قضايا و اراء

42674‏السنة 127-العدد2003اكتوبر8‏12 من شعبان 1424 هـالأربعاء

قضايا معاصرة
تجديد الخطاب الديني‏...‏ وعمل المجددين في الإسلام‏(2)‏
يكتبها‏:‏ سامح كريم

أقول يكثر الحديث في الآونة الأخيرة حول الخطاب الديني‏,‏ وكأنه لم يكن هناك خطاب ديني في تاريخ الإسلام‏(!!)‏ مع أن المعروف أن الخطاب الديني هو في الأصل من عمل المجددين في الإسلام‏,‏ والتجديد في الإسلام ظهر في بدايات القرن الهجري الأول في عصر الخلفاء الراشدين كحركة فكرية تطلبتها مواكبة ظروف الحياة‏,‏ وما تنطوي عليه من تغييرات‏.‏
ولعل الحديث هنا عن حركة التجديد في الإسلام هو في واقع الأمر‏,‏ حديث عن الإسلام في أرقي وأجلي صوره‏,‏ ورغم أن هذه الحركة علي هذا النحو من الأهمية‏,‏ إلا أن الاهتمام بالتأريخ لها‏,‏ ظهر ظهورا متأخرا في المائة والخمسين عاما الأخيرة‏,‏ في كتابات نذكر منها كتابات الإمام محمد عبده واستاذه السيد جمال الدين الأفغاني‏,‏ وعبدالرحمن الكواكبي ومحمد كرد علي ومحمد رشيد رضا‏,‏ ثم كتابات الرواد المعاصرين ومنهم أحمد أمين وطه حسين والعقاد والحكيم ومحمد حسين هيكل ومحب الدين الخطيب‏,‏ بل وأخذت اهتماما مكثفا عند كل من الأستاذ عبدالمتعال الصعيدي حيث أفرد لها كتابا عنوانه المجددون في الاسلام أو كتابات الاستاذ أمين الخولي الذي أفرد لها كتابا بالعنوان نفسه المجددون في الإسلام هذا الي جانب ترجمة لكتاب أجنبي هو الإسلام والتجديد قام بها في الثلاثينيات الأستاذ عباس محمود‏,‏ وهو بالطبع غير عباس محمود العقاد‏..‏ هذا الاهتمام المكثف سبقة اهتمام مبكر في القرن الثالث الهجري من العلماء والمفكرين كما يقرر الأستاذ أمين الخولي في كتابه عن التجديد‏.‏

ولا عجب علي ذلك الاهتمام قديما وحديثا بالكتابة عن حركة التجديد الاسلامي‏,‏ ذلك لأنها أحيت قضايا عديدة ونفضت عنها غبار القرون ومنها أن الإسلام منذ قرنه الأول حتي يومنا هذا ليس نظام دينيا فحسب‏,‏ بل أيضا نظاما اجتماعي وسياسي واقتصادي‏,‏ وأن تعاليمه ليست بمعزل عن تطور الحياة وتغيرها‏.‏
والتجديد في الإسلام‏,‏ علي هذا الأساس‏,‏ كان لازما لزوم الحياة نفسها‏,‏ مواكبا لظهور الإسلام علي مسرح هذه الحياة‏,‏ ذلك أن هذا الدين الحنيف قد أتي بالقواعد التي تصلح لكل زمان ومكان‏,‏ وغاية عمل المجدد هو التفكير في تنظيم الفروع التي لاتمس جوهر هذه القواعد وعليه مسئولية التفكير علي اعتبار أن هذا التفكير هو أصل من الأصول المقررة في الإسلام‏,‏ كدين يشمل صلاح الدنيا والآخرة‏,‏ فلا يقتصر الأمر فيه علي ما يصلح الآخرة وحدها‏,‏ بل يدخل فيه ما يصلح الدنيا أيضا‏,‏ حتي يمكنه النهوض بالأمة الاسلامية التي ظهر فيها أولا‏,‏ ثم سائر الأمم التي دخلت في حظيرته بعد ذلك وهو من هذه الناحية يتسع للتجديد في كل زمان ومكان‏,‏ تجديد يقوم به رجاله بنص حديث النبي صلي الله عليه وسلم إن الله يبعث لهذه الأمة علي رأس كل مائة عام من يجدد لها أمر دينها‏.‏

وقد قامت حول تفسير هذا الحديث خلافات كما يذكر الأستاذ عبدالمتعال الصعيدي ــ من علماء الأزهر ــ منها أن المراد بالأمة فيه هي أمة الاسلام‏,‏ ويجوز أمة الدعوة حيث يراد من الإسلام النهوض الديني والدنيوي للأمم التي تعاصره‏.‏
كما اختلف المفسرون أيضا في أمور حول عبارة علي رأس كل مائة عام هذه‏,‏ فهناك من رأي آخر هذه المائة علي اعتبار أن المراد من البعث من شملته المائة عام وهو حي‏,‏ وهناك من رأي أن رأس المائة في أولها علي اعتبار ان البعث هو الإرسال‏,‏ أي ارسال لنفع البشر‏,‏ وأخيرا هناك من رأي أن بعث أو إرسال المجدد سواء في أول المائة أو في وسطها أو في آخرها وأن قيد الرأس في الحديث الشريف إتفاقي‏,‏ لأنه قد يكون في وسط المائة عام التي أشار اليها هذا الحديث من هو أفضل في العلم ممن كان علي رأسها‏.‏

كذلك اختلف المفسرون أيضا حول‏(‏ من‏)‏ يبعث في المائة عام التي حددها الحديث النبوي‏,‏ وهل يكون واحدا؟ أم يكون أكثر؟ فقيل أنه قد يكون واحدا لأنه جاء في بعض روايات الحديث التصريح بأن الله يبعث علي رأس كل مائة عام رجلا‏,‏ أو قيل إنه قد يكون أكثر من واحد‏,‏ لأن الرواية المشهورة لهذا الحديث‏(‏ إن الله يبعث من‏)‏ ولفظ من تطلق علي‏(‏ الواحد‏)‏ كما تطلق أيضا علي الجمع‏,‏ واختلفوا في المائة التي يبعث فيها هؤلاء المجددون‏,‏ هل تعتبر من المولد النبوي أم البعثة المحمدية أم الهجرة النبوية أم من تاريخ وفاة النبي الكريم وقد رأي جمهور العلماء والمفسرين حسما لهذا الأمر أن تكون من الهجرة كتأريخ معتمد للإسلام‏.‏
ومن ناحية أخري يذكر الأستاذ أمين الخولي في كتابه المجددون في الإسلام أن القدماء يقصدون بالتجديد إحياء السنة وإماتت البدعة‏,‏ وإحياء ما اندرس ويتتبع تفصيل هؤلاء القدماء لأحوال التجديد وهل هي منازع واتجاهات عملية‏!‏ اجتماعية أم أنها نظرية تبليغية؟ فيراهم ينزعون حينا منزعا عمليا وحينا آخر منزعا نظريا‏,‏ ومع هذا وذاك يلحظ إيثارهم للمنزع العملي في التجديد الذي تؤيده أشياء منها أنهم يعدون الخلفاء الراشدين مجددين‏,‏ وأن مجال تجديدهم في اصلاح الأمة هو في حفظ دينها وبث العدل والانصاف الذي به تحقن ا لدماء‏,‏ ويتمكن من إقامة قوانين الشرع ولذلك بدأ القدماء يعدون في كل مائة عام حكاما مع العلماء ففي المائة عام الأولي خامس الخلفاء الراشدين عمر بن عبدالعزيز بالطبع إلي جانب الخلفاء الراشدين الأربعة وقالوا ــ أي العلماء ــ يكفي هذه الأمة وجودهم خاصة وأنهم جاهدوا ونافحوا لإقامة دعائم الاسلام‏,‏ وعدوا في المائة الثانية أمير المؤمنين المأمون مع الإمام الشافعي ومعروف الكرخي‏,‏ وفي الثالثة المقتدر بالله مع أحمد بن حنبل والكندي والرازي الفيلسوف‏,‏ وفي الرابعة القادر بالله مع ابوالحسن الأشعري والفارابي‏,‏ وفي الخامسة المستظهر بالله مع حجة الاسلام الإمام الغزالي‏,‏ والشيخ الرئيس بن سينا‏,‏ والإمام ابن حزم الاندلسي‏,‏ وفي السادسة الفيلسوف بن رشد والشريف الإدريسي وأبو الفرج الجوزي وفي السابعة تقي الدين بن تيمية وابن دقيق العيد‏,‏ وفي الثامنة ولي الدين بن خلدون وابن قيم الجوزية وأبواسحاق الشاطبي وفي التاسعة القاضي الانصاري وابن الوزير أليمني وفي العاشرة سليمان القانوني‏,‏ وفي الحادية عشرة ابراهيم الكوراني والمقبلي أليمني‏,‏ وفي الثانية عشرة ولي الدين الدهلري‏,‏ وفي الثالثة عشرة الشوكاني والأفغاني وأحمد خان‏,‏ وفي الرابعة عشرة الإمام محمد عبده ومصطفي المراغي ومالك بن بني ومحمود شلتوت ومحمد ابوزهرة ولكل واحد من هؤلاء علي امتداد القرون الاربعة عشر الماضية أعماله الاصلاحية العظيمة في خدمة الاسلام أو كما رأي الاستاذ أمين الخولي أن للتجديد معني خلاصته أنه حركة فكرية دائمة‏,‏ متصلة ما اتصلت الحياة‏,‏ وما قام فيها من يحمي الحياة من الانحراف‏,‏ ويجهر بالحق‏,‏ ويصون المجتمع من الانتكاس وشيوع المفاسد‏.‏

وينال المجدد في الإسلام قدرا عظيما من التوقير والاحترام الي درجة أن القدماء اعتبروا منصبه يقترب من منصب الخلافة وتزداد أهمية التجديد في الاسلام حيث يتعدد المجددون في القرن الواحد‏,‏ كل في ميدان‏,‏ ينفع فيه بغير ما ينفع الآخر
وإلي لقاء مع المجددين في العصر الحديث

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية