ملفات الأهرام

42273‏السنة 126-العدد2002سبتمبر2‏24 من جمادى الآخرة 1423 هـالأثنين

قمة جوهانسبرج والعدالة الكونية
بقلم: د‏.‏ عادل أبوزهرة

تعقد الآن في جوهانسبرج في جنوب إفريقيا‏,‏ أضخم قمة عالمية دعت إليها الأمم المتحدة طوال تاريخها‏,‏ وهي قمة الأرض الثانية‏,‏ يحضرها أكثر من مائة رئيس دولة ورئيس حكومة‏,‏ ونحو‏65‏ ألف مشارك يمثلون وفودا حكومية ومنظمات دولية وأهلية هرعت لحضورها من أربعة أركان الأرض‏,‏ لتتناقش في قضايا مثل الحد من الفقر‏,‏ وندرة المياه العذبة ومستقبل مصادر الطاقة‏,‏ والحفاظ علي التنوع الحيوي‏,‏ وظاهرة تغير المناخ وحق الشعوب الفقيرة في التنمية‏,‏ ومسئولية الدول الغنية عن الاصحاح البيئي‏,‏ ومعالجة ما أحدثه الإنسان من تدمير وتخريب وتدهور في كوكب الأرض‏,‏ بحيث يصبح صالحا لحياة الأجيال الحالية والأجيال المقبلة‏.‏
إن نموذج التنمية البشرية المستديمة يقدر الحياة البشرية في حد ذاتها‏,‏ فهو لا يقدر الحياة لمجرد أن الناس يمكنهم انتاج سلع مادية مهما يكن ذلك أمرا مهما‏,‏ ولا يقدر حياة شخص ما أكثر من تقديره لحياة شخص آخر‏,‏ فلا ينبغي أن يكون مصير طفل حديث الولادة أن يحيا حياة قصيرة أو بائسة لمجرد أن هذا الطفل قدر له أن يولد في الطبقة الخطأ أو البلد الخطأ‏,‏ أو قدر له أن ينتمي الي الجنس الخطأ‏,‏ فالتنمية يجب أن تمكن جميع الأفراد من توسيع نطاق قدراتهم الي أقصي درجة‏,‏ وتوظيف تلك القدرات أفضل توظيف ممكن في جميع الميادين الاقتصادية والثقافية والسياسية‏.‏

وعالمية مطالب الحياة هي الخيط المشترك الذي يربط مطالب التنمية البشرية اليوم بضرورات التنمية في الغد‏,‏ لاسيما بالحاجة الي الحفاظ علي البيئة وإعادة توليدها من أجل المستقبل‏,‏ وأقوي حجة لحماية البيئة هي الحاجة الأخلاقية الي ضمان فرص للأجيال المقبلة مماثلة للفرص التي نعمت بها الأجيال السابقة‏,‏ وهذا الضمان هو أساس التنمية المستدامة‏,‏ لكن الاستدامة لايكون لها معني اذا كانت تعني استدامة فرص الحياة البائسة والمعوزة‏,‏ إذ لايمكن أن يكون الهدف هو العمل علي استدامة الحرمان البشري ولا ينبغي لنا أيضا أن نحرم من هم أقل حظا اليوم من الاهتمام الذي نحن علي استعداد لمنحه للأجيال المقبلة‏.‏
ومن ثم فإن التنمية البشرية والاستديمة مكونان ضروريان للمبدأ الأخلاقي نفسه‏,‏ مبدأ عالمية مطالب الحياة‏,‏ ولا يوجد تعارض بين المفهومين لأنهما جزء من نفس التصميم الإجمالي‏,‏ وفي مثل هذا الإطار المفاهيمي تعني الاستدامة بمعني واسع للغاية مسألة الانصاف في التوزيع‏,‏ مسألة تقاسم الفرص الانمائية بين الأجيال الحاضرة والأجيال المقبلة‏,‏ غير أنه سيكون من الغرابة بشكل واضح أن ننشغل انشغالا بالغا برفاهية الأجيال التي لم تولد بعد‏,‏ بينما نتجاهل محنة فقراء اليوم‏,‏ ومن الواضح أن مبدأ العالمية الأخلاقي يقتضي كلا من الانصاف داخل الجيل الواحد‏,‏ والانصاف فيما بين الأجيال‏,‏ غير أن هذا الانصاف هو انصاف في الفرص‏,‏ وليس بالضرورة في المنجزات النهائية‏,‏ فكل فرد من حقه أن تتاح له فرصة عادلة لتوظيف قدراته الممكنة أفضل توظيف ممكن‏,‏ ومن حق كل جيل ذلك أيضا‏,‏ أما مسألة توظيف كل فرد وكل جيل لهذه الفرص فعليا‏,‏ والنتائج التي يحققها كل منهما فهي مسألة تخضع لاختيارهما ولكن يجب أن يتاح لهما هذا الاختيار الآن وفي المستقبل‏,‏ وعالمية مطالب الحياة هذه فكرة قوية توفر الأسس الفلسفية لكثير من السياسات المعاصرة‏,‏ وتكمن وراء السعي الي تلبية ال
احتياجات البشرية الأساسية‏,‏ فهي تتطلب عالما لا يحرم فيه طفل من التعليم‏,‏ ولا يحرم فيه إنسان من الرعاية الصحية‏,‏ ويستطيع فيه جميع الناس تطوير قدراتهم الممكنة‏,‏ والعالمية تعني ضمنا تمكين الناس‏,‏ فهي تحمي جميع حقوق الإنسان الأساسية‏,‏ الاقتصادية والاجتماعية والمدنية والسياسية‏,‏ وتعتبر أن الحق في الغذاء مقدس تماما مثل الحق في التصويت‏,‏ وهي تطالب بعدم التمييز بين الناس بسبب الجنس أو الدين أو العنصر أو الأصل العرقي‏,‏ وهي تركز مباشرة علي البشر‏,‏ ولا تحترم السيادة الوطنية إلا اذا احترمت الدول القومية ما لشعوبها من حقوق الإنسان‏.‏
والعالمية تنادي بالمساواة في الفرص وليس المساواة في الدخل‏,‏ وإن كان ينبغي في مجتمع متحضر ضمان حد أدني أساسي من الدخل لكل إنسان‏,‏ والفكرة الأساسية لعالمية مطالب الحياة تنبع من رواد كثيرين‏,‏ فقد كتبت ماري وولستونكرافت رائدة الحركة النسائية في كتاب بعنوان دفاع عن حقوق المرأة نشر في عام‏1792,‏ إن العدالة وليس الإحسان هي التي يفتقر إليه العالم‏.‏

في أثناء القرن العشرين أصبحت العلوم الاجتماعية معنية بدرجة متزايدة بعلم الاقتصاد‏,‏ وأصبح علم الاقتصاد معنيا بالثروة وليس بالناس‏,‏ وبالاقتصاد وليس بالمجتمع‏,‏ وبزيادة الدخل الي أقصي حد وليس بتوسيع الفرص أمام الناس‏,‏ إن انشغال خبراء الاقتصاد وواضعي السياسات بالكنز الوطني في شكل فائض في الميزان التجاري‏,‏ يرجع علي الأقل الي دعاة المذهب التجاري الذين يفضلون التركيز علي النجاح المادي بدلا من التركيز علي تنمية البشر‏,‏ إن الثروة مهمة للحياة البشرية من غير شك‏,‏ ولكن التركيز عليها خطأ لسببين‏,‏ فتجميع ثروة ليس ضروريا لتحقيق بعض الاختيارات البشرية المهمة‏,‏ ففي واقع الأمر يختار الأفراد وتختار المجتمعات اختيارات كثيرة لا تتطلب ثروة علي الإطلاق‏,‏ فالمجتمع لا يتعين عليه بالضرورة أن يكون غنيا ليكون قادرا علي توفير الديمقراطية‏,‏ والأسرة لا يتعين عليها أن تكون غنية لتحترم حقوق كل فرد من أفرادها‏,‏ والأمة لا يتعين عليها أن تكون غنية لتعامل نساءها ورجالها معاملة متساوية‏.‏
والاختيارات البشرية تتجاوز كثيرا الرفاهية الاقتصادية‏,‏ فالبشر قد يطمحون لأن يكونوا أغنياء لكنهم قد يطمحوا أيضا أن ينعموا بحياة طويلة وصحية‏,‏ وأن ينهلوا كثيرا من نبع المعرفة‏,‏ وأن يشاركوا بحرية في مجتمعهم‏,‏ وأن يتنفسوا هواء نقيا ويستمتعوا بمسرات الحياة البسيطة في بيئة نظيفة هادئة‏,‏ ويقدروا راحة البال التي تنبع من أمنهم في بيوتهم وفي أعمالهم وفي مجتمعهم‏,‏ والثروة القومية قد توسع اختيارات الناس‏,‏ لكنها قد لا تفعل ذلك‏,‏ وما لم تعترف المجتمعات بأن ثروتها الحقيقية هي أناسها‏,‏ فإن استحواذ فكرة تكوين الثروة المادية علي الأذهان بإفراط يمكن أن يطمس الهدف النهائي لإثراء حياة البشر‏,‏ والخلاصة أن ارتفاع مستوي الدخل ليس هو الأمر الوحيد المهم‏,‏ بل من الأهمية أيضا كيفية استخدام هذا الدخل‏,‏ فالمجتمع قد ينفق دخله علي الأسلحة أو قد ينفقه علي التعليم‏,‏ والفرد قد ينفق دخله علي المخدرات أو قد ينفقه علي الغذاء الضروري‏,‏ والشيء الحاسم ليس عملية زيادة الثروة الي أقصي حد‏,‏ بل الاختيارات التي يختارها الأفراد وتختارها المجتمعات‏.‏

ومن ثم لايوجد تعارض أساسي بين اعتبار النمو الاقتصادي بالغ الأهمية واعتباره أساسا غير كاف للتنمية البشرية‏,‏ فنمو الدخل وحده لن يعزز أحوال معيشة الفقراء إلا اذا حصلوا علي نصيب من الدخل الإضافي‏,‏ أو اذا استخدم في تمويل خدمات عامة لقطاعات من المجتمع كانت ستحرم لولا ذلك من تلك الخدمات‏,‏ ومرة أخري يتبين أن القضية الرئيسية هي الحاجة الي تعزيز القدرات البشرية‏,‏ بدلا من النهوض بالنمو الإجمالي مع تجاهل ما يلزم لجعل ثمار النمو تخدم مصالح أولئك الأقل حظا‏.‏
قد يملك الإنسان ثروة كبيرة لكنه قد يشعر بالبؤس عندما يذهب الي ادارة حكومية يتعذب فيها‏,‏ نتيجة اجراءات بيروقراطية عقيمة لمجرد استخراج ورقة أو مستند‏,‏ أو عندما يجد أن استخراج مثل هذه الورقة قد يحتاج الي رشوة‏,‏ وقد يشعر بالبؤس شخص يتمتع بالثراء المادي لكنه لايستطيع أن يسافر الي بلد آخر وقتما يريد‏,‏ لأنه ممنوع من السفر لأسباب تتعلق بموقفه السياسي أو بآرائه‏,‏ وقد يشعر بالبؤس لأنه لا يستطيع أن يعبر عن آرائه وأفكاره بحرية‏,‏ أو لأن إرادته السياسية تم تزييفها وتزويرها‏,‏ أو لأنه يسكن في منطقة لا ينعم فيها بالهدوء والراحة لأنه لا أحد يحترم النظام العام أو الشعور العام أو القانون‏,‏ ومن المؤكد سيشعر بالبؤس اذا ما مورس التمييز ضده لأنه مختلف عن الآخرين في اللون أو الجنس أو الدين أو الأصل العرقي أو السياسي‏.‏

كما لايلزم أن يكون هناك أي تعارض بين النمو الاقتصادي وحماية البيئة والحفاظ علي مواردها من النضوب‏,‏ وعلي مكوناتها من التدهور والتلوث‏,‏ فالنمو الاقتصادي حيوي للمجتمعات الفقيرة‏,‏ لأنه يوفر مزيدا من الخيارات‏,‏ ولأن تدني البيئة ينشأ من الفقر ومن الاختيارات البشرية المحدودة‏,‏ ولكن طابع نموها واستهلاكها مهم‏,‏ والأمم الفقيرة لا ينبغي أن تقلد أنماط الانتاج والاستهلاك السائد لدي الأمم الغنية‏,‏ فبالإضافة لأن هذا غير ممكن نتيجة شح الموارد فهو ليس مستصوبا‏.‏
إن الانشغال العالمي بحقوق ومصالح جميع البشر لايمكن أن يكون فعالا إلا عن طريق منظومة من الجهد الفردي والدعم المؤسسي‏,‏ إذ يلزم للمبادرة الفردية أن تقترن بسياسة عامة حكيمة‏,‏ وكذلك بمنظمات مجتمعية قائمة علي المشاركة‏,‏ فالقدرات التي يكتسبها الأفراد تتوقف علي ظروف كثيرة قد لا تكون لديهم سيطرة كبيرة عليها‏,‏ فعلي سبيل المثال الطفل الذي لايرسل الي مدرسة‏,‏ أو الذي لا يتعلم أي مهارات أو الذي لا يلقي دعما كبيرا قد ينجح مع ذلك في الحياة‏,‏ اذا توافرت له مبادرة غير عادية أو قدرة غير عادية أو اذا توافر له حظ غير عادي‏,‏ ولكن أوراق الحظ متراصة بشكل محكم ضد ذلك الطفل‏.‏

واذا واجهت فتاة تمييزا في أوائل حياتها لأن تغذيتها كانت أقل من تغذية شقيقها‏,‏ لأنها أرسلت الي المدرسة في وقت لاحق‏,‏ أو لأنها لم ترسل الي المدرسة علي الإطلاق‏,‏ أو لأنها تعرضت لانتهاك جسدي‏,‏ فإن الندبات التي تعاني منها قد تستمر طيلة حياتها وقد تنتقل حتي الي ذريتها‏,‏ كذلك فإن مطالب حياة الطفل الأسود في الأحياء الفقيرة بالولايات المتحدة أو جنوب إفريقيا ليس من المرجح احترامها احتراما كاملا‏.‏
وفي نموذج للتنمية البشرية المستديمة‏,‏ يجب أن يصبح الأفراد وتصبح المؤسسات حلفاء في القضية المشتركة‏,‏ قضية تعزيز فرص الحياة ـ للأجيال الحاضرة والأجيال المقبلة ـ ولكي يتحقق ذلك يجب إرساء أسس مجتمع مدني إرساء راسخا‏,‏ مع جعل الحكومة مسئولة أمام الشعب‏,‏ ويجب أن يتوقف التعارض بين الأسواق والحكم‏,‏ بين المبادرة الفردية والسياسة العامة‏,‏ اذا كان الهدف هو توسيع نطاق اختيارات الانسان من أجل اليوم ومن أجل المستقبل‏.‏

يجب أن يتمثل جوهر استراتيجيات التنمية البشرية المستدامة في كفالة رزق مستدام للجميع‏,‏ وهذه الاستراتيجيات ـ لاسيما علي الصعيد الوطني ـ يتعين لذلك أن تركز علي أربعة محاور‏:‏ الحد من الفقر‏,‏ وإيجاد فرص عمالة‏,‏ والتكافل الاجتماعي‏,‏ والمشاركة‏,‏ أما علي الصعيد العالمي‏,‏ فإن التنمية البشرية المستديمة تتطلب ما لا يقل عن مبدأ أخلاقي عالمي جديد‏,‏ فالعالمية في الاعتراف بمطالب الحياة وفي الانشغال بالبقاء المشترك يجب أن تؤدي الي وضع سياسات من أجل نظام عالمي أكثر عدلا‏,‏ قائم علي اصلاحات عالمية جوهرية‏,‏ لأن مفهوم الاستدامة معرض لخطر كبير في عالم ربعه غني وثلاثة أرباعه فقير‏,‏ عالم نصفه ديمقراطي ونصفه استبدادي‏,‏ عالم تحرم فيه الأمم الفقيرة من الوصول علي قدم المساواة مع الأمم الغنية الي الفرص الاقتصادية العالمية‏,‏ عالم تضاعف فيه التفاوت في الدخل بين أغني نسبة‏20%‏ وأفقر نسبة‏20%‏ من سكان العالم علي مدي العقود الثلاثة الماضية‏,‏ عالم لا يستطيع فيه ربع البشرية تلبية احتياجاته الإنسانية الأساسية‏,‏ عالم تستهلك فيه الأمم الغنية أربعة أخماس رأس مال البشرية الطبيعي دون أن تكون مضطرة لأن تدفع ثمن ذلك‏,‏ فمفهوم عالم واحد وكوكب واحد لايمكن ببساطة أن ينبثق عن عالم لا يسوده العدل والانصاف‏,‏ ولايمكن إيجاد مسئولية مشتركة عن صحة كوكب الأرض دون وجود قدر ما من الرخاء العالمي المشترك‏,‏ فالاستدامة بدون العدالة ستظل دائما هدفا مراوغا‏.‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية