تقارير المراسلين

42273‏السنة 126-العدد2002سبتمبر2‏24 من جمادى الآخرة 1423 هـالأثنين

بعد زيارتها الأخيرة لإسرائيل
الكاتبة اليهودية جاكلين روز تسجل شهادتها‏:‏
الأوضاع في الضفة مرعبة في ظل إعادة الاحتلال
الوهم يسيطر علي التوجهات السياسية لقادة إسرائيل

كتبت : مها النحاس
جاكلين روز اليهودية الإنجليزية أمام الأسلاك الشائكة ودعوة لمستقبل مشترك لليهود والفلسطينيين
من آن لآخر تنطلق أصوات من بين يهود العالم‏,‏ تنادي بعودة الحق لأصحابه‏,‏ مؤكدة حق الفلسطينيين المشروع في اقامة دولة مستقلة لهم تنعم بالأمن والسلام جنبا الي جنب مع دولة إسرائيل‏.‏
فها هي جاكلين روز اليهودية وأستاذة الأدب الانجليزي بجامعة كوين ماي بلندن‏,‏ تفرد لها صحيفة الأوبزرفر البريطانية ما يقرب من صفحة كاملة‏,‏ لتحكي لنا عن أول زيارة قامت بها لإسرائيل منذ عشرين عاما وعدم شعورها في ذلك الحين بأن إسرائيل هي وطنها وانما هي أرض الفلسطينيين‏.‏ واليوم وبعد عودتها اليها بعد مرور كل هذه السنوات تجد فيها من الإسرائيليين من يؤمن بمستقبل مشترك للعرب واليهود في دولة ثنائية‏.‏ دولة لليهود ودولة للفلسطينيين‏.‏

وللكاتبة جاكلين روز عدة مؤلفات منها كتاب دول الوهم وتقول مارلين ليك أستاذة التاريخ في جامعة لا تروب‏,‏ ان روز تريد من خلال هذا الكتاب أن تضع كلمة الوهم ضمن مفرادات اللغة السياسية‏.‏ فهي تري أن الوهم يلعب دورا أساسيا في العالم الحديث للدول والأمم‏,‏ وان العلاقات الدولية مثلها مثل العلاقات الشخصية تكون أكثر وضوحا بارجاعها الي مبرارتها النفسية وينطبق هذا الأمر علي إسرائيل التي تتخوف من اقامة دولة فلسطينية‏.‏ فإسرائيل يتملكها احساس بالخطر فيسيطر هذا الوهم علي توجهاتها السياسية وتعاملها مع قضية الشعب الفلسطيني‏.‏ وتري روز ان إسرائيل دولة ترغب في أن يعود اليها مواطنوها اليهود من الشتات والمنفي بنفس الحماس الذي تبعد به سكان الأرض الأوائل عن حلمهم في دولة لهم‏.‏
واليوم تعود روز لزيارة إسرائيل بعد عشرين عاما من زيارتها الأولي لها من أجل اعداد فيلم وثائقي عنها‏,‏ فتستعيد ذكري هذه الزيارة في عام‏1980‏ كشابة يهودية‏,‏ تصادف جلوسها في الطائرة علي المقعد المجاور لديما حبش‏,‏ ابنة شقيق جورج حبش زعيم الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين‏,‏ التي كانت تبلغ‏16‏ عاما‏.‏ وحين اكتشفت ديما حبش ان روز يهودية بادرتها بالقول بانها بالطبع تعتقد ان إسرائيل ملك لليهود‏.‏

فما كان من روز الا ان انبرت بسرعة بالرد بالنفي الذي ادهش الفتاة الفلسطينية‏,‏ مؤكدة ان إسرائيل ملك الفلسطينيين‏.‏ وتضيف روز انها ليست إسرائيلية وهي لم تتفهم أبدا لماذا لمجرد كونها يهودية يكون من حقها أن تسلب الفلسطينيين حقهم في أرضهم‏.‏ كما أنها لم تستوعب أيضا ادعاء الشعب اليهودي التاريخي الذي يعطيه الحق في اغتصاب حقوق العرب الذين عاشوا علي هذه الأرض مئات السنين‏,‏ حتي ولو كان هذا الادعاء يغلفه رعب الهولوكوست‏.‏ لقد ذهبت روز لإسرائيل بشعور الغريبة عن المكان لتري شقيقتها التي كانت تعيش من البدو في الخيام في سيناء المحتلة وقد رفضت أم ديما حبش مقابلة روز وشقيقتها لأنهما يهوديتان‏.‏ بينما اندفعت النساء العربيات لتحيتهما وكانت الابتسامة تعلو وجوهن وان كانت تشوها الأسنان المهشمة‏,‏ شاهدة بذلك علي انعدام الرعاية الصحية للاجئين في المخيمات وفي الوقت الذي امتلأت فيه الشوارع بمياه المجاري‏,‏ تراءت أمامها فوق التلال البعيدة‏,‏ المستعمرات الإسرائيلية النظيفة والجميلة‏.‏
ووجدت روز شقيقتها ديانا قد بدأت تعلم نفسها اللغة العربية بدلا من أن تتعلم العبرية كما كانت رغبة والدها وتخطيطه لها‏.‏ وقضت معها أسبوعا وجدت البدو يخبزون لها العيش ويعاملونها معاملة طيبة‏.‏

وتضيف روز أن نظرتها لإسرائيل قد تحددت في هذه الأيام الأولي التي قضتها هناك‏.‏ ففي تل أبيب التقت بمجموعة من الشباب الإسرائيلي من الجيل الثاني المتمرد الذين يرفضون الانضمام للجيش‏,‏ ويعيشون حياتهم بين الرقص والشرب‏.‏
وبعد مرور عشرين عاما تعود روز مرة أخري لزيارة إسرائيل‏,‏ وتراودها الذكريات القديمة وهي تقرأ الأوراق التي قدمها لها مكتب الصحافة الإسرائيلي في القدس والتي تنتهي بجملة ان إسرائيل بالنسبة لمعظم الإسرائيليين هي ببساطة‏:‏ الأرض‏.‏ وهي الفكرة المسيطرة علي العقلية الإسرائيلية‏.‏

وحين وصلت إلي رام الله وجدت الدبابات الإسرائيلية تملأ الشوارع والأطفال الفلسطينيين يلقون عليها بالحجارة‏.‏ وفي احد الشوارع التي دخلتها كانت المراكز الصحية مغلقة وأكوام القمامة تملأ الشوارع‏.‏ وفي طريقها للقدس توقفت سيارتها مع عشرات من السيارات خلف سيارة اسعاف متوقفة وتحولت الرحلة من رام الله الي القدس التي كانت تستغرق‏20‏ دقيقة‏,‏ الي سبع ساعات‏.‏ وهنا تذكر روز أحداث مسرحية لجماعة رام الله المسرحية عرضت في لندن من نحو شهر والتي يتندر فيها بأن أسرع وسيلة للسفر من رام الله الي القدس هي عن طريق انجلترا‏.‏
وتضيف روز لقد أصبحت الأوضاع مرعبة في ظل اعادة الاحتلال كما في حالة مدن الضفة الغربية مثل رام الله‏,‏ فالعنف الذي يستخدمه الجيش الإسرائيلي مع الفلسطينيين لا يقارن بما كان عليه في عام‏1980.‏ وهنا تضرب المثل بعملية قتل صلاح شحادة قائد الجناح العسكري لحماس والتي مات فيها تسعة أطفال وهم نائمون وهتف بعدها شارون بانها عملية ناجحة‏.‏ كذلك العمليات الانتحارية من جانب الفلسطينيين ضد إسرائيل والتي اتخذت شكلا جديدا ومرعبا‏.‏ وهي تورد هنا كلمات يوسي بيلين‏,‏ مهندس أوسلو كما يطلق عليه‏,‏ وهو يسعي لانشاء حزب سلام جديد حين قال‏:‏ ان كل جانب يتعامل مع الجانب الآخر بأقصي درجات الجنون‏.‏

وعلي الجانب الآخر فقد استمعت روز لأصوات تنادي بحق كل من العرب واليهود في وطن لهم‏.‏ فقد التقت في مقهي بالقدس مع أحد القادة العسكريين السابقين في حرب لبنان‏,‏ أوفير شيلاش‏,‏ والذي شرح لها كيف قادته هذه الحرب لإعادة تقويم نفسه وتقويم بلاده‏.‏ فهو يري إم هذه الحرب علي عكس حربي‏1967‏ و‏1973‏ لا يمكن توصيفها بإنها كانت حربا من أجل أهداف دفاعية خالصة‏.‏ وتؤكد روز أن هذا الرجل الذي فقد احدي عينيه في هذه الحرب‏,‏ يتحدث بحماس شديد يجعلك تشعر وكأن عينيه الاثنتين فيهما بريق الحياة‏.‏ وهو مازال يعيش الصدمة حتي يومنا هذا حين يستعيد الي ذاكرته فشل آخر جولة في مباحثات السلام في طابا في يناير من عام‏2001,‏ ويري ان هذا الفشل قد حقق لإسرائيل أحلامها‏,‏ فهذه الدولة تنتعش حين تتدهور فيها الأوضاع‏.‏ فمن الأمور المتناقضة في إسرائيل انها تحيا باعتقادها بأن الصراع من أجل البقاء لن ينتهي ابدا‏.‏ ان الناس يشعرون بالراحة في ظل الخوف‏,‏ كما يقول أوفير شيلاش‏.‏
وكانت أكثر مقابلات روز اثارة هي مع نومي شازان عضو حزب ميريتز في الكنيست منذ عام‏1992,‏ والنائب المتحدث السابق‏,‏ واحدي ناشطات السلام‏.‏

والتي تري انه لا يمكن ان تسحق ارادة شعب بأكمله كما لا يعرف ذلك أحد أفضل من اليهود أنفسهم وتضيف شازان اننا نقع في فخ بين روايتين يعتقد الجانبان فيها بانهما متضاربتان وهما‏:‏ الصراع الفلسطيني ضد الاحتلال الإسرائيلي من أجل الاستقلال‏,‏ وصراع إسرائيل المستمر من أجل البقاء‏.‏ ففي الواقع ليس فقط ان كليهما حقيقة‏.‏ وانما بعيدا عن الصدام بينهما فهما يحتاجان بعضهما بعضا‏.‏
فالحكم الذاتي الفلسطيني لا يتعارض مع بقاء اسرائيل وانما هو الطريق لبقائها‏.‏

وتضيف شازان ان البقاء في حد ذاته ليس قيمة‏..‏ وانما التسامح‏,‏ والمساواة‏,‏ والسلام قيمة‏,‏ فالبقاء قيمته في انه وسيلة لتحقيق هدف آخر‏.‏وهنا تعلق روز علي أقوال شازان بأنها لاتعتقد بأنها تعي أهمية ما قالته كشخصية يهودية‏.‏ فما تقوله شازان بإيمان يؤكد لدي روز احساسها بالتزام شازان بتاريخ الشعب اليهودي‏,‏ ولا يقلل هذا من شأنه أبدا‏.‏ وتتفق روز مع شازان في اعتقادها بأن مستقبل إسرائيل وفلسطين معتمد عليهما معا‏.‏
وهكذا تردد الأصوات العاقلة من بين اليهود في العالم وفي داخل إسرائيل نداءها بالتعايش السلمي بين اليهود والفلسطينيين من أجل بقاء الشعبين حيث لا يبغي شعب علي الآخر ولا يسلب شعب حق الآخر في أرضه ووطنه‏.‏ فعسي أن تجد هذه الأصوات صدي لها لدي صانعي القرار في إسرائيل الذين أعماهم بغيهم عن الحق‏.‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية