ملفات الأهرام

42273‏السنة 126-العدد2002سبتمبر2‏24 من جمادى الآخرة 1423 هـالأثنين

حالة الولايات المتحدة الأمريكية‏...!‏
بقلم: د‏.‏ عبدالمنعم سعيد

عقب كارثة يونيو‏1967,‏ كتب الأستاذ محمد حسنين هيكل سلسلة من المقالات‏,‏ عن كيف نتعامل مع الولايات المتحدة الأمريكية‏,‏ وكان جوهرها أنه علينا أن نعاملها معاملة المصارع للثور الهائج‏,‏ فنحاوره ونداوره‏,‏ ولكننا في كل الأحوال نتجنب المواجهة المباشرة مع قرونه القاتلة‏,‏ في تلك الأيام‏,‏ كتب مجموعة من الكتاب الراديكاليين يرفضون هذا المنطق‏,‏ ويعتبرونه نوعا من الانهزامية‏,‏ وبالطبع راحوا يرددون قائمة طويلة من الجرائم التي تقوم بها واشنطن ضد مصر وضد العرب والمسلمين‏,‏ وضد العالم كله‏,‏ وكلها تستوجب الكفاح والنضال علي مستوي الكون القريب والسحيق علي السواء‏,‏ وفي الحقيقة فإن أحدا كما هي العادة‏,‏ لم يذكر لنا كيف يتم ذلك‏,‏ وربما كان مفهوما ساعتها أن ذلك يعني مزيدا من الانحياز للمعسكر السوفيتي الآخر‏,‏ وقدرات أكبر علي المواجهة مع إسرائيل التي كانت تحتل أراضينا بالكامل‏,‏ وتعبئة وحشدا للطاقات العربية‏,‏ وحملة كاسحة علي المستوي العالمي تستصرخ دول عدم الانحياز ودول العالم الثالث وحركات التحرر الوطني‏,‏ تسألها المساندة والتكاتف‏.‏
ولكن الاتحاد السوفيتي ومعسكره ذهب ومعه القطبية الثنائية الي ملفات التاريخ‏,‏ ولم تعد إسرائيل تحل أراضينا‏,‏ وغالبية الدول العربية باتت بدرجة أو أخري صديقة للولايات المتحدة‏,‏ وبنت معها علاقات أمنية وعسكرية واقتصادية ونفطية يصعب تفككها‏,‏ وانتهت حركة عدم الانحياز‏,‏ ولم يبق من حركات التحرر الوطني إلا تلك الفلسطينية‏,‏ أما بقيتها فقد انكفأت علي نفسها بعد أن وجدت أن مهام ما بعد الاستقلال لا تقل صعوبة عما كان قبله‏.‏

ومع ذلك‏,‏ فإن حالة المشابهة مع الثور الهائج تظل قائمة‏,‏ والتعامل معها بالطريقة التي وصفها الأستاذ هيكل تظل سياسة مطروحة للتعامل مع حالة منذرة ليس لنا فقط‏,‏ وإنما أيضا بالنسبة للعالم‏,‏ ويعود التشابه الي أكثر من سبب‏,‏ حيث نجد أن الولايات المتحدة أولا في حالة اضطراب وتشوش شديدين‏,‏ نتيجة ضربة أمنية هائلة‏,‏ وكانت الحرب الفيتنامية وفشل الهجوم الأمريكي علي فيتنام الشمالية هي السبب في الحالة الأولي‏,‏ وضربات الحادي عشر من سبتمبر‏2001‏ هي المسئولة عن الحالة الراهنة‏,‏ وفي كلتا الحالتين كان لدي أمريكا نوع من الشك في نفسها وقدراتها‏,‏ وفي المسار السياسي والأخلاقي الذي ارتضته لنفسها في قيادة العالم‏,‏ وفي الوقت نفسه‏,‏ التوجس من كل الآخرين ومواقفهم تجاهها‏,‏ وثانيا وجود إدارة أمريكية جديدة نسبيا وغير واثقة من نفسها‏,‏ لأنها خلفت قيادة عملاقة‏,‏ وورثت منها مشكلات رهيبة‏,‏ وفي الحالة الأولي كانت هناك ادارة الرئيس جونسون‏,‏ التي خلفت القيادة الأسطورية للرئيس كنيدي‏,‏ ولكنها لم ترث منها كارثة فيتنام فقط وإنما أخذت عنها توترات حركة الحقوق المدنية في الداخل أيضا‏,‏ وفي الحالة الثانية‏,‏ جاءت إدارة الرئيس بوش بقرار من المحكمة العليا‏,‏ وبغالبية محدودة للغاية‏,‏ وعقب ادارة كلينتون التي غفر لها الشعب الأمريكي كل شيء‏,‏ لأنها أعطته ثماني سنوات من الرخاء الذي لاينقطع‏,‏ وعولمة لأمريكا فيها نصيب وفير‏,‏ وانجازات سياسات حصيفة في الشرق الأوسط والبلقان وآسيا والباسفيك‏.‏

‏.‏وثالثا‏,‏ فإن أمريكا المضطربة غير الواثقة من نفسها وغير العارفة بمسارها‏,‏ فإنها تتفاني في الغرام مع إسرائيل كما لم يحدث في وقت آخر‏,‏ ويكون لديها توترات وشكوك مع العالم العربي‏,‏ حتي مع أكبر حلفائها وأصدقائها‏,‏ وقد فعلت إدارة جونسون ذلك عندما ضللت مصر قبل الحرب‏,‏ وعندما أمدت إسرائيل بالسلاح والمال‏,‏ وعندما ساندتها في المحافل الدولية بعد عدوانها الآثم في يونيو‏1967,‏ وعندما شنت حملة عالمية علي العرب باعتبارهم مسئولين عن قيام إسرائيل بحرب وقائية‏,‏ وكان ذلك ما فعلته أيضا ادارة بوش الحالية بعد أحداث سبتمبر من العام الماضي‏,‏ عندما تم اكتشاف شارون رجلا للسلام‏,‏ وإعادة الاحتلال لأراض محررة فلسطينية وقتل الفلسطينيين نوعا من الدفاع عن النفس‏,‏ وكما حدث في السابق‏,‏ فقد قدمت لإسرائيل المعونات المالية والمادية الأخري‏,‏ وساندتها في المحافل الدولية حتي نظرت الي الناحية الأخري‏,‏ عندما ارتكبت جرائم حرب لاشك فيها‏,‏ واعتبرتها شريكا رئيسيا في محاربة الإرهاب‏,‏ وبالنسبة للدول العربية‏,‏ فقد تقطعت أواصر كانت موصولة‏,‏ ولأول مرة أعلنت مؤسسة أمريكية مرموقة‏,‏ أن السعودية قد باتت من الأعداء‏,‏ أما مصر فقد حطت عليها ضغوط صريحة تتدخل في شئونها الداخلية‏,‏ لأول مرة منذ عادت العلاقات المصرية ـ الأمريكية في السادس من نوفمبر‏1973.‏

ورابعا‏,‏ فإن أمريكا التي تقوم فلسفتها علي البرجماتية وتعتقد أن الاقتصاد وحده قادر علي حل كل مشكلات الدنيا لو توافرت له أسواق حرة وتنافسية‏,‏ تجد نفسها وقد أصبحت كائنا أمنيا ويتراجع اهتمامها باقتصادها‏,‏ واقتصاد العالم من ورائها‏,‏ وبعد أن كانت الولايات المتحدة الأمريكية هي الملك المتوج للاقتصاد العالمي‏,‏ وعملتها هي العملة العالمية التي تفوق الذهب احتراما ومنعة‏,‏ جاءت ادارة جونسون وأدخلت الاقتصاد الأمريكي في هوة اقتصادية وانكماش أدي في النهاية في عام‏1971‏ لفك ارتباط الدولار بالذهب‏,‏ ودخلت أمريكا ومعها العالم في أزمة اقتصادية طاحنة استمرت طوال السبعينيات وبعضا من الثمانينيات‏.‏
وحدث ذلك تماما في إدارة الرئيس بوش الحالية‏,‏ التي جاءت الي السلطة بعد ثماني سنوات من النمو الاقتصادي المتصل‏,‏ ووصل الناتج المحلي الأمريكي الي ما يساوي أحد عشر تريليون دولار‏,‏ أو ما يساوي‏30%‏ من الناتج العالمي‏,‏ وبات الدولار متوجا فوق عرش كل العملات‏,‏ وعرف العالم العولمة التي سيقودها الاقتصاد الأمريكي وينقذها من الأزمات‏,‏ ومع الإدارة الجديدة‏,‏ والحرب ضد الإرهاب‏,‏ انعكس ذلك كله‏,‏ ودخل الاقتصاد الأمريكي ومعه الاقتصاد العالمي الي دورة انكماش كبيرة ربما تطول لأن لا أحد يعرف علي وجه التحديد متي تنتهي الحرب ضد الإرهاب‏,‏ وعلي أي صورة‏.‏

في ظل هذه الظروف ـ في الماضي والحاضر ـ فإن الولع الأمريكي باستخدام القوة يتزايد‏,‏ ويتراجع الي حد كبير الحديث عن المثل الأمريكية‏,‏ ويظهر بشكل كبير ضجر ونفاد صبر واشنطن بأصدقائها وحلفائها‏,‏ ويبدو العالم ثقيلا وعاجزا عن التقدم لأنه لايستمع ولا ينفذ الأوامر الأمريكية‏,‏ ولو عدنا الي الوراء لوجدنا ادارة جونسون‏,‏ ومن بعدها خلال الفترة الأولي لإدارة نيكسون‏,‏ تزايدا هائلا في استخدام القوة الأمريكية في فيتنام‏,‏ بعد زيادة هائلة في الموازنة العسكرية‏,‏ وتوسيعا للحرب لتشمل كمبوديا ولاوس‏,‏ وحتي ارسال إشارات تفيد بأن استخدام الأسلحة النووية وارد‏,‏ ومع إدارة بوش الحالية فقد بدأت الحرب ضد تنظيم القاعدة في أفغانستان ثم اتسعت لكي تشمل طالبان‏,‏ وبعد ذلك مدت عملياتها الي الفلبين واليمن‏,‏ بعد أن وصلت ميزانية الدفاع الي مستوي لم تصل إليه من قبل‏,‏ ويبدو أن كل ذلك ليس كافيا فباتت الولايات المتحدة تصحو كل يوم علي حديث الهجوم علي العراق‏,‏ وأعلن وزير الدفاع تعليقا علي المعارضة الأوروبية للحرب‏,‏ أن التاريخ لا يغفر للمترددين‏,‏ وأصبح العالم في حالة المنتظر للضربة علي بغداد‏.‏
وربما كان الجديد الذي تضيفه إدارة بوش الجمهورية الحالية‏,‏ لما كان عليه الحال منذ أيام جونسون الديمقراطية‏,‏ هو الطابع الأيديولوجي المنتمي الي تقاليد اليمين المسيحي المحافظ‏,‏ وهو أمر ليس جديدا تماما‏,‏ فقد كان الغطاء الفكري لإدارة ريجان‏,‏ وبشكل ما فإنه يظهر في الساحة الأمريكية بشكل دوري ويري العالم من منظور الخير والشر‏,‏ والأبيض والأسود‏,‏ والنهار والليل‏,‏ وربما لا يختلف كثيرا من حيث الجوهر ما أعلنه جورج بوش عن حرب أمريكا ضد محور الشر‏,‏ عما كان قد أعلنه رونالد ريجان عن امبراطورية الشر في الثمانينيات من القرن الماضي‏,‏ وعندما تجتمع العوامل المشار إليها سابقا مع هذه الحزمة الفكرية‏,‏ فإن النتائج تكون عادة خطيرة‏,‏ ويدخل العالم في فترة قلاقل صعبة تؤثر فينا علي الأرجح تأثيرا سلبيا ما لم نتنبه ونحتسب لها‏.‏

وربما يعين قليلا أن السياسة الأمريكية تتأرجح مثل البندول‏,‏ وفي كل مرة تجنح فيها في اتجاهات متطرفة وغير حكيمة‏,‏ فإنها لا تلبث أن تعتدل مرة أخري‏,‏ وبعد فترة المكارثية في الخمسينيات جاء كيندي في الستينيات‏,‏ وبعد جونسون في الستينيات جاء كارتر في نهاية السبعينيات‏,‏ وبعد ريجان في الثمانينيات جاء كلينتون في التسعينيات‏,‏ وربما يعين أيضا أن العلاقات المصرية ـ الأمريكية ليس حالها كما كان عليه الحال أيام جونسون‏,‏ وتحولت من العداء الي الصداقة الي العلاقات الخاصة خلال ربع قرن‏,‏ ولكن معني ذلك أننا إزاء مرحلة قلقة ومضطربة في العلاقات مع أمريكا خلال العامين المقبلين علي الأقل‏,‏ وهي تحتاج إلي لحسابات دقيقة نستمع فيها الي نصيحة الأستاذ هيكل المشار إليها‏,‏ بالإضافة الي نصائع أخري‏,‏ وموعدنا الأسبوع المقبل‏.‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية