|
|
تعقد الآن في جوهانسبرج في جنوب إفريقيا, أضخم قمة عالمية دعت إليها الأمم المتحدة طوال تاريخها, وهي قمة الأرض الثانية, يحضرها أكثر من مائة رئيس دولة ورئيس حكومة, ونحو65 ألف مشارك يمثلون وفودا حكومية ومنظمات دولية وأهلية هرعت لحضورها من أربعة أركان الأرض, لتتناقش في قضايا مثل الحد من الفقر, وندرة المياه العذبة ومستقبل مصادر الطاقة, والحفاظ علي التنوع الحيوي, وظاهرة تغير المناخ وحق الشعوب الفقيرة في التنمية, ومسئولية الدول الغنية عن الاصحاح البيئي, ومعالجة ما أحدثه الإنسان من تدمير وتخريب وتدهور في كوكب الأرض, بحيث يصبح صالحا لحياة الأجيال الحالية والأجيال المقبلة. إن نموذج التنمية البشرية المستديمة يقدر الحياة البشرية في حد ذاتها, فهو لا يقدر الحياة لمجرد أن الناس يمكنهم انتاج سلع مادية مهما يكن ذلك أمرا مهما, ولا يقدر حياة شخص ما أكثر من تقديره لحياة شخص آخر, فلا ينبغي أن يكون مصير طفل حديث الولادة أن يحيا حياة قصيرة أو بائسة لمجرد أن هذا الطفل قدر له أن يولد في الطبقة الخطأ أو البلد الخطأ, أو قدر له أن ينتمي الي الجنس الخطأ, فالتنمية يجب أن تمكن جميع الأفراد من توسيع نطاق قدراتهم الي أقصي درجة, وتوظيف تلك القدرات أفضل توظيف ممكن في جميع الميادين الاقتصادية والثقافية والسياسية.
وعالمية مطالب الحياة هي الخيط المشترك الذي يربط مطالب التنمية البشرية اليوم بضرورات التنمية في الغد, لاسيما بالحاجة الي الحفاظ علي البيئة وإعادة توليدها من أجل المستقبل, وأقوي حجة لحماية البيئة هي الحاجة الأخلاقية الي ضمان فرص للأجيال المقبلة مماثلة للفرص التي نعمت بها الأجيال السابقة, وهذا الضمان هو أساس التنمية المستدامة, لكن الاستدامة لايكون لها معني اذا كانت تعني استدامة فرص الحياة البائسة والمعوزة, إذ لايمكن أن يكون الهدف هو العمل علي استدامة الحرمان البشري ولا ينبغي لنا أيضا أن نحرم من هم أقل حظا اليوم من الاهتمام الذي نحن علي استعداد لمنحه للأجيال المقبلة. ومن ثم فإن التنمية البشرية والاستديمة مكونان ضروريان للمبدأ الأخلاقي نفسه, مبدأ عالمية مطالب الحياة, ولا يوجد تعارض بين المفهومين لأنهما جزء من نفس التصميم الإجمالي, وفي مثل هذا الإطار المفاهيمي تعني الاستدامة بمعني واسع للغاية مسألة الانصاف في التوزيع, مسألة تقاسم الفرص الانمائية بين الأجيال الحاضرة والأجيال المقبلة, غير أنه سيكون من الغرابة بشكل واضح أن ننشغل انشغالا بالغا برفاهية الأجيال التي لم تولد بعد, بينما نتجاهل محنة فقراء اليوم, ومن الواضح أن مبدأ العالمية الأخلاقي يقتضي كلا من الانصاف داخل الجيل الواحد, والانصاف فيما بين الأجيال, غير أن هذا الانصاف هو انصاف في الفرص, وليس بالضرورة في المنجزات النهائية, فكل فرد من حقه أن تتاح له فرصة عادلة لتوظيف قدراته الممكنة أفضل توظيف ممكن, ومن حق كل جيل ذلك أيضا, أما مسألة توظيف كل فرد وكل جيل لهذه الفرص فعليا, والنتائج التي يحققها كل منهما فهي مسألة تخضع لاختيارهما ولكن يجب أن يتاح لهما هذا الاختيار الآن وفي المستقبل, وعالمية مطالب الحياة هذه فكرة قوية توفر الأسس الفلسفية لكثير من السياسات المعاصرة, وتكمن وراء السعي الي تلبية ال احتياجات البشرية الأساسية, فهي تتطلب عالما لا يحرم فيه طفل من التعليم, ولا يحرم فيه إنسان من الرعاية الصحية, ويستطيع فيه جميع الناس تطوير قدراتهم الممكنة, والعالمية تعني ضمنا تمكين الناس, فهي تحمي جميع حقوق الإنسان الأساسية, الاقتصادية والاجتماعية والمدنية والسياسية, وتعتبر أن الحق في الغذاء مقدس تماما مثل الحق في التصويت, وهي تطالب بعدم التمييز بين الناس بسبب الجنس أو الدين أو العنصر أو الأصل العرقي, وهي تركز مباشرة علي البشر, ولا تحترم السيادة الوطنية إلا اذا احترمت الدول القومية ما لشعوبها من حقوق الإنسان. والعالمية تنادي بالمساواة في الفرص وليس المساواة في الدخل, وإن كان ينبغي في مجتمع متحضر ضمان حد أدني أساسي من الدخل لكل إنسان, والفكرة الأساسية لعالمية مطالب الحياة تنبع من رواد كثيرين, فقد كتبت ماري وولستونكرافت رائدة الحركة النسائية في كتاب بعنوان دفاع عن حقوق المرأة نشر في عام1792, إن العدالة وليس الإحسان هي التي يفتقر إليه العالم.
في أثناء القرن العشرين أصبحت العلوم الاجتماعية معنية بدرجة متزايدة بعلم الاقتصاد, وأصبح علم الاقتصاد معنيا بالثروة وليس بالناس, وبالاقتصاد وليس بالمجتمع, وبزيادة الدخل الي أقصي حد وليس بتوسيع الفرص أمام الناس, إن انشغال خبراء الاقتصاد وواضعي السياسات بالكنز الوطني في شكل فائض في الميزان التجاري, يرجع علي الأقل الي دعاة المذهب التجاري الذين يفضلون التركيز علي النجاح المادي بدلا من التركيز علي تنمية البشر, إن الثروة مهمة للحياة البشرية من غير شك, ولكن التركيز عليها خطأ لسببين, فتجميع ثروة ليس ضروريا لتحقيق بعض الاختيارات البشرية المهمة, ففي واقع الأمر يختار الأفراد وتختار المجتمعات اختيارات كثيرة لا تتطلب ثروة علي الإطلاق, فالمجتمع لا يتعين عليه بالضرورة أن يكون غنيا ليكون قادرا علي توفير الديمقراطية, والأسرة لا يتعين عليها أن تكون غنية لتحترم حقوق كل فرد من أفرادها, والأمة لا يتعين عليها أن تكون غنية لتعامل نساءها ورجالها معاملة متساوية. والاختيارات البشرية تتجاوز كثيرا الرفاهية الاقتصادية, فالبشر قد يطمحون لأن يكونوا أغنياء لكنهم قد يطمحوا أيضا أن ينعموا بحياة طويلة وصحية, وأن ينهلوا كثيرا من نبع المعرفة, وأن يشاركوا بحرية في مجتمعهم, وأن يتنفسوا هواء نقيا ويستمتعوا بمسرات الحياة البسيطة في بيئة نظيفة هادئة, ويقدروا راحة البال التي تنبع من أمنهم في بيوتهم وفي أعمالهم وفي مجتمعهم, والثروة القومية قد توسع اختيارات الناس, لكنها قد لا تفعل ذلك, وما لم تعترف المجتمعات بأن ثروتها الحقيقية هي أناسها, فإن استحواذ فكرة تكوين الثروة المادية علي الأذهان بإفراط يمكن أن يطمس الهدف النهائي لإثراء حياة البشر, والخلاصة أن ارتفاع مستوي الدخل ليس هو الأمر الوحيد المهم, بل من الأهمية أيضا كيفية استخدام هذا الدخل, فالمجتمع قد ينفق دخله علي الأسلحة أو قد ينفقه علي التعليم, والفرد قد ينفق دخله علي المخدرات أو قد ينفقه علي الغذاء الضروري, والشيء الحاسم ليس عملية زيادة الثروة الي أقصي حد, بل الاختيارات التي يختارها الأفراد وتختارها المجتمعات.
ومن ثم لايوجد تعارض أساسي بين اعتبار النمو الاقتصادي بالغ الأهمية واعتباره أساسا غير كاف للتنمية البشرية, فنمو الدخل وحده لن يعزز أحوال معيشة الفقراء إلا اذا حصلوا علي نصيب من الدخل الإضافي, أو اذا استخدم في تمويل خدمات عامة لقطاعات من المجتمع كانت ستحرم لولا ذلك من تلك الخدمات, ومرة أخري يتبين أن القضية الرئيسية هي الحاجة الي تعزيز القدرات البشرية, بدلا من النهوض بالنمو الإجمالي مع تجاهل ما يلزم لجعل ثمار النمو تخدم مصالح أولئك الأقل حظا. قد يملك الإنسان ثروة كبيرة لكنه قد يشعر بالبؤس عندما يذهب الي ادارة حكومية يتعذب فيها, نتيجة اجراءات بيروقراطية عقيمة لمجرد استخراج ورقة أو مستند, أو عندما يجد أن استخراج مثل هذه الورقة قد يحتاج الي رشوة, وقد يشعر بالبؤس شخص يتمتع بالثراء المادي لكنه لايستطيع أن يسافر الي بلد آخر وقتما يريد, لأنه ممنوع من السفر لأسباب تتعلق بموقفه السياسي أو بآرائه, وقد يشعر بالبؤس لأنه لا يستطيع أن يعبر عن آرائه وأفكاره بحرية, أو لأن إرادته السياسية تم تزييفها وتزويرها, أو لأنه يسكن في منطقة لا ينعم فيها بالهدوء والراحة لأنه لا أحد يحترم النظام العام أو الشعور العام أو القانون, ومن المؤكد سيشعر بالبؤس اذا ما مورس التمييز ضده لأنه مختلف عن الآخرين في اللون أو الجنس أو الدين أو الأصل العرقي أو السياسي.
كما لايلزم أن يكون هناك أي تعارض بين النمو الاقتصادي وحماية البيئة والحفاظ علي مواردها من النضوب, وعلي مكوناتها من التدهور والتلوث, فالنمو الاقتصادي حيوي للمجتمعات الفقيرة, لأنه يوفر مزيدا من الخيارات, ولأن تدني البيئة ينشأ من الفقر ومن الاختيارات البشرية المحدودة, ولكن طابع نموها واستهلاكها مهم, والأمم الفقيرة لا ينبغي أن تقلد أنماط الانتاج والاستهلاك السائد لدي الأمم الغنية, فبالإضافة لأن هذا غير ممكن نتيجة شح الموارد فهو ليس مستصوبا. إن الانشغال العالمي بحقوق ومصالح جميع البشر لايمكن أن يكون فعالا إلا عن طريق منظومة من الجهد الفردي والدعم المؤسسي, إذ يلزم للمبادرة الفردية أن تقترن بسياسة عامة حكيمة, وكذلك بمنظمات مجتمعية قائمة علي المشاركة, فالقدرات التي يكتسبها الأفراد تتوقف علي ظروف كثيرة قد لا تكون لديهم سيطرة كبيرة عليها, فعلي سبيل المثال الطفل الذي لايرسل الي مدرسة, أو الذي لا يتعلم أي مهارات أو الذي لا يلقي دعما كبيرا قد ينجح مع ذلك في الحياة, اذا توافرت له مبادرة غير عادية أو قدرة غير عادية أو اذا توافر له حظ غير عادي, ولكن أوراق الحظ متراصة بشكل محكم ضد ذلك الطفل.
واذا واجهت فتاة تمييزا في أوائل حياتها لأن تغذيتها كانت أقل من تغذية شقيقها, لأنها أرسلت الي المدرسة في وقت لاحق, أو لأنها لم ترسل الي المدرسة علي الإطلاق, أو لأنها تعرضت لانتهاك جسدي, فإن الندبات التي تعاني منها قد تستمر طيلة حياتها وقد تنتقل حتي الي ذريتها, كذلك فإن مطالب حياة الطفل الأسود في الأحياء الفقيرة بالولايات المتحدة أو جنوب إفريقيا ليس من المرجح احترامها احتراما كاملا. وفي نموذج للتنمية البشرية المستديمة, يجب أن يصبح الأفراد وتصبح المؤسسات حلفاء في القضية المشتركة, قضية تعزيز فرص الحياة ـ للأجيال الحاضرة والأجيال المقبلة ـ ولكي يتحقق ذلك يجب إرساء أسس مجتمع مدني إرساء راسخا, مع جعل الحكومة مسئولة أمام الشعب, ويجب أن يتوقف التعارض بين الأسواق والحكم, بين المبادرة الفردية والسياسة العامة, اذا كان الهدف هو توسيع نطاق اختيارات الانسان من أجل اليوم ومن أجل المستقبل.
يجب أن يتمثل جوهر استراتيجيات التنمية البشرية المستدامة في كفالة رزق مستدام للجميع, وهذه الاستراتيجيات ـ لاسيما علي الصعيد الوطني ـ يتعين لذلك أن تركز علي أربعة محاور: الحد من الفقر, وإيجاد فرص عمالة, والتكافل الاجتماعي, والمشاركة, أما علي الصعيد العالمي, فإن التنمية البشرية المستديمة تتطلب ما لا يقل عن مبدأ أخلاقي عالمي جديد, فالعالمية في الاعتراف بمطالب الحياة وفي الانشغال بالبقاء المشترك يجب أن تؤدي الي وضع سياسات من أجل نظام عالمي أكثر عدلا, قائم علي اصلاحات عالمية جوهرية, لأن مفهوم الاستدامة معرض لخطر كبير في عالم ربعه غني وثلاثة أرباعه فقير, عالم نصفه ديمقراطي ونصفه استبدادي, عالم تحرم فيه الأمم الفقيرة من الوصول علي قدم المساواة مع الأمم الغنية الي الفرص الاقتصادية العالمية, عالم تضاعف فيه التفاوت في الدخل بين أغني نسبة20% وأفقر نسبة20% من سكان العالم علي مدي العقود الثلاثة الماضية, عالم لا يستطيع فيه ربع البشرية تلبية احتياجاته الإنسانية الأساسية, عالم تستهلك فيه الأمم الغنية أربعة أخماس رأس مال البشرية الطبيعي دون أن تكون مضطرة لأن تدفع ثمن ذلك, فمفهوم عالم واحد وكوكب واحد لايمكن ببساطة أن ينبثق عن عالم لا يسوده العدل والانصاف, ولايمكن إيجاد مسئولية مشتركة عن صحة كوكب الأرض دون وجود قدر ما من الرخاء العالمي المشترك, فالاستدامة بدون العدالة ستظل دائما هدفا مراوغا. |
|
|
|
|
|