الكتاب

42273‏السنة 126-العدد2002سبتمبر2‏24 من جمادى الآخرة 1423 هـالأثنين

هل القبعة زرقاء أم حمراء‏..‏ أم‏..‏؟‏!!‏
بقلم: د‏.‏فوزي فهمي

كان إدشهو أحد آلهة الخرافات الإفريقية القديمة يسير علي الطريق وهو يرتدي قبعة ذات لون أحمر في أحد جوانبها‏,‏ وذات لون أزرق في الجانب الآخر‏,‏ ثم يستدير ويمشي باتجاه معاكس فتصبح قبعته تارة حمراء‏,‏ وتارة زرقاء‏,‏ وعندما يعود المزارعون مساء إلي قراهم كان بعضهم يسأل بعضا‏:‏ هل رأيتم الإله بالقبعة الزرقاء؟ فيجيب بعضهم الآخر‏:‏ كلا‏,‏ كلا‏,‏ لقد كان يعتمر قبعة حمراء‏.‏ لقد أصبح كل من الفريقين أسير ما كان ماثلا أمام عينيه‏,‏ وغير قادر علي الخروج من حصار الخبرة المباشرة للصورة التي رآها‏,‏ لذا فهو يتمترس وراءها باعتقاد راسخ أن الآخر أصابه العماء أو الوهم‏,‏ وعندئذ يبدأ الخلاف والسجال بين الفريقين‏.‏ صحيح أن الأختلاف بين البشر ضرورة للوصول إلي الحقيقة‏,‏ إلا أن هذا السجال علي الاختلاف يفقد معناه الايجابي عندما يستغرق كل منهما في مهمة الدفاع فقط‏,‏ حتي يشكل موقف الرفض والنفي الدائم لرؤية الآخر لذة المعارضة والدحض‏,‏ من دون الاشتغال علي الحفر والتنقيب والمقاربة من الآخر‏,‏ والقبول بالاختلاف وليس قمعه ومحاولة تجنيسه‏,‏ وذلك عبر التقاط وإدراك الشروط التي تشجع علي نمو القبول بالاختلاف‏,‏ وتجلي القدرة علي استيعاب تصورات الآخر بموجب حسابات الاستدراك والاحتياطات لاتقاء الوقوف علي الظاهر من الأشياء فقط‏,‏ وعدم مجافاة معرفة المحتجب علي وهم اليقين بإسقاط المرء لكل مالايعرفه بذاته‏,‏ باعتباره لايطابق خبرته المباشرة‏,‏ وفي إطار هذا المسار يتحقق الشرط الذي يعصم من أن يصبح الانغلاق والانكفاء علي الذات هو نهاية كل سجال‏,‏ بل يحمي محاولة اكتساب خبرات جديدة بدعم الاجتهاد الدائم علي اعادة النظر فيما لانعقله أو نصدقه‏,‏ فالمأزق الذي وقع فيه كل من الفريقين أن كلا منهما راح يكذب الآخر‏,‏ ويدحض كل مالا يتطابق مع أطروحاته‏,‏ مختزلا كل الرويء في رؤية أحادية‏,‏ رافضا حتي فكرة تعايش الرؤي المفتوحة علي الاختلاف‏.‏ فمن الواضح أن الصورة التي رآها كل من الفريقين صحيحة‏,‏ وقد ولدتها طبيعة الموقع الذي أطل منه الرائي مسجلا رؤيته‏,‏ فامتنعت عنه ـ بحكم موقعه ـ معرفة الصورة من جانبها المحتجب‏,‏ والتي لايكشفها إلا الموقع المغاير والمختلف‏,‏ لذا تشكلت حالة القصور والعجز المعرفي لدي الفريقين معا‏,‏ نتيجة المعلومات التي أتاحتها الخبرة الذاتية المباشرة للرئي من جانبه‏,‏ وأيضا نتيجة أن هذه المعلومات لم تتحول إلي معرفة تحيط بالمرئي في صورته الكاملة‏,‏ أو تطرح تصورا
افتراضيا لما يمكن أن تكون عليه الصورة في كل أبعادها لذلك الذي يعتمر قبعة تبدو لبعضهم حمراء ولبعضهم الآخر زرقاء‏.‏

لكن تري ما الذي دفع كل منهما إلي الكف عن التفكير في المساحة الغامضة للمرئي صاحب القبعة الحمراء والزرقاء معا‏,‏ بل زحزح مركز الأهتمام لديهما بعيدا عن ذلك المرئي‏,‏ وبما يمكن أن تجري أو يجريه هو علي نفسه من تحولات مجهولة لهما‏,‏ والتي سببت هذا الخلط؟ وما الذي أبتعد بهما معا عن التفوكير في الممكنات الكثيرة المحتملة لصورة المرئي حتي انحصر الأمر في ادعاء كل منهما امتلاك الحقيقة‏!‏ والإجابة مشمولها في غياب المنعطف الذي يتحرر فيزه كل منهما من تكذيب الآخر ودحضه وإقصائه‏,‏ إنه ذلك المنعطف الذي يستجلب لديهما معا الانتباه لتوسيع قدراتهما علي قبول الاختلاف‏,‏ وشحذ المراس الذاتي لهما علي الاعتراف بحق الاختلاف والإقرار به‏,‏ ومغادرة عتبة السكن في قناعة الإقصاء والتحرر من هيمنتها وأوهامها‏,‏ وتحديدا التفكير في إمكانية أن الصورة قد تكون ليست واحدة ولاوحيدة‏,‏ وأنه ليس من حق أحد أن يختزل كل الرؤي تعسفا كي تظل رؤيته هي الوحيدة‏,‏ والغريب أن الحكاية تخبرنا أن هذا الإله الخرافي كان عندما يحتدم سجال الفريقين ويصل إلي حد التحارب بينهما‏,‏ إذ به يظهر ويكشف عن حقيقته‏,‏ إلا أنه في أعقاب انصرافه ومواصلته السير بذات القبعة الحمراء والزرقاء يعاود الفريقين السجال والتحارب دفاعا عن ال صورة التي رآها كل منهما من موقعه‏.‏
الأزمة ـ إذن ـ هي في ذلك الحسم دون إدراك من الفريقين أن هذا المرئي يموه نفسه في صورة مزدوجة‏,‏ ثم أيضا في غياب السؤال‏:‏ هل يمكن أن تصبح رؤية أي منهما رؤية ناجزة وحاسمة؟ ومن المنطلق نفسه طرح مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي سؤاله‏:‏ هل يمكن أن نختزل كل الوجوه المتعددة للتجربة الإبداعية الحية ونردها إلي صورة وحيدة؟ وكان السؤال الذي حاول المهرجان أن يثيره‏,‏ يحمل ـ ضمنا ـ الدفع بقيمة حرية الإبداع‏,‏ والقبول بالاختلاف في مواجهة أصحاب نزعة التعسف‏,‏ التي تفرض ضرورة الانتظام في إطار صورة وحيدة للابداع المسرحي‏,‏ وترفض مادونها‏,‏ تماما كما رفض كل من الفريقين في الحكاية الافريقية إمكانية أن تكون القبعة زرقاء وحمراء معا‏,‏ في حين أن مسار المسرح علي طول تاريخه يشهد ويؤكد مقاومته لهذه النزعة المغلقة التي تعارض التغيير‏,‏ وتقف في وجه الزمن‏,‏ بل تحاول تعميم قيمها علي محاولات الإبداع المغايرة لها كفئة مسيطرة‏,‏ حتي بدت وظيفة المسرح وكأنها قد تحددت في محاولة مقاومة التغيير والتجدد‏,‏ وهو مايخالف شحذه ودعمه للانسان لممارسة تجدد رؤاه وإعادة النظر‏.‏

تقنع تيار مقاومة الحرية بكثير من الأقنعة‏,‏ وكان أهمها الاتهام بأن اتجاهات التجريب تنحو إلي هجر اللغة‏,‏ في حين أن المسرح فن لغوي‏.‏ صحيح أن المسرح فن لغوي‏,‏ لكنه أيضا لايرد إلي اللغة وحدها‏,‏ إضافة إلي أنه ليست كل اتجاهات التجريب تتأس علي إقامة التواصل المسرحي من دون استخدام اللغة‏,‏ كما أن المهرجان أيضا لا يسعي‏,‏ ولايحتفي بتوجه قد حدده في شكل معين من أشكال حرية الإبداع‏,‏ إذ المشاركة في عروض المهرجان من كل دول العالم‏,‏ مشاركة مفتوحة علي حرية أصحابها‏,‏ وإلا غاير المهرجان وناقض دعوته في أنه يفتح مساحة الإبداع الخلاق‏,‏ بتعدداتها وتنوعاتها‏,‏ إلي جانب كل الصيغ المتوارثة‏,‏ ولايحجر علي إبداع بعينه‏,‏ الأمر الذي يجسد الإيمان بأنه ليس هناك من طبيعة للإبداع ثابتة تتعالي علي تجارب المبدعين‏,‏ وتئد تصوراتهم واكتشافاتهم‏.‏ ولما اتسع الاتهام جموحا‏,‏ بأن الاحتفاء بالتجريب يستهدف إسكات وخرس أداة التعبير عن الحرية‏,‏ وهي اللغة‏,‏ والعمل علي اضمحلالها‏,‏ عندئذ غدا الاتهام يفسح المجال إلي كل أشكال التسميم‏,‏ بحيث تبدو الدعوة إلي الحرية ضد الحرية‏,‏ ومن هنا كان الحرص ـ رفعا للالتباس ـ بتوسيع حقل المعارف بالقراءات‏,‏ وذلك بالترجمة عن لغات متعددة لمراجع وكتب ودراسات وبحوث مختلفة عن كل تيارات التجريب في العالم‏,‏ في شكل إصدارات تتوازي مع العروض المسرحية المقدمة خلال المهرجان‏,‏ بل تبقي بعدها في أيدي كل أصحاب هوي المعرفة لتجيب عن الاسئلة وقد يتوصل بها حتي من هم في وهم وهم عزلتهم تصورا أن آفاق الإبداع توقفت عند القوالب الثابتة‏,‏ وأيضا لي دركوا أن دعوتهم المتشدقة بالحرية دعوة زائفة‏,‏ وأنها لن تقوض دعوة الحرية‏.‏ أما مساحة المعرف الثانية فهي الندوة الرئيسية‏,‏ التي يشارك فيها في كل دورة مجموعة مختارة من شخصيات الحركة المسرحية العالمية والمحلية من مبدعين منظرين من كل دول العالم‏,‏ يتناقشون فيؤكدون‏,‏ من خلال مناقشاتهم علي الملأ‏,‏ تنوع تيارات التجريب‏,‏ وتلونها بعوامل اجتماعية وحضارية في استجاباتها للمتغيرات والمستجدات‏,‏ وأيضا قابليتها لتبادل الخبرات وتواصلها‏.‏

وفي هذه الدورة تناقش الندوة الرئيسية قضية ساخنة بدأت إرهاصاتها عندما طرح المؤرخ فيرناند بروديل في أثناء حديثه عن انتقال الحضارات‏,‏ مقولته إن من يعط يسد ثم جاء صموئيل هنتجتون ليعلن أن علي امتداد خطوط التقسيم الثقافية التي تفصل الحضارات سيكون الصدام‏,‏ وبأن الحرب العالمية القادمة إن حدثت فستكون حربا بين الحضارات وتبحث الندوة من خلال سياق سؤالها عن المسرح في العالم‏:‏ تواصل هو أم صراع‏,‏ أملا في أن يتحمل المبدعون دورهم في نزع فتي ل الطرح الفكري الحارق‏,‏ الذي يحل الصدام محل تمايز الثقافات وتفاعلاتها وتواصلها‏,‏ تأكيدا لما حذر منه ليستر بيرسون الدبلوماسي الكندي الحائز علي جائزة نوبل للسلام من أن البشر يتحركون ضمن عالم يحتم علي الثقافات المختلفة أن تتعلم العيش جنبا إلي جنب‏,‏ وتتبادل فيما بينها بسلام‏,‏ وتتعلم من بعضرها‏,‏ وتطلع كل واحدة علي تاريخ الثقافة ال أخري ومثلها العليا وفنها وثقافتها‏,‏ وتعمل كل واحدة علي إغناء الأخري‏.‏ والبديل ضمن هذا العالم الصغير الشديد الاكتظاظ هو سوء الفهم‏,‏ والتوتر‏,‏ والصدمات‏,‏ ومن ثم الكارثة‏!!,‏ اذ لايستطيع أحد أن يدعي أن هناك حضارة غريبة خالصة لي ست مشحونة بتأثيرات خارجية‏,‏ كما يعترف الأمريكي مارك هاينز دانيال في كتابه عالم محفوف بالمخاطر‏:‏ استراتيجيات الجيل القادم في عصر العولمة من أن الحضارة الغربية في ذاتها نتيجة للتضامن الثقافي والاندوماج علي مدي ألفية من السنين من تمازج ثقافات أخري‏,‏ إسلامية وكلاسيكية‏,‏ وسامية‏,‏ ومسيحية ـ يهودية علي أسس نسوئية‏,‏ وأن مايسمي إدعاء بالثقافة الغربية الوحيدة السياق‏,‏ هي في ذاتها قد نهلت من أصول مختلفة‏,‏ هي في الحقيقة حالة دائمة من التطور‏,‏ حيث يعود ليؤكد أن هناك سببين للتشجيع علي التنوع الثقافي‏,‏ والسهر عليه بشكل يمكننا من معايشته في حياتنا والسبب الأول فردي وذاتي‏,‏ وهو الرغبة في العيش في عالم من الخيارات والتجارب المختلفة من أجل إغناء حياتنا الخاصة‏,‏ ونضيف الوعي إلي خياراتنا الأساسية‏,‏ ونوجد خيارا في مكان عيشنا‏,‏ وكيفية معيشتنا‏,‏ وماذا نتعلم‏,‏ وما الذي يجب أن نعلمه لأولادنا‏.‏ وعلي المستوي الثاني الأكثر جماعية‏,‏ ولابد للتنوع الثقافي من أن يزدهر لكي يتيح للحضارات أن تتطور تطورا بنيويا يندمج مع غيره وقت اللزوم‏,‏ ويخرج عنه وقت الضرورة‏,‏ ولن يعمل توحد ثقافي مفروض إلا علي إغراق البدائل التي سوف تتآكل ويزيد الضغط عليها‏,‏ وإن لم تكن
الثقافة المكبوتة في غاية الصدق فسوق تنفجر عنفا أو ثورة في المستقبل‏!!‏
ولاشك أن محاولات التجنيس لمساحات الوجود الإنساني بتعدده وتنوعه وتمايزاته ـ ومهما تقنعت آليات الإكراه عليه ـ لاتنتج سوي ممارسات خطرة وتستولد التجارب والعنف‏,‏ بل تناهض التجدد باستعدافها القمع والإقصاء والتصفية لكل ما لا يتطابق مع أنموذجها ورؤيتها‏,‏ فتطعن الحرية في مقتل‏.‏ إن حق الاختلاف هو رهان الحرية في مواجهة محاولات التجنيس‏,‏ كي تنفتح علي المختلف‏,‏ وتدرك أن القبعة يمكن أن تكون زرقاء وحمراء معا‏!!‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية