قضايا و اراء

42273‏السنة 126-العدد2002سبتمبر2‏24 من جمادى الآخرة 1423 هـالأثنين

قضايا معاصرة
ماذا يبقي من الدكتور عبدالرحمن بدوي؟‏(4)‏
إبداع مبكر في النقد والأدب
بقلم: سامح كريم

وليس معني انصراف الدكتور عبدالرحمن بدوي إلي الفلسفة في كل جوانبها من ابتكار مذهب وجودي‏,‏ والتأريخ لكل عصورها‏,‏ وتعليمها في جامعات مصر والوطن العربي‏,‏ كذلك ليس اهتمامه بالتأريخ للحضارات والعلاقة فيما بينها بوجه عام‏,‏ والدفاع عن الحضارة الإسلامية بوجه خاص‏.‏ كما انه ليس معني حرصه علي ترجمة ونقل عيون الفكر العالمي حديثه‏,‏ وقديمه‏,‏ أو تحقيق وشرح بعض من كتب التراث الإسلامي‏..‏ ليس معني الانصراف إلي هذه الجوانب أو غيرها في العلم والفلسفة‏,‏ لايترك له جانبا من الاهتمام بالابداع أدبا أو نقدا‏..‏ حيث تري صياغته الأدبية لمبتكراته الفلسفية ونظراته النقدية للمواد الفكرية التي يصدرها‏.‏ كما تري تخصيصه جزءا من اهتمامه إلي الابداع في أعمال أدبية وأخري نقدية‏,‏ نذكر منها علي سبيل المثال ديوانه الشعري مرآة نفسي الذي يستهله بقوله‏:‏ الشعر روح يطلقها الخيال من عقال الزمان‏,‏ فتردد آهة الخلق الأول ممزوجة بدموع الإمكان‏,‏ ويقول‏:‏ الشعر الحق ثورة علي القيود في أي منحي من مناحي الوجود‏,‏ فكل مايعبر عنه جديد‏,‏ والد أعدائه الترديد والتقليد‏..‏
إلي أن يقول‏:‏ وكل شعر إذن مرآة لنفس‏..‏ وها هي ذي مرآة نفسي ليس فيها إلا ما في نفسي من مفاتن نعيمي ومهاوي بؤسي لتبدأ قصائد هذا الديوان التي تتفرع إلي قسمين‏:‏ نزوات المراهق المفتون‏,‏ ولحظات العمر في أوج التجلي ليشتمل كل قسم علي عدد من القصائد فمثلا تطالعنا في القسم الأول قصيدة بعنوان مناجاة كل بيت فيها مقسم إلي ثلاثة أقسام بقافية واحدة‏,‏ ولعله في ذلك استفاد من طريقة نظم الموشحات الأندلسية ليبدأها قائلا‏:‏

سألت لبي‏,‏ إلام حبي
فقال قلبي‏,‏ مدي الحياة

بذلت جهدي‏,‏ فصنت عهدي
وعشت وحدي علي الشقاء

ونقرأ في القسم الثاني قصيدة بعنوان من الشعر الوجودي يقول فيها‏:‏
ادخلوا في العدم تنعموا بالوجود
ذاك قدس الحرم
فيه يحلو السجود‏.‏

وطبيعي أن تكون قصائد هذا الديوان الذي نشر في عام‏1946‏ مجرد تجارب شعرية لأديب ناشئ‏,‏ ربما كانت تنضج لو أنه واصلها في أعمال شعرية أخري‏,‏ لكن يكفيها شرفا أنها قطعة من ذات نفسه‏,‏ لم يستعرها من أحد كما نري عند جماعة المقلدين في زماننا‏.‏

ورغم عدم استمراره في كتابة الشعر إلا أننا نلحظ في بعض كتاباته اهتماما بهذا اللون من الابداع فنراه في مسيرة حياته يصف مايشعر به في شيخوخته من ضعف‏,‏ وألم في قصيدة يستهلها قائلا‏:‏
أجمل الأيام أيام الشباب
إن سن الشيخ ملأي بالعذاب

وإذا ما انتقلنا من هذه التجربة الشعرية إلي تجربة أخري نثرية تضمها صفحات الحوار والنور وهي صفحات لك أن تسميها كتابا‏,‏ ولك أيضا ان تسميها صوتا منبعثا من أعماق نفسه‏,‏ ينبغي أن ينفذ إلي أعماق نفوس الآخرين‏,‏ أو لك أن تسميها ايضا خفقات قلب تعبر عن أجمل المشاعر وارق الأحاسيس لتتناغم مع القلوب الشابة‏,‏ ثم لك أن تسميها سمرا دقيقا يتحدث به صاحبه إلي الناس حديثا عامرا بضروب التأملات والنظرات‏,‏ والآراء والافكار‏..‏ ان هذه الصفحات التي تقترب من الثلاث مائة صفحة يمكن أن نجملها في عبارة واحدة هي أنها كانت ذوب قلبه تقاطر في كلمات خص بها إنسانة حبيبة عليه‏.‏
ولكن رغم أن هذه الصفحات جسدت مايريد أن يقوله لهذه الحبيبة إلا انه شاء ان يحولها إلي فائدة عامة حيث أراد أن تكون نوعا من أدب الرحلات‏.‏ فيقوم برحلات خيالية إلي كل من فرنسا وسويسرا واسبانيا‏,‏ ويكتب إلي حبيبته في الخيال خطابات يصف فيها مايراه في هذه الأقطار الثلاثة‏.‏ ويبدو أن هذه الصفحات جاءت نتيجة لأزمة ساورته‏,‏ وإلا فما معني ان تفلت من بين أصابعه عبارات يخص بها حبيبته فيقول‏:‏ أعيش في وطني‏,‏ ووطني منفاي إتمرح الدنيا حولي‏,‏ وكأني وحدي الذي أنوح ويقول‏:‏ قطرات العمر تنهمر علي طبل كياني فلا يردد غير نغمات خرساء‏.‏

وهكذا يجعل لرحلته محطات في الأقطار الثلاثة ـ فرنسا‏,‏ وسويسرا‏,‏ واسبانيا ـ التي اختارها‏.‏ يسجل وصفا تسجيليا في رسائله لحبيبته‏.‏ ولعله في واحدة من هذه الرسائل يكشف لنا عن جانب من ملامح شخصيته حين يذكر أن هذه الحيبة تحدثه عن بلدها لبنان قائلة‏:‏ ذلك وطني ولهذا أحببته‏..‏ ولعل هذا سر تعلقك به‏,‏ فأنت الولوع بالمتناقضات‏,‏ المحب للمفارقات‏,‏ لأن فيها ذلك التوتر الحي الذي تري فيه أنت سرالوجود الحق‏,‏ أيها الوجودي الملئ بالمتناقضات والمفارقات‏.‏
وتنتقل إلي عمل أدبي آخر‏,‏ أثار العديد من ردود الأفعال الغاضبة وأعني به سيرته الذاتية‏,‏ ولو أن هذه الردود الغاضبة لما نشره تريثت قليلا وتمهلت لأقتنعت أن من حق بدوي وقد عايش هذه الشخصيات أن يقول كلمته فيهم‏.‏

في هذه السيرة يمكن القول بإن بدوي قد قرأ واستوعب واستفاد‏,‏ وجال النظر بين السيرة الذاتية لمن قبله من العرب أو الاجانب‏,‏ ولهذا جاءت سيرته مزيجا من الأدب بالعلم‏,‏ الفكر بالسياسة‏,‏ الاجتماع بالفلسفة‏,‏ ومن ناحية أخري تصبح صدي لحياة مثمرة وغزيزة عامرة بالانتاج في كل جوانب المعرفة في الثقافة العربية‏,‏ وغيرها من الثقافات‏.‏ فكيف والأمر كذلك أن نتجاهل هذا الحشد من الجوانب التأمليه فيما حوله نظرا وتطبيقا؟
كيف لانهتم بذلك‏,‏ خاصة وأنه استوعب صفحات طوالا لنتوقف عند بضعة سطور أو صفحات عبر فيها عن رأيه في بعض الشخصيات التي عاصرها أو تعامل معها؟

ولهذا يمكن القول بأن هذه السيرة عمل جاد له قيمته العلمية والادبية معا‏.‏
إن مثلنا في الاستغراق في الحديث عند هذه العبارات والاهتمام بها تاركين المعني والدلالة لهذه السيرة‏,‏ كمثل الذي يتوقف عند الأخطاء المطبعية التي تجئ في صفحات كتاب‏,‏ فنحاسب عليها مؤلف الكتاب حسابا عسيرا‏.‏

كما نحاسب بدوي حسابا عجيبا عندما أشار في حياء وخجل إلي تجربة عاطفية فنطالبه بروايتها بالتفصيل الممل حتي نقتنع بصدق مايقول‏:‏
وفي مجال النقد نذكر عملا واحدا فيه فند مزاعم الذين اتهموا طه حسين بالسطو علي مقالة المستشرق الانجليزي مرجليوث‏,‏ فيفرد أي بدوري كتابا عنوانه دراسات المستشرقين حول صحة الشعر الجاهلي بادئا صفحاته بدهشته لما كتبه كتابنا‏,‏ ونقادنا من اتهامات لطه حسين قائلا كلما أتذكر الحملة الشعواء التي أثيرت حول كتاب وفي الشعر الجاهلي عام‏1926‏ للدكتور طه حين فإن عجبي لا ينقضي ليسجل أن طه حسين لم يكن أول باحث في العصر الحديث بحث في صحة الشعر الجاهلي‏,‏ وأسباب الانتحال فيه‏.‏ بل كان علي العكس من ذلك تماما آخرهم‏.‏ حيث كان أول هؤلاء الباحثين الذين تناولوا هذا الموضوع بالتفصيل في العصر الحديث هو المستشرق الألماني نيلدكه عام‏1861‏ أي قبل طه حسين بخمسة وستين عاما‏.‏ هذا المستشرق استعان بنتائج توصل إليها العرب من قبل‏,‏ وتتوالي ـ كما يذكر بدوي ـ أعمال المستشرقين الاجانب في البحث حول صحة الشعر الجاهلي‏,‏ حيث يتبين أن هذا الموضوع شغل الباحثين ووصلوا فيه إلي نتائج لاتزيد كثيرا عما وصل إليه ابن سلام الجمحي قبل ذلك بعشرة قرون‏.‏

ويأسف كثيرا حيث أن هذه الانتقادات العربية لطه حسين قد تأخرت حتي عام‏1926‏ بينما كان اصحابها في معزل عن البحث في هذا الموضوع قبل ذلك بعشرات السنين مما ينم عن جهل فاضح‏..‏ وهكذا باصدار بدوي لهذا الكتاب طور البحث العلمي في هذه القضية حيث ترجم دراسات المستشرقين في موضوع الشعر الجاهلي مستهلا هذه الترجمات بتصدير وفي قلب ميزان النقد لصالح طه حسين‏.‏
هذه مجرد اشارة إلي الابداع الأدبي والنقدي عند الدكتور بدوي‏.‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية