|
|
 |
عقب كارثة يونيو1967, كتب الأستاذ محمد حسنين هيكل سلسلة من المقالات, عن كيف نتعامل مع الولايات المتحدة الأمريكية, وكان جوهرها أنه علينا أن نعاملها معاملة المصارع للثور الهائج, فنحاوره ونداوره, ولكننا في كل الأحوال نتجنب المواجهة المباشرة مع قرونه القاتلة, في تلك الأيام, كتب مجموعة من الكتاب الراديكاليين يرفضون هذا المنطق, ويعتبرونه نوعا من الانهزامية, وبالطبع راحوا يرددون قائمة طويلة من الجرائم التي تقوم بها واشنطن ضد مصر وضد العرب والمسلمين, وضد العالم كله, وكلها تستوجب الكفاح والنضال علي مستوي الكون القريب والسحيق علي السواء, وفي الحقيقة فإن أحدا كما هي العادة, لم يذكر لنا كيف يتم ذلك, وربما كان مفهوما ساعتها أن ذلك يعني مزيدا من الانحياز للمعسكر السوفيتي الآخر, وقدرات أكبر علي المواجهة مع إسرائيل التي كانت تحتل أراضينا بالكامل, وتعبئة وحشدا للطاقات العربية, وحملة كاسحة علي المستوي العالمي تستصرخ دول عدم الانحياز ودول العالم الثالث وحركات التحرر الوطني, تسألها المساندة والتكاتف. ولكن الاتحاد السوفيتي ومعسكره ذهب ومعه القطبية الثنائية الي ملفات التاريخ, ولم تعد إسرائيل تحل أراضينا, وغالبية الدول العربية باتت بدرجة أو أخري صديقة للولايات المتحدة, وبنت معها علاقات أمنية وعسكرية واقتصادية ونفطية يصعب تفككها, وانتهت حركة عدم الانحياز, ولم يبق من حركات التحرر الوطني إلا تلك الفلسطينية, أما بقيتها فقد انكفأت علي نفسها بعد أن وجدت أن مهام ما بعد الاستقلال لا تقل صعوبة عما كان قبله.
ومع ذلك, فإن حالة المشابهة مع الثور الهائج تظل قائمة, والتعامل معها بالطريقة التي وصفها الأستاذ هيكل تظل سياسة مطروحة للتعامل مع حالة منذرة ليس لنا فقط, وإنما أيضا بالنسبة للعالم, ويعود التشابه الي أكثر من سبب, حيث نجد أن الولايات المتحدة أولا في حالة اضطراب وتشوش شديدين, نتيجة ضربة أمنية هائلة, وكانت الحرب الفيتنامية وفشل الهجوم الأمريكي علي فيتنام الشمالية هي السبب في الحالة الأولي, وضربات الحادي عشر من سبتمبر2001 هي المسئولة عن الحالة الراهنة, وفي كلتا الحالتين كان لدي أمريكا نوع من الشك في نفسها وقدراتها, وفي المسار السياسي والأخلاقي الذي ارتضته لنفسها في قيادة العالم, وفي الوقت نفسه, التوجس من كل الآخرين ومواقفهم تجاهها, وثانيا وجود إدارة أمريكية جديدة نسبيا وغير واثقة من نفسها, لأنها خلفت قيادة عملاقة, وورثت منها مشكلات رهيبة, وفي الحالة الأولي كانت هناك ادارة الرئيس جونسون, التي خلفت القيادة الأسطورية للرئيس كنيدي, ولكنها لم ترث منها كارثة فيتنام فقط وإنما أخذت عنها توترات حركة الحقوق المدنية في الداخل أيضا, وفي الحالة الثانية, جاءت إدارة الرئيس بوش بقرار من المحكمة العليا, وبغالبية محدودة للغاية, وعقب ادارة كلينتون التي غفر لها الشعب الأمريكي كل شيء, لأنها أعطته ثماني سنوات من الرخاء الذي لاينقطع, وعولمة لأمريكا فيها نصيب وفير, وانجازات سياسات حصيفة في الشرق الأوسط والبلقان وآسيا والباسفيك.
.وثالثا, فإن أمريكا المضطربة غير الواثقة من نفسها وغير العارفة بمسارها, فإنها تتفاني في الغرام مع إسرائيل كما لم يحدث في وقت آخر, ويكون لديها توترات وشكوك مع العالم العربي, حتي مع أكبر حلفائها وأصدقائها, وقد فعلت إدارة جونسون ذلك عندما ضللت مصر قبل الحرب, وعندما أمدت إسرائيل بالسلاح والمال, وعندما ساندتها في المحافل الدولية بعد عدوانها الآثم في يونيو1967, وعندما شنت حملة عالمية علي العرب باعتبارهم مسئولين عن قيام إسرائيل بحرب وقائية, وكان ذلك ما فعلته أيضا ادارة بوش الحالية بعد أحداث سبتمبر من العام الماضي, عندما تم اكتشاف شارون رجلا للسلام, وإعادة الاحتلال لأراض محررة فلسطينية وقتل الفلسطينيين نوعا من الدفاع عن النفس, وكما حدث في السابق, فقد قدمت لإسرائيل المعونات المالية والمادية الأخري, وساندتها في المحافل الدولية حتي نظرت الي الناحية الأخري, عندما ارتكبت جرائم حرب لاشك فيها, واعتبرتها شريكا رئيسيا في محاربة الإرهاب, وبالنسبة للدول العربية, فقد تقطعت أواصر كانت موصولة, ولأول مرة أعلنت مؤسسة أمريكية مرموقة, أن السعودية قد باتت من الأعداء, أما مصر فقد حطت عليها ضغوط صريحة تتدخل في شئونها الداخلية, لأول مرة منذ عادت العلاقات المصرية ـ الأمريكية في السادس من نوفمبر1973.
ورابعا, فإن أمريكا التي تقوم فلسفتها علي البرجماتية وتعتقد أن الاقتصاد وحده قادر علي حل كل مشكلات الدنيا لو توافرت له أسواق حرة وتنافسية, تجد نفسها وقد أصبحت كائنا أمنيا ويتراجع اهتمامها باقتصادها, واقتصاد العالم من ورائها, وبعد أن كانت الولايات المتحدة الأمريكية هي الملك المتوج للاقتصاد العالمي, وعملتها هي العملة العالمية التي تفوق الذهب احتراما ومنعة, جاءت ادارة جونسون وأدخلت الاقتصاد الأمريكي في هوة اقتصادية وانكماش أدي في النهاية في عام1971 لفك ارتباط الدولار بالذهب, ودخلت أمريكا ومعها العالم في أزمة اقتصادية طاحنة استمرت طوال السبعينيات وبعضا من الثمانينيات. وحدث ذلك تماما في إدارة الرئيس بوش الحالية, التي جاءت الي السلطة بعد ثماني سنوات من النمو الاقتصادي المتصل, ووصل الناتج المحلي الأمريكي الي ما يساوي أحد عشر تريليون دولار, أو ما يساوي30% من الناتج العالمي, وبات الدولار متوجا فوق عرش كل العملات, وعرف العالم العولمة التي سيقودها الاقتصاد الأمريكي وينقذها من الأزمات, ومع الإدارة الجديدة, والحرب ضد الإرهاب, انعكس ذلك كله, ودخل الاقتصاد الأمريكي ومعه الاقتصاد العالمي الي دورة انكماش كبيرة ربما تطول لأن لا أحد يعرف علي وجه التحديد متي تنتهي الحرب ضد الإرهاب, وعلي أي صورة.
في ظل هذه الظروف ـ في الماضي والحاضر ـ فإن الولع الأمريكي باستخدام القوة يتزايد, ويتراجع الي حد كبير الحديث عن المثل الأمريكية, ويظهر بشكل كبير ضجر ونفاد صبر واشنطن بأصدقائها وحلفائها, ويبدو العالم ثقيلا وعاجزا عن التقدم لأنه لايستمع ولا ينفذ الأوامر الأمريكية, ولو عدنا الي الوراء لوجدنا ادارة جونسون, ومن بعدها خلال الفترة الأولي لإدارة نيكسون, تزايدا هائلا في استخدام القوة الأمريكية في فيتنام, بعد زيادة هائلة في الموازنة العسكرية, وتوسيعا للحرب لتشمل كمبوديا ولاوس, وحتي ارسال إشارات تفيد بأن استخدام الأسلحة النووية وارد, ومع إدارة بوش الحالية فقد بدأت الحرب ضد تنظيم القاعدة في أفغانستان ثم اتسعت لكي تشمل طالبان, وبعد ذلك مدت عملياتها الي الفلبين واليمن, بعد أن وصلت ميزانية الدفاع الي مستوي لم تصل إليه من قبل, ويبدو أن كل ذلك ليس كافيا فباتت الولايات المتحدة تصحو كل يوم علي حديث الهجوم علي العراق, وأعلن وزير الدفاع تعليقا علي المعارضة الأوروبية للحرب, أن التاريخ لا يغفر للمترددين, وأصبح العالم في حالة المنتظر للضربة علي بغداد. وربما كان الجديد الذي تضيفه إدارة بوش الجمهورية الحالية, لما كان عليه الحال منذ أيام جونسون الديمقراطية, هو الطابع الأيديولوجي المنتمي الي تقاليد اليمين المسيحي المحافظ, وهو أمر ليس جديدا تماما, فقد كان الغطاء الفكري لإدارة ريجان, وبشكل ما فإنه يظهر في الساحة الأمريكية بشكل دوري ويري العالم من منظور الخير والشر, والأبيض والأسود, والنهار والليل, وربما لا يختلف كثيرا من حيث الجوهر ما أعلنه جورج بوش عن حرب أمريكا ضد محور الشر, عما كان قد أعلنه رونالد ريجان عن امبراطورية الشر في الثمانينيات من القرن الماضي, وعندما تجتمع العوامل المشار إليها سابقا مع هذه الحزمة الفكرية, فإن النتائج تكون عادة خطيرة, ويدخل العالم في فترة قلاقل صعبة تؤثر فينا علي الأرجح تأثيرا سلبيا ما لم نتنبه ونحتسب لها.
وربما يعين قليلا أن السياسة الأمريكية تتأرجح مثل البندول, وفي كل مرة تجنح فيها في اتجاهات متطرفة وغير حكيمة, فإنها لا تلبث أن تعتدل مرة أخري, وبعد فترة المكارثية في الخمسينيات جاء كيندي في الستينيات, وبعد جونسون في الستينيات جاء كارتر في نهاية السبعينيات, وبعد ريجان في الثمانينيات جاء كلينتون في التسعينيات, وربما يعين أيضا أن العلاقات المصرية ـ الأمريكية ليس حالها كما كان عليه الحال أيام جونسون, وتحولت من العداء الي الصداقة الي العلاقات الخاصة خلال ربع قرن, ولكن معني ذلك أننا إزاء مرحلة قلقة ومضطربة في العلاقات مع أمريكا خلال العامين المقبلين علي الأقل, وهي تحتاج إلي لحسابات دقيقة نستمع فيها الي نصيحة الأستاذ هيكل المشار إليها, بالإضافة الي نصائع أخري, وموعدنا الأسبوع المقبل. |
|
|
|
|
|