتها علي العراق‏.‏

وعلي مستوي رد الفعل الأمريكي تجاه الموقف الدولي المناوئ لمخططاتها وأهدافها نجد تصريح كولن باول الأخير في تعقيبه علي تقرير لجان المفتشين بأن الولايات المتحدة ستنتظر إلي أيام أو أسابيع لتري ما يمكن أن تحرزه لجان التفتيش من تقدم‏,‏ وبالطبع لم تكن الولايات المتحدة لتعلن مثل ذلك دون وجود الضغوط والعوامل السابقة التي أشرنا إليها‏,‏ خاصة أن تصريح باول قد جاء بعد يومين من تصريح وزير الدفاع الأمريكي دونالد رامسفيلد الذي هدد فيه باستخدام الاسلحة النووية ضد العراق مما شكل تغييرا نسبيا في التناول الأمريكي للأزمة‏(‏ برغم أن تهديد رامسفيلد باستخدام الأسلحة النووية ضد العراق هو دليل ضعف أكثر من كونه دليل قوة‏).‏
بقي أن نشير إلي استطلاع للرأي أجرته مجلة التايم الأمريكية أخذت فيه آراء‏320‏ ألف شخص‏,‏ رأي‏7%‏ منهم أن كوريا الشمالية هي الخطر الذي يهدد حالة السلم الدولي‏,‏ و‏8%‏ رأوا أن العراق هو الذي يهدد السلم والأمن الدوليين‏,‏ إلا أن المفاجأة تمثلت في أن‏84%‏ ممن أجري استطلاع آرائهم يرون أن الولايات المتحدة هي التي تهدد السلم والأمن الدوليين‏,‏ وقد جاء تقرير بليكس والبرادعي ليعزز هذا الاتجاه‏,‏ فالمفتشون كما أورد التقرير يذهبون ويعملون بحرية ويقابلون من يشاءون‏,‏ ومجلس الأمن لا يري ضرورة لإصدار قرار جديد وبالتالي فإن أمريكا وفقا لهذا المعيار هي الخارج عن القانون وعن الشرعية الدولية‏.‏

إن المجتمع الدولي قد بدأ يتحرك تحركا إيجابيا في وجه آلة الحرب الأمريكية‏,‏ والحائط الأمريكي قد ينتهي إلي التصدع بعد مزيد من الثقوب والثغرات سواء علي المستوي الرسمي أو المستوي الشعبي‏,‏ وهنا يجب التنويه أخيرا إلي الحملة الشعبية الأوروبية الأمريكية لتكوين حائط مضاد من الدروع البشرية‏,‏ التي بدأت تتوافد علي بغداد يوما بعد يوم‏,‏ ناهيك عن معارضة قطاع كبير من الشعب الأمريكي لسياسة بوش الابن‏.‏ كل هذه المؤشرات قد تدعو إلي التفاؤل وتشير إلي أن الأمور لم تفلت بعد‏.‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية