|
|
 |
في الوقت الذي نشكو فيه من الابتزاز الصهيوني الذي يستخدم العداء للسامية كسيف بتار ضد كل من تجرؤ علي انتقاد السياسة الإسرائيلية, فإن الصحف الإسرائيلية تزخر بالأمثلة الصارخة علي العنصرية ضد العرب والمسلمين التي تصل في بعض الأحيان إلي حد التهجم علي الدين الإسلامي نفسه, وهو ما لم يتجرأ علي فعله أي من المنتقدين العرب للسياسة الإسرائيلية, واذا كان مثل هذا التهجم علي العرب ودينهم هو بعينه العداء للسامية فإني أبحث عن جهة عربية واحدة رسمية أو اهلية تحركت لمقاضاة أي من الصحف الإسرائيلية علي ما تجرمه القوانين الدولية, فأجد أن الجميع عندنا قد اختاروا غض الطرف, مكتفين فقط بالشكوي مما يوجه لنا من اتهامات ظالمة بالعداء للسامية, ومفضلين توجيه سهامنا إلي بعضنا البعض. وأمامي رسما كاريكاتوريا نشر في الملحق الدولي لجريدة جيروسالم بوست الإسرائيلية يصور الجهاد الإسلامي علي انه حية رقضاء ضخمة تربض فوق خريطة العالم أجمع وقد انطلق من فمها المفتوح لسانها الخبيث يقطر سما فوق دول العالم الموضحة بالخريطة, ولقد اختار رسام الكاريكاتير أن تجيء النقوش التي تظهر علي جلد الحية علي شكل نقش الغطرة الفلسطينية, ثم كتب علي جسم تلك الحية القبيحة بالخط الكبير تعبير الجهاد الإسلامي IslmicJihad!!
ولقد تصور للوهلة الاولي أن تلك الاهانة العنصرية لا يمكن أن تكون موجهة ضد الجهاد الإسلامي نفسه الذي يعتبر أحد أقدس الافكار في الاسلام, وانما ضد الجماعة الفلسطينية التي تحمل هذا الاسم التي تقصد مضجع إسرائيل بمقاومتها للاحتلال, لكني ذهلت أن وجدت المقصود هو الجهاد الإسلامي نفسه, فقد جاء الرسم كتوضيح لمقال كتبه من يدعي بات ياؤر BATYAOR يقول فيه ان الخطر الذي يتهدد العالم اجمع في القرن الـ21 هو الجهاد الإسلامي الذي يتخذ من الارهاب وسيلة للقضاء علي كل ما هو ليس اسلاميا من الجزائر الي افعانستان عبر غزة والضفة الغربية ودمشق والقاهرة والخرطوم وطهران وكراتشي حيث يتم بذر بذور الكراهية من اقصي العالم الي اقصاه الآخر.
إن ما اراده هذا الرسم العنصري الصارخ هو ضرب عصفورين بحجر واحد حيث تهجم علي واحدة من اقدس الافكار الاسلامية وهي فكرة الجهاد في سبيل الله كما صور ايضا الشعب الفلسطيني كله علي انه حيوان قبيح ينفث سما زعافا فهو لم يجعل الحية مثلا ترتدي غطاء الرأس الفلسطيني وانما جعلها هي نفسها في لون الغطرة التي هي رمز لكل ما فلسطيني, وهكذا وضع في رسم واحد كل ما لا يروق للعقل الصهيوني الذي يري في الشعب الفلسطيني الذي اغتصب حقوقه مستودع للارهاب, وفي الدين الإسلامي سما زعافا, فالجهاد الإسلامي علي قدسيته بالنسبة للإسلام هو رمز هنا للرمز نفسه, كما أن الغطرة الفلسطينية رمز للشعب الفلسطيني, وراسم الكاريكاتير لم يقصد أن يهام الغطرة في حد ذاتها, كما لم يقصد أن يهاجم الجهاد في حد ذاته, وإنما اتخذ من كل منهما رمزا لما هو أكبر, فالغطرة رمز للشعب الفلسطيني, والجهاد رمز للإسلام, وقد يتملص الراسم من ذلك ويقول إن المقصود بالهجوم هنا ليس الدين الإسلامي نفسه وإنما الجهاد الإسلامي المكتوب علي جسم الحية, وفي ذلك فهو عنصري أيضا لأن الجهاد في العقيدة الإسلامية من أقدس الأفكار, ومن يسقطون فيه هم شهداء, ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا, بل أحياء عند ربهم يرزقون.
والسؤال هنا هو: هل تهجم أي من الكتاب أو الصحفيين العرب علي أي من أركان الدين اليهودي أو طقوس بمثل ما فعلت الجيروسالم بوست التي تعتبر واحدة من كبري الصحف الإسرائيلية وأكثرها توزيعا خارج إسرائيل, هل تهجمت أي من الصحف في أي من الأقطار العربية بالكلمات أو بالرسوم علي واحدة من أكثر الأفكار قدسية في الديانة اليهودية؟! إن مثل هذا الرسم المشين الذي نشرته الصحيفة الإسرائيلية يحمل كل أركان الجريمة التي يتهموننا بها, فالتهجم العنصري هنا ليس فقط علي شعب بأكمله هو الشعب الفلسطيني, وإنما عنصرية أكبر من ذلك, وأي عداء للسامية أكبر من ذلك, تلك السامية التي ننتسب إليها نحن, كما ينتسب إليها اليهود, وإن كان الصهاينة يريدون احتكارها لأنفسهم فقط, كما يريدون احتكار أرض فلسطين لأنفسهم فقط.
ثم يأتي السؤال الأكثر إيلاما: أين نحن من ذلك الذي يحدث لنا؟ إن جريدة الجيروسالم بوست تصدر باللغة الإنجليزية وليس باللغة العبرية, فهل اطلع أحد منا علي هذا القذف العلني المطبوع حبرا علي ورق؟ ومن منا الذي تحرك؟ للأسف أن الإجابة علي تلك الأسئلة لا تسر عدو ولا حبيب, فلا نحن نتابع ما يحدث حولنا ولا نحن نتصرف إزاءه بما يجب, فنحن نري أنفسنا أصحاب قضية عادلة يكفي أن نردد حيثياتها لأنفسنا دون أن نخاطب بها العالم.
أليس في قانوننا ما يجرم التهجم علي الدين الإسلامي؟ ألم يحاول البعض منا أن يقاضي به مواطنين مسلمين مثلنا في السنوات الأخيرة كانوا حديث العالم من حولنا؟ ألم يحاول البعض أن يكفر به بعضنا الآخر وأن يدعو إلي تطليقه من زوجته بما اضطره لمغادرة البلاد؟ لقد كانت الدكتورة نوال السعداوي الكاتبة ضحية لمثل تلك المحاولات, وكان الدكتور نصر حامد أبوزيد ضحية أخري من قبلها, بل قد لا يعرف البعض أن هؤلاء المتحفلطين الغيورين علي الإسلام الذين يصابون بالعمي والصمم والبكم إذا ما أتت إهانة الإسلام من أجنبي أو من إسرائيلي, قد أقام أحدهم دعوة مماثلة ضد كاتبنا الأكبر نجيب محفوظ منذ نحو سنتين تقريبا دافعين زورا بأن هذا الرجل الكبير الذي رفع رأس كل عربي وكل مسلم في العالم قد هاجم الإسلام في إحدي رواياته وطالبين في دعواهم تطليقه من زوجته باعتباره كافرا!! ولما كانت الدعوة مقامة في مدينة المنصورة فقد كان علي أديبنا الأكبر أن ينتقل إلي المنصورة في حالته الصحية الحالية التي ضعفت فيها القدرة علي السمع وعلي الإبصار لكي يمثل أمام المحكمة!! ولكي يثبت في سنه المتقدمة هذه وقد تخطي التسعين ولاءه للإسلام وتعاليمه!! ولم ينفذ الأديب العربي الأكبر من تلك الفضيحة إلا حكمة المحكمة وتفهمها الواعي وسأظل أذكر ما حييت مشهد الرجل وقد تلقي نبأ الدعوة القضائية المرفوعة ضده من شخص لا يعرفه ولم يمسسه بسوء, خاصة نظرة عينيه وهو يقول لي انه لم يدخل ساحة محكمة طوال حياته, لا متهما ولا حتي متفرجا.
وإزاء ذلك لا يسعنا إلا أن نسأل: ماذا ترك البعض منا لإسرائيل أن تفعله بنا؟ وهل إذا أرادت |
|
|
|
|
|