تقارير المراسلين

42740‏السنة 127-العدد2003ديسمبر13‏19 من شوال 1424 هـالسبت

قصة الصبي المصري ـ الكندي الذي حير أجهزة المخابرات الأمريكية
اعتقلته الســلطات الأمريكيـــة في أفغانســـتان
واحتجـزتـــه في خليج جوانتانامــو

رسالة أوتاو‏:‏ جمال زايدة
عبدالرحمن خضر أثناء المؤتمر الصحفى
هذه قصة أغرب من الخيال‏.‏ صبي صغير لم يتجاوز عمره‏15‏ عاما يذهب مع والده المصري المولد الكندي الجنسية الي باكستان لتقديم المساعدات الانسانية للافغان‏,‏ يتلقي تدريبه علي السلاح في معسكر الخالدين الخاص بتنظيم القاعدة‏,‏ وقبل ان يبلغ العشرين عاما يتم اعتقاله عقب الغزو الأمريكي لأفعانستان‏..‏ يتم ترحيله الي قاعدة خليج جوانتانامو العسكرية الأمريكية في كوبا‏..‏ وبعد تحقيقات مطولة استمرت عدة شهور قام بها خبراء المخابرات الأمريكية سي‏.‏ اي‏.‏ ايه ومكتب التحقيقات الفيدرالية اف‏.‏ بي‏.‏ اي لم يتم اثبات أي شئ علي هذا الصبي الذي انهي فقط الدرجة الثامنة في التعليم الثانوي ويتم اطلاق سراحه من قاعدة خليج جوانتانامو لا الي بلده الثاني كندا وانما الي كابول في أفغانستان وهو معصوب العينين لا يدري الي أين تسوقه الاقدار‏..‏ ويترك هناك وسط العراء لكي يلاقي مصيره بعد أن أن فشلت الاجهزة الأمريكية في اثبات اي علاقة له بتنظيم القاعدة الإرهابي الذي أسسه ويتزعمه اسامة بن لادن‏,‏ ومن هناك من قاعدة جوية أمريكية تسمي باجرام في شمال كابول بدأ عبدالرحمن خضر ـ‏20‏ عاما الآن ـ رحلة العودة الي كندا بعد ان أعطته السلطات الافغانية مدة أسبوع فقط لكي يغادر البلاد‏,‏ فاضطر الي اقتراض بعض النقود من أصدقاء له وسافر الي اسلام آباد‏,‏ وحاول اللجوء الي المفوضية الكندية في باكستان لمساعدته الا أن الأمن منعه من الدخول لعدم وجود جواز سفر أو مايدل علي هويته‏.‏

بدأت الحكاية عام‏1996,‏ حين تم احتجاز الأب أحمد سعيد خضر في احد مستشفيات باكستان بعد اضراب طويل عن الطعام خلال احتجازه بعد اتهامه هو وآخرين بالقيام بعمل ارهابي هو تفجير سفارة مصر في باكستان وهو الانفجار الذي أودي بحياة‏16‏ شخصا‏,‏ حيث اتهمت السلطات الباكستانية أحمد سعيد خضر ـ المصري المولد الكندي الجنسية ـ بتمويل عملية تفجير السفارة المصرية‏,‏ مما أدي الي قيامه بدعوة رئيس وزراء كندا جان كريتيان للتدخل وبعد ذلك بعدة اسابيع أثار كريتيان القضية مع نظيره الباكستاني الا ان نتيجة هذا التدخل غير معروفة وتم اطلاق سراح أحمد سعيد خضر الذي شجع ابناءه علي التدرب في المعسكرات الافغانية وهو ماأكده الابن عبدالرحمن خضر حيث قال إنه بتشجيع من والده قضي‏3‏ أشهر في معسكر الخالدين للتدرب علي اطلاق النار‏,‏ وذلك عام‏1998‏ أي عندما كان عمره‏15‏ عاما فقط‏.‏
وهو لا يري أية غضاضة في ان يقوم صبي في عمره بالتدريب علي اطلاق النار في افغانستان حيث كان والده أحد المؤيدين لحركة طالبان كحكومة وليس كقوة مساندة لتنظيم القاعدة‏,‏ وحيث قضي فترات طويلة من طفولته في افغانستان حيث زادت ارتباطات ابيه هناك منذ الثمانينات‏.‏

وأضاف‏:‏ لقد عشنا في افغانستان ونأتي الي كندا وقت اعياد الكريسماس نجمع الاموال ونعود مرة اخري الي هناك لدعم الارامل واليتامي في افغانستان‏.‏
الا انه في اواخر التسعينات حظرت اوتاوا قيام تلك الجماعة الاسلامية بجمع الأموال‏,‏ تلك الجماعة التي كان يعمل لصالحها الأب أحمد سعيد خضر‏,‏ مما أدي الي تركه لهذه المنظمة وتأسيسه منظمة أخري خاصة به‏.‏

مما أدي الي قيام المخابرات الكندية بالتحري عن نشاطاته‏,‏ كما تم سؤال بعض المصريين المسجونين في كندا تمهيدا لترحيلهم لتهديدهم الأمن القومي عن علاقتهم به‏,‏ كما تم استجواب الأب عندما عاد الي تورنتو لمدة عدة شهور عام‏2000,‏ ومن ثم لحق الصبي عبدالرحمن بعائلته في كابول‏,‏ وهو يقول‏:‏ إن بعض العرب كانوا يترددون علي منزلهم هناك لزيارة ابيه‏,‏ ولم يكن لهم علاقة بالقاعدة‏,‏ وعندما وقعت احداث‏11‏ سبتمبر في نيويورك تم وضع الأب علي قوائم المراقبة‏.‏
ويشير الابن الي ان آخر مرة رأي فيها عائلته في كابول كانت في‏10‏ نوفمبر‏2001‏ أي قبل يوم واحد من دعم القوات الأمريكية لقوات التحالف الشمالي لغزو كابول وانتزاع السلطة من حركة طالبان وقد تم أسره في ذلك اليوم حيث تعرف عليه بعض الجيران الذين اشاروا اليه باعتباره عربيا ومن ثم تم القبض عليه‏.‏

جان كريتيان رئيس الوزراء لا يعرف الا القليل عن عبدالرحمن خضر واكتفي بالقول إن وزارة الخارجية تتابع حالته‏,‏ ويكفي انه الآن في كندا‏.‏
عندما سأل الصحفيون عبدالرحمن خضر عن تدريبه في أفغانستان قال‏:‏ إنه كان من الطبيعي ان يذهب كل انسان الي معسكرات التدريب في ذلك الوقت حتي ولو كان عمره‏15‏ عاما‏,‏ وتم تدريبه علي يد ليبي يدعي الشيخ تمت تسميته عام‏2001‏ من قبل الرئاسة الأمريكية باعتباره واحدا من‏12‏ شخصا مطلوبين من قاعدة تنظيم القاعدة‏.‏

في مؤتمره الصحفي الذي عقده عبدالرحمن خضر عقب يوم واحد من وصوله الي كندا انتقد خضر الحكومة الكندية لانها تخلت عنه في محنته ولم تدافع عنه‏,‏ ولم تحاول اطلاق سراحه‏,‏ وهو نفس الأمر الذي تكرر مع ماهر عرار المواطن السوري ـ الكندي الذي قامت سلطات الأمن الأمريكية بالقبض عليه في نيويورك وترحيله الي سوريا‏,‏ حيث اتهم سلطات الأمن في بلده الاصلي بتعذيبه طوال الشهور التي قضاها في السجون السورية وهي نفس الانتقادات التي يوجهها وليام سامبسون المواطن الكندي الذي تم القبض عليه في السعودية في قضية تفجير سيارة عقب خلاف علي تهريب خمور بين بريطانيين وبعض الاجانب‏.‏
عندما سأله الصحفيون عن معسكر الخالدين وعلاقته باسامة بن لادن قال‏:‏ انه معسكر له علاقة بتنظيم القاعدة‏,‏ ثم توقف عن الحديث قائلا‏:‏ لا مزيد من الاجابات حول هذا السؤال‏.‏

وعن ابيه قال الشاب الذي لم يبلغ العشرين من عمره والذي ولد في البحرين انه مات وقد علم بذلك مؤخرا‏.‏
وأشار الي انه لو كان فعلا ارهابيا مااطلقت السلطات الأمريكية سراحه عن معسكر خليج جوانتانامو في كوبا ورفض عبدالرحمن بناء علي نصح من محاميه الذي كان يجلس بجواره ان يتحدث علي اساس ان أي تعليقات يدلي بها في هذا المجال يمكن ان تضر اخيه الصغير الذي يبلغ‏17‏ عاما من العمر والمعتقل حاليا في المعسكر وهو فاقد القدرة علي الإبصار بكلتا عينيه حيث فقد احداهما خلال قتال حدث بين قوات طالبان والقوات الأمريكية‏.‏ الا انه اشار الي بعض افراد الأمن الكندي زاروه خلال اعتقاله في المعسكر‏,‏ وقبل اطلاق سراحه بشهر‏.‏

وعلم انه سيتم اطلاق سراحه قبل الموعد بأسبوع فسأل‏:‏ الي اين؟ فجاءه الرد‏:‏ هذا ليس من شأنك‏,‏ وأبدي الرغبة في ان يعود الي كندا‏.‏

كندا ومواطنوها في الخارج
حكاية الصبي عبدالرحمن خضر فجرت قضية خطيرة داخل كندا مابين الصحافة والحكومة في مرحلة انتقالية مابين حكومة يسلم مقاديرها جان كريتيان السياسي المخضرم الي وزير ماليته السابق الذي يصبح بعد يوم‏12‏ ديسمبر الحالي رئيسا لوزراء كندا حول السياسة الخارجية لكندا وانعكاساتها علي حماية مواطنيها في جميع انحاء العالم‏.‏
وحول العلاقة مابين اعتبارات الأمن والسياسة الخارجية‏,‏ يري أنه في عالم الأمن يتم التعامل علي قدم وساق بين الأجهزة المختلفة وخاصة الكندية والأمريكية‏,‏ جهاز‏RCMP‏ والكندي مع‏F.B.I‏ التحقيقات الفيدرالية الأمريكية‏,‏ وجهاز الاستخبارات الكندي‏CSIS‏ مع‏CIA‏ المخابرات المركزية الأمريكية‏,‏ خاصة مابعد الأحداث الارهابية في‏11‏ سبتمبر‏2001‏ في نيويورك وتفجير برجي مركز التجارة العالمي‏,‏ حيث نشأت معضلة الأمن مما أدي الي اشاعة نوع من الهيستيريا في التعامل مع العرب الأمريكيين وبدرجة اقل مع العرب الكنديين حيث الكل يخضع للشك والمراقبة‏,‏ الماضي والحاضر‏,‏ مراقبة وتحليل كم هائل من المعلومات‏,‏ بل وتشكيك في درجة ولاء العرب المهاجرين لمجتمعاتهم الجديدة‏,‏ وأضيف الي ذلك الشك في كل المسلمين خاصة عقب تصوير بعض الكتاب الأمريكيين مثل صمويل هانتنجتون‏,‏ وفوكوياما العلاقة بين الغرب والاسلام باعتبارها علاقة صدام وعداء عقب انهيار الاتحاد السوفيتي السابق‏,‏ وافتقاد النظام الدولي الي عدو جديد للغرب‏.‏

ومن ثم تم تشديد اجراءات أمن المطارات والموانئ والتدقيق في هوية كل من ولد في بلد عربي‏,‏ أو اسلامي‏,‏ باعتباره العدو المرتقب المشكوك في ولائه وهاجت المنظمات العربية والاسلامية في أمريكا الشمالية احتجاجا علي هذه الاجراءات التي تغذيها بعض الصحف الأمريكية ومحطات التليفزيون التي اسعدها ان يتم إلقاء اللوم علي كل ماهو عربي واسلامي حتي بلغ الأمر بالبعض الي الدعوة لحظر هجرة العرب والمسلمين الي أمريكا الشمالية‏,‏ وجاءت الدعوة من صحفي أمريكي يحمل الجنسية الإسرائيلية هو جودي بن يونز في معبد يهودي في كندا حيث ألقي خطابا دعا فيه الي منع هجرة المسلمين الي الولايات المتحدة وكندا وبقية دول العالم الحر وقال للمستمعين‏:‏ إذا علمتم ماينص عليه القرآن لفهمتم لماذا يجب حظر هجرة المسلمين الي مجتمعاتنا‏.‏
وقال إنه قرأ القرآن باللغة العربية عدة مرات لكي يفهم لماذا يدعو الي موتنا جميعا‏.‏

وتحدي بعض المستمعين المحاضر بالرد عليه بان النص الديني يمكن ان يفسر بعدة طرق‏,‏ وهو مايعني ان القرآن لا يدعو الي هذا‏,‏ واشار احد الحاضرين الي انه يعتقد ان الفلسطينيين لا يريدون قتلنا‏,‏ وانه ينبغي ان نصنع السلام معهم‏.‏
تعليقات الكاتب الأمريكي الاسرائيلي اثارت استياء عدد كبير من الكنديين‏,‏ ومن ابرزهم رئيسة برلمان كيبيك السابقة وعضو البرلمان الحالي السيدة لويز هاريل التي رأت في خطابه حضا علي كراهية الاديان وهو ماينبغي ان يرفضه الجميع‏.‏

ومن ثم ازداد التعاون بين الاجهزة الأمنية لمحاولة احتواء الحظر المقبل وكان الضحايا من العرب والمسلمين‏,‏ ومن بينهم الصبي عبدالرحمن خضر الذي اطلقت القوات الأمريكية سراحه بعد اعتقاله لمدة طويلة بدون ادانته بأي اتهام مما دفع خضر الي توجيه اتهامات الي حكومته بعدم الدفاع عنه بل وإهماله‏.‏
وهو نفس الاتهام الذي وجهه ماهر عرار الي حكومته بل واتهمها بانها سلمت معلومات الي أجهزة الأمن الكندية مما ادي الي اعتقاله وطالب حكومته بالكشف عن اسماء عملاء الاستخبارات الذين سلموا المعلومات الخاصة به الي الاجهزة الأمريكية‏.‏

بل ان محاميه قام برفع قضية ضد الحكومة الأمريكية يدعوها فيها الي الكشف عن اسماء عملاء اف‏.‏ بي‏.‏ اي الذين سلموه الي الحكومة السورية لتعذيبه‏.‏
وهنا تنشأ اشكالية العلاقة مابين الحفاظ علي اعتبارات الأمن القومي والحفاظ علي حقوق المواطنين الدستورية‏,‏ واهمها ضمان عدم القبض عليهم الا بناء علي اتهامات حقيقية وليس مجرد شكوك‏,‏ وضمان حقوقهم القانونية في محام للدفاع عنهم‏,‏ وفي العرض علي القاضي الطبيعي وهو الأمر الذي اثاره بول مارتن رئيس وزراء كندا المرتقب في حديث معي ومع مازن شيعبة المدير التنفيذي للمجلس الوطني للعلاقات العربية ـ الكندية والمهندس ممدوح اسماعيل رئيس اتحاد المصريين في الخارج خلال حفل الحزب الليبرالي الكندي لجمع تبرعات لبول مارتن قبل تسلمه السلطة في‏12‏ ديسمبر‏,‏ حيث اشار الي قلقه من مشكلة عبدالرحمن خضر وعبر عن قلقه ايضا بشأن مشكلة الأمن وطلب تعاون قيادات الجالية العربية في كندا مع الحكومة في هذا الشأن لضمان تحقيق الامن وضمان الحقوق القانونية لجميع المواطنين‏.‏

الخلاصة أن قضية الصبي عبدالرحمن خضر لن تكون آخر القضايا التي يتعرض لها المواطنون سواء الكنديون أو الأمريكيون من أصول عربية وسوف تظل المشكلة قائمة في ظل استمرارحالة العداء ضد الاسلام والعرب في الغرب‏,‏ ومع استمرار عدم العدالة في التعامل مع القضايا الاقليمية والدولية وعلي رأسها قضية الصراع العربي ـ الإسرائيلي‏,‏ ورفض الإدارة الأمريكية الضغط بشكل واضح علي الحكومة الإسرائيلية بقيادة شارون لانهاء حالة الصراع واحلال الأمن والسلم في هذه المنطقة من العالم‏,‏ بالاضافة الي انهاء التوتر الذي ينتشر في الشرق الأوسط بسبب احتلال العراق‏.‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية
موضوعات في نفس الباب
~LIST~