قضايا و اراء

42273‏السنة 126-العدد2002سبتمبر2‏24 من جمادى الآخرة 1423 هـالأثنين

علي الأرض السلام
بقلم: د‏.‏ عادل صادق

‏**‏ بكلمات في غاية الحزم‏.‏ وبنبرة لا تخلو من غضب قطع الرئيس عهدا علي نفسه أمام الشعب بألا يدع أحدا يهرب بأموال المصريين‏,‏ وانه سيتعقبهم أينما ذهبوا‏..‏ فلا مفر‏..‏ وبذلك يبدد الرئيس بعض الاختناق الذي لازمنا طوال هذا الصيف المزعج وبث الشعور بالتفاؤل بالنسبة للمستقبل‏,‏ وخاصة في نفوس الشباب‏.‏
‏**‏ ولعله من الملاحظ التتابع المستمر في الكشف عن الفساد ومطاردته بلا هوادة في مواقع متعددة بعضها في غاية الحساسية‏,‏ وبعضها ما كان يظن أحد أن عيونا يقظة تراقبها دونما اعتبار لمكانة القائمين عليها فلا مسئول مهما عظم شأنه فوق المراقبة‏..‏ وهذا يدعو للارتياح الشديد إذ يؤكد أن يد الاجهزة الرقابية تطول كل الناس صغر أو عظم شأنهم وسواء إذا كانت ظهورهم مدعومة أو غير مدعومة‏....‏

‏**‏ ونحن إذا تجاوزنا عن تجاوزات الظهور المدعومة فسوف نهلك لان الهلاك يصيب القوم الذين إذا سرق فيهم الفقير عاقبوه وإذا سرق فيهم الغني أو الحسيب النسيب تركوه‏,‏ وصدق محمد رسول الله صلي الله عليه وسلم‏.‏
‏**‏ والقضية التي أطرحها وهي ذات بعد نفسي هي أن هؤلاء الفاسدين كان من الممكن ألا يكونوا كذلك‏(‏ ليس شرفاء بالمعني الكامل‏)‏ وإنما علي الاقل لا يخطر علي بالهم التفكير في الانحراف وذلك إذا كان معروفا لديهم أن السيف مسلط علي رقابهم وعلي رقاب كل العباد منذ البداية‏..‏ وأن الرقابة مستمرة وأن أحدا لا ينجو إذا سولت له نفسه أن يحيد عن الطريق السليم‏..‏ والمثل الشعبي البليغ يقول إن المال السايب يعلم السرقة‏.‏

‏**‏ وهذا يدعونا إلي إعادة النظر في أسلوب اختيار الموظف العام أو المسئول الكبير ثم كيفية متابعته‏,‏ وأن يكون هو علي علم بذلك فلا يغتر ولا يسهو ولا يظن بنفسه أنه فوق المراقبة والمساءلة‏.‏
‏**‏ وما فزعت في حياتي قدر ما فزعت يوم أن استيقظت صباحا وقرأت في الصحف وعلي غير توقع ولا السبب مفهوم أن الرقابة الإدارية قد ألغيت وكأن زلازالا مفاجئا قد هدم ذلك المبني المهم علي رؤوس كل من فيه أو الأصح علي رءوس كل المصريين‏..‏

‏**‏ ولا أحد ينكر أن الاجهزة الرقابية بشتي مجالاتها تعيش الأن عصرها الذهبي‏..‏ وهذا هو الافتراض أو الوضع الطبيعي إلا أننا لا نستطيع أن ننكر أيضا أن هذه الاجهزة المهمة كانت محدودة الاثر والتأثير في بعض الاوقات من تاريخ مصر الحديث مما دفع باليأس في النفوس وساعد علي ازدياد شراهة الفاسدين المفسدين‏.‏
‏**‏ إلا أنه يجب الاقرار بان الفساد موجود في كل دول العالم رغم أن بعض هذه الدول تكون في غاية الصرامة في مراقبة وعقاب كل منحرف يسئ استغلال موقعه‏..‏ والسبب في ذلك‏(‏ وهذا من منظور نفسي مهم‏)‏ أن بعض الناس لا يرتدعون ولا يتعلمون من أخطائهم ولا يتعظون من العواقب الوخيمة التي تواجه من يخطئ ولا يستطيعون التحكم في نوازعهم الانحرافية ولا يستطيعون السيطرة علي شهواتهم بل يسعون دائما إلي تحقيق اللذة الفورية وهي لذة حسية مادية يدخل من ضمنها النهم للمال حتي وإن كان حراما‏...‏ وهذه شخصية تعرف في الطب النفسي باسم الشخصية السيكوباتية وهي تتمتع بسمات كلها ضد المجتمع وتناقض القيم والمبادئ والاخلاق‏..‏

‏**‏ والغريب في الأمر أن هذا السيكوباتي قد يبدو امام الناس في غاية الورع والصلاح والامانة والاخلاص ويعرف عنه أنه رجل المبادئ‏,‏ وهذا النوع يطلق عليه تعريف السيكوباتي المبدع وإبداعه يبتدي في قدرته علي خداع الناس بطهارته رغم أنه من أسوأ البشر‏...‏ هذا النموذج موجود في مواقع كثيرة وليس من السهل اكتشاف أمره إلا بعد سنوات طويلة وهذا قد يعطي انطباعا خاطئا بان هناك تراخيا في متابعة وتعقب الفاسدين‏.‏
‏**‏ ومع اقتراب شهر سبتمبر نودع صيفا خانقا أبي أن يتركنا في سلام فودعنا بهزة أرضية ولكن الله سلم‏.‏

‏**‏ في هذا الصيف خيم الحزن والقلق والضيق علي نفوس كل العرب وشهدنا أحداثا تدل علي قرب قيام الساعة‏,‏ حيث عم الظلم وتواري الحق وساد الباطل وانقلب المنطق إلي حد التبجح والكذب السافر‏..‏ وليت ذلك كان علي مستوي أفراد بعينهم ولكن كان علي مستوي الدول‏..‏ ولعل الصورة كانت في غاية الوضوح في مؤتمر الأرض في جوهانسبرج حيث أبي الأباطرة أن يرحموا من في الأرض من الضعفاء ابتزازا واستنزافا‏,‏ وهذا ينذر باقتراب لعنة من السماء فعلي الارض السلام‏.‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية