|
|
 |
كان إدشهو أحد آلهة الخرافات الإفريقية القديمة يسير علي الطريق وهو يرتدي قبعة ذات لون أحمر في أحد جوانبها, وذات لون أزرق في الجانب الآخر, ثم يستدير ويمشي باتجاه معاكس فتصبح قبعته تارة حمراء, وتارة زرقاء, وعندما يعود المزارعون مساء إلي قراهم كان بعضهم يسأل بعضا: هل رأيتم الإله بالقبعة الزرقاء؟ فيجيب بعضهم الآخر: كلا, كلا, لقد كان يعتمر قبعة حمراء. لقد أصبح كل من الفريقين أسير ما كان ماثلا أمام عينيه, وغير قادر علي الخروج من حصار الخبرة المباشرة للصورة التي رآها, لذا فهو يتمترس وراءها باعتقاد راسخ أن الآخر أصابه العماء أو الوهم, وعندئذ يبدأ الخلاف والسجال بين الفريقين. صحيح أن الأختلاف بين البشر ضرورة للوصول إلي الحقيقة, إلا أن هذا السجال علي الاختلاف يفقد معناه الايجابي عندما يستغرق كل منهما في مهمة الدفاع فقط, حتي يشكل موقف الرفض والنفي الدائم لرؤية الآخر لذة المعارضة والدحض, من دون الاشتغال علي الحفر والتنقيب والمقاربة من الآخر, والقبول بالاختلاف وليس قمعه ومحاولة تجنيسه, وذلك عبر التقاط وإدراك الشروط التي تشجع علي نمو القبول بالاختلاف, وتجلي القدرة علي استيعاب تصورات الآخر بموجب حسابات الاستدراك والاحتياطات لاتقاء الوقوف علي الظاهر من الأشياء فقط, وعدم مجافاة معرفة المحتجب علي وهم اليقين بإسقاط المرء لكل مالايعرفه بذاته, باعتباره لايطابق خبرته المباشرة, وفي إطار هذا المسار يتحقق الشرط الذي يعصم من أن يصبح الانغلاق والانكفاء علي الذات هو نهاية كل سجال, بل يحمي محاولة اكتساب خبرات جديدة بدعم الاجتهاد الدائم علي اعادة النظر فيما لانعقله أو نصدقه, فالمأزق الذي وقع فيه كل من الفريقين أن كلا منهما راح يكذب الآخر, ويدحض كل مالا يتطابق مع أطروحاته, مختزلا كل الرويء في رؤية أحادية, رافضا حتي فكرة تعايش الرؤي المفتوحة علي الاختلاف. فمن الواضح أن الصورة التي رآها كل من الفريقين صحيحة, وقد ولدتها طبيعة الموقع الذي أطل منه الرائي مسجلا رؤيته, فامتنعت عنه ـ بحكم موقعه ـ معرفة الصورة من جانبها المحتجب, والتي لايكشفها إلا الموقع المغاير والمختلف, لذا تشكلت حالة القصور والعجز المعرفي لدي الفريقين معا, نتيجة المعلومات التي أتاحتها الخبرة الذاتية المباشرة للرئي من جانبه, وأيضا نتيجة أن هذه المعلومات لم تتحول إلي معرفة تحيط بالمرئي في صورته الكاملة, أو تطرح تصورا افتراضيا لما يمكن أن تكون عليه الصورة في كل أبعادها لذلك الذي يعتمر قبعة تبدو لبعضهم حمراء ولبعضهم الآخر زرقاء.
لكن تري ما الذي دفع كل منهما إلي الكف عن التفكير في المساحة الغامضة للمرئي صاحب القبعة الحمراء والزرقاء معا, بل زحزح مركز الأهتمام لديهما بعيدا عن ذلك المرئي, وبما يمكن أن تجري أو يجريه هو علي نفسه من تحولات مجهولة لهما, والتي سببت هذا الخلط؟ وما الذي أبتعد بهما معا عن التفوكير في الممكنات الكثيرة المحتملة لصورة المرئي حتي انحصر الأمر في ادعاء كل منهما امتلاك الحقيقة! والإجابة مشمولها في غياب المنعطف الذي يتحرر فيزه كل منهما من تكذيب الآخر ودحضه وإقصائه, إنه ذلك المنعطف الذي يستجلب لديهما معا الانتباه لتوسيع قدراتهما علي قبول الاختلاف, وشحذ المراس الذاتي لهما علي الاعتراف بحق الاختلاف والإقرار به, ومغادرة عتبة السكن في قناعة الإقصاء والتحرر من هيمنتها وأوهامها, وتحديدا التفكير في إمكانية أن الصورة قد تكون ليست واحدة ولاوحيدة, وأنه ليس من حق أحد أن يختزل كل الرؤي تعسفا كي تظل رؤيته هي الوحيدة, والغريب أن الحكاية تخبرنا أن هذا الإله الخرافي كان عندما يحتدم سجال الفريقين ويصل إلي حد التحارب بينهما, إذ به يظهر ويكشف عن حقيقته, إلا أنه في أعقاب انصرافه ومواصلته السير بذات القبعة الحمراء والزرقاء يعاود الفريقين السجال والتحارب دفاعا عن ال صورة التي رآها كل منهما من موقعه. الأزمة ـ إذن ـ هي في ذلك الحسم دون إدراك من الفريقين أن هذا المرئي يموه نفسه في صورة مزدوجة, ثم أيضا في غياب السؤال: هل يمكن أن تصبح رؤية أي منهما رؤية ناجزة وحاسمة؟ ومن المنطلق نفسه طرح مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي سؤاله: هل يمكن أن نختزل كل الوجوه المتعددة للتجربة الإبداعية الحية ونردها إلي صورة وحيدة؟ وكان السؤال الذي حاول المهرجان أن يثيره, يحمل ـ ضمنا ـ الدفع بقيمة حرية الإبداع, والقبول بالاختلاف في مواجهة أصحاب نزعة التعسف, التي تفرض ضرورة الانتظام في إطار صورة وحيدة للابداع المسرحي, وترفض مادونها, تماما كما رفض كل من الفريقين في الحكاية الافريقية إمكانية أن تكون القبعة زرقاء وحمراء معا, في حين أن مسار المسرح علي طول تاريخه يشهد ويؤكد مقاومته لهذه النزعة المغلقة التي تعارض التغيير, وتقف في وجه الزمن, بل تحاول تعميم قيمها علي محاولات الإبداع المغايرة لها كفئة مسيطرة, حتي بدت وظيفة المسرح وكأنها قد تحددت في محاولة مقاومة التغيير والتجدد, وهو مايخالف شحذه ودعمه للانسان لممارسة تجدد رؤاه وإعادة النظر.
تقنع تيار مقاومة الحرية بكثير من الأقنعة, وكان أهمها الاتهام بأن اتجاهات التجريب تنحو إلي هجر اللغة, في حين أن المسرح فن لغوي. صحيح أن المسرح فن لغوي, لكنه أيضا لايرد إلي اللغة وحدها, إضافة إلي أنه ليست كل اتجاهات التجريب تتأس علي إقامة التواصل المسرحي من دون استخدام اللغة, كما أن المهرجان أيضا لا يسعي, ولايحتفي بتوجه قد حدده في شكل معين من أشكال حرية الإبداع, إذ المشاركة في عروض المهرجان من كل دول العالم, مشاركة مفتوحة علي حرية أصحابها, وإلا غاير المهرجان وناقض دعوته في أنه يفتح مساحة الإبداع الخلاق, بتعدداتها وتنوعاتها, إلي جانب كل الصيغ المتوارثة, ولايحجر علي إبداع بعينه, الأمر الذي يجسد الإيمان بأنه ليس هناك من طبيعة للإبداع ثابتة تتعالي علي تجارب المبدعين, وتئد تصوراتهم واكتشافاتهم. ولما اتسع الاتهام جموحا, بأن الاحتفاء بالتجريب يستهدف إسكات وخرس أداة التعبير عن الحرية, وهي اللغة, والعمل علي اضمحلالها, عندئذ غدا الاتهام يفسح المجال إلي كل أشكال التسميم, بحيث تبدو الدعوة إلي الحرية ضد الحرية, ومن هنا كان الحرص ـ رفعا للالتباس ـ بتوسيع حقل المعارف بالقراءات, وذلك بالترجمة عن لغات متعددة لمراجع وكتب ودراسات وبحوث مختلفة عن كل تيارات التجريب في العالم, في شكل إصدارات تتوازي مع العروض المسرحية المقدمة خلال المهرجان, بل تبقي بعدها في أيدي كل أصحاب هوي المعرفة لتجيب عن الاسئلة وقد يتوصل بها حتي من هم في وهم وهم عزلتهم تصورا أن آفاق الإبداع توقفت عند القوالب الثابتة, وأيضا لي دركوا أن دعوتهم المتشدقة بالحرية دعوة زائفة, وأنها لن تقوض دعوة الحرية. أما مساحة المعرف الثانية فهي الندوة الرئيسية, التي يشارك فيها في كل دورة مجموعة مختارة من شخصيات الحركة المسرحية العالمية والمحلية من مبدعين منظرين من كل دول العالم, يتناقشون فيؤكدون, من خلال مناقشاتهم علي الملأ, تنوع تيارات التجريب, وتلونها بعوامل اجتماعية وحضارية في استجاباتها للمتغيرات والمستجدات, وأيضا قابليتها لتبادل الخبرات وتواصلها.
وفي هذه الدورة تناقش الندوة الرئيسية قضية ساخنة بدأت إرهاصاتها عندما طرح المؤرخ فيرناند بروديل في أثناء حديثه عن انتقال الحضارات, مقولته إن من يعط يسد ثم جاء صموئيل هنتجتون ليعلن أن علي امتداد خطوط التقسيم الثقافية التي تفصل الحضارات سيكون الصدام, وبأن الحرب العالمية القادمة إن حدثت فستكون حربا بين الحضارات وتبحث الندوة من خلال سياق سؤالها عن المسرح في العالم: تواصل هو أم صراع, أملا في أن يتحمل المبدعون دورهم في نزع فتي ل الطرح الفكري الحارق, الذي يحل الصدام محل تمايز الثقافات وتفاعلاتها وتواصلها, تأكيدا لما حذر منه ليستر بيرسون الدبلوماسي الكندي الحائز علي جائزة نوبل للسلام من أن البشر يتحركون ضمن عالم يحتم علي الثقافات المختلفة أن تتعلم العيش جنبا إلي جنب, وتتبادل فيما بينها بسلام, وتتعلم من بعضرها, وتطلع كل واحدة علي تاريخ الثقافة ال أخري ومثلها العليا وفنها وثقافتها, وتعمل كل واحدة علي إغناء الأخري. والبديل ضمن هذا العالم الصغير الشديد الاكتظاظ هو سوء الفهم, والتوتر, والصدمات, ومن ثم الكارثة!!, اذ لايستطيع أحد أن يدعي أن هناك حضارة غريبة خالصة لي ست مشحونة بتأثيرات خارجية, كما يعترف الأمريكي مارك هاينز دانيال في كتابه عالم محفوف بالمخاطر: استراتيجيات الجيل القادم في عصر العولمة من أن الحضارة الغربية في ذاتها نتيجة للتضامن الثقافي والاندوماج علي مدي ألفية من السنين من تمازج ثقافات أخري, إسلامية وكلاسيكية, وسامية, ومسيحية ـ يهودية علي أسس نسوئية, وأن مايسمي إدعاء بالثقافة الغربية الوحيدة السياق, هي في ذاتها قد نهلت من أصول مختلفة, هي في الحقيقة حالة دائمة من التطور, حيث يعود ليؤكد أن هناك سببين للتشجيع علي التنوع الثقافي, والسهر عليه بشكل يمكننا من معايشته في حياتنا والسبب الأول فردي وذاتي, وهو الرغبة في العيش في عالم من الخيارات والتجارب المختلفة من أجل إغناء حياتنا الخاصة, ونضيف الوعي إلي خياراتنا الأساسية, ونوجد خيارا في مكان عيشنا, وكيفية معيشتنا, وماذا نتعلم, وما الذي يجب أن نعلمه لأولادنا. وعلي المستوي الثاني الأكثر جماعية, ولابد للتنوع الثقافي من أن يزدهر لكي يتيح للحضارات أن تتطور تطورا بنيويا يندمج مع غيره وقت اللزوم, ويخرج عنه وقت الضرورة, ولن يعمل توحد ثقافي مفروض إلا علي إغراق البدائل التي سوف تتآكل ويزيد الضغط عليها, وإن لم تكن الثقافة المكبوتة في غاية الصدق فسوق تنفجر عنفا أو ثورة في المستقبل!! ولاشك أن محاولات التجنيس لمساحات الوجود الإنساني بتعدده وتنوعه وتمايزاته ـ ومهما تقنعت آليات الإكراه عليه ـ لاتنتج سوي ممارسات خطرة وتستولد التجارب والعنف, بل تناهض التجدد باستعدافها القمع والإقصاء والتصفية لكل ما لا يتطابق مع أنموذجها ورؤيتها, فتطعن الحرية في مقتل. إن حق الاختلاف هو رهان الحرية في مواجهة محاولات التجنيس, كي تنفتح علي المختلف, وتدرك أن القبعة يمكن أن تكون زرقاء وحمراء معا!! |
|
|
|
|
|