لسنوات طويلة حفلت أدبيات الإعلام والتنمية بنظريات ومفاهيم عديدة حول أهمية دور الإعلام في تحفيز ورعاية جهود التنمية, ونشر الوعي التنموي بين المواطنين, بل وتطرقت بعض أدبيات الإعلام التنموي إلي قضايا تنمية وسائل الإعلام ذاتها كشرط موضوعي لتعظيم دور الإعلام في التنمية. لكن كثيرا من نظريات ومفاهيم الإعلام التنموي وتنمية وسائل الإعلام تعرضت لزلزال العولمة, ودخلت في أزمة شديدة ارتبطت بحالة الشك والغموض والارتباك التي تعرضت لها النظريات والمقولات التقليدية الخاصة بالتنمية, وبقدرات الدولة علي السيطرة علي أسواقها الداخلية, وعلي فيض الإعلام والمعلومات والاتصالات العابرة للحدود القومية التي تؤثر في مواطنيها وتدفعهم أحيانا إلي اللحاق أو مجرد الانبهار بالعولمة.
وتتجسد أزمة الإعلام التنموي في عصر العولمة في كون العولمة قد أحدثت ثورة غير محددة النتائج والآثار فيما يتعلق بكل من الإعلام نفسه وقدراته ووسائله, ومفهوم التنمية ومتطلباتها.
العولمة والإعلام طفت علي السطح في بحوث الإعلام الحاجة إلي إعادة تعريف الإعلام نفسه كعلم أو كمجال يرتبط بحقل معرفي يجمع بين المعلومات والاتصالات والمواد والرموز الإعلامية, وقد غدا هذا الحقل ليس مجرد مصدر للمعرفة, بل مصدر متجدد لتوليد الثروة والقوة. ومع العولمة أيضا ظهر ما يعرف بالإعلام المعولم باعتباره عملية تهدف إلي التعظيم المتسارع والمستمر في قدرات وسائل الإعلام والمعلومات علي تجاوز الحدود السياسية والثقافية بين المجتمعات بفضل ما توفره التكنولوجيا الحديثة والتكامل والاندماج بين وسائل الإعلام والاتصال والمعلومات, وذلك لدعم عملية توحيد ودمج أسواق العالم, وتحقيق مكاسب لشركات الإعلام والاتصال والمعلومات العملاقة متعددة الجنسيات علي حساب تقليص سلطة ودور الدولة في المجالين الإعلامي والثقافي. في ظل الإعلام المعولم انتهت من الناحية العملية قدرة الدولة, خاصة في عالم الجنوب, علي احتكار الإعلام والاتصالات والمعلومات, وتراجعت كثيرا سلطة الدولة علي المنع والرقابة, وبالتالي انهارت الفرضية الرئيسية التي اعتمدت عليها نظريات الإعلام التنموي التي تنطلق من قدرة الدولة علي استخدام وتوظيف وسائل الإعلام الوطنية, أو علي الأقل توجيهها لخدمة أهداف التنمية, أكثر من ذلك فإن التطور السريع والمتلاحق في تكنولوجيا الاتصال والمعلومات والإعلام الذي تدفعه باستمرار آلية الاندماج والتكتل بين الشركات العملاقة والشركات متعدية الجنسية قد قلص من قدرات دول الجنوب علي تطوير إمكاناتها الإعلامية والمعلوماتية والاتصالية, وهو ما يوجد مزيدا من الأعباء والتحديات التنموية ويعمق الفجوة بين دول الشمال والجنوب, كما يعمق من التبعية الإعلامية والاتصالية والمعلوماتية ويحول مجتمعات الجنوب إلي مجرد سوق للاستهلاك غير المنتج للمعرفة والمعلومات, وفي الوقت نفسه أدت هذه التحولات إلي توسيع الفجوة بين الطبقات المحلية فيما يتعلق باستخدام وسائل الإعلام التقليدية مقارنة بوسائل الإعلام الجديدة المعلوماتية كالإنترنت, ومثل هذه الفجوة سارت بالتوازي مع الفوارق الاجتماعية والتعليمية القائمة بالفعل وعمقت من آثارها السلبية, حيث من المؤكد أن من سيعرف أكثر سيكون قادرا علي حيازة قدرا أكبر من الثروة والقوة.
العولمة والتنمية لا يتسع المجال للوقوف علي الآثار المتبادلة بين العولمة والتنمية, لكن تكفي الإشارة إلي أن هيمنة أيديولوجية السوق الرأسمالية والتجارة الحرة وعولمة الأسواق قد بدد الثقة في ترسانة النظريات والمفاهيم الخاصة بالتنمية الاشتراكية أو التنمية القائمة علي رأسمالية الدولة, أو التنمية التي تعتمد علي الذات والاستقلال بالسوق الداخلية, ولم تطرح في المقابل نظريات أو أطر نظرية متماسكة يمكن استخدامها أو العمل علي هديها لإنجاز مهام التنمية في ظل العولمة, أي أننا إزاء مرحلة تحول في نظريات ونماذج التنمية, إذ انهارت المفاهيم والنماذج التقليدية المعروفة التي أثبتت درجات مختلفة من النجاح في مراحل تاريخية مختلفة, ولم تطرح في المقابل نظريات ونماذج بديلة سبقت تجربتها وأثبتت قدرا من النجاح لدول الجنوب في ضوء الأوضاع الحالية والظروف المحيطة بها في ظل العولمة. ويعتقد أن هذه الوضعية وما يرتبط بها من غموض وشك, فضلا عن غياب النماذج التنموية الناجحة في عصر العولمة أدي إلي أزمة في الفكر والعمل التنموي انعكست بدورها علي أداء وتوجيهات الإعلام, فالإعلام الوطني لدول الجنوب يفتقر إلي الاستراتيجيات التنموية الواضحة والمحددة الملامح والتي يجب أن تقود وتوجه السياسة الإعلامية وتتفاعل معها, وبالتالي بات الإعلام الوطني عاجزا وغير قادر علي التفاعل الإيجابي مع أيديولوجية الاقتصاد الحر وعولمة الأسواق, التي تبثها وتروج لها وسائل الإعلام المعولمة القادرة علي مخاطبة مواطني تلك الدول, وإيجاد ما أصبح يعرف بالمواطن العالمي.
والإشكالية أن غياب النظريات والنماذج التنموية والنماذج الناجحة ترافق مع تبلور المؤشرات الخاصة بقياس مدي نجاح التنمية وتقويم مسارها, فقد تطور الفكر التنموي واعتمدت تقارير التنمية البشرية العالمية لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي مؤشرا للتنمية البشرية يقوم علي أربعة متغيرات تشمل العمر المتوقع عند الميلاد ومعرفة القراءة والكتابة بين البالغين ومعدلات الالتحاق بالمؤسسات التعليمية ونصيب الفرد من الناتج القومي. ويمكن أن تعرف التنمية البشرية ببساطة بأنها عملية توسيع الخيارات, ففي كل يوم يمارس الإنسان خيارات متعددة بعضها اقتصادي وبعضها اجتماعي وبعضها سياسي وبعضها ثقافي وإعلامي, وبالتالي ينبغي أن توجه التنمية وتعمل من أجل توسيع نطاق خيارات كل إنسان في جميع الميادين, وتعتمد عملية توسيع الخيارات الإنسانية علي القدرات والفعاليات من جانب, والفرص المتاحة من جانب آخر, أي أن التنمية البشرية تتكون من معادلة طرفها الأيمن يتكون من القدرات الإنسانية, بينما يتكون طرفها الأيسر من الفرص الاقتصادية والسياسية والاجتماعية الممكنة للإنسان من إعمال قدراته الإنسانية.
ولقد أدي استقرار وتطور المؤشرات العالمية للتنمية البشرية في الوقت الذي عانت فيه دول الجنوب بعض الآثار السلبية للعولمة, مع غياب النظريات والنماذج التنموية المضادة للعولمة أو الأكثر إنسانية من العولمة, إلي إيجاد ضغوط وتحديات هائلة علي جهود التنمية في دول الجنوب, وعلي الإعلام التنموي, خاصة أن الإعلام المعولم العابر للحدود القومية روج وعلي نطاق واسع لحلم العالم الواحد, والثراء المعولم ومتعة الاستهلاك بلا قيود.
الإعلام المصري والعولمة هكذا بدت أزمة الإعلام التنموي في عصر العولمة, وهي أزمة عالمية ذات سمات نظرية وعملية تطبيقية تواجه دول الجنوب بدرجات مختلفة, في هذا السياق من المهم التوقف عند بعض تجليات تلك الأزمة وانعكاساتها علي حالة الإعلام المصري ممثلة في ضعف وبطء استجابة الإعلام المصري للتحديات والفرص التي تتيحها العولمة. فالإعلام المصري علي الرغم من محاولاته الرائدة لاستخدام البث الفضائي, وامتلاك قمر صناعي وتطوير الصحافة المطبوعة, فإنه يبدو تقليديا وخارج فضاء عولمة الإعلام, سواء بالنسبة للدمج بين الإعلام والاتصال والمعلومات, أو توسيع حرية الإعلام والعمل نحو إيجاد إعلام مجتمعي أكثر حرية والتزاما بالتنمية واهتمامات أغلبية المواطنين. والمفارقة أن السياسة الإعلامية تعتمد علي أهداف ومفاهيم تقليدية سقطت من قاموس الإعلام المعولم والإعلام التنموي مثل السيادة الإعلامية, وتحقيق الريادة في الفضاء الخارجي!! وانفراد الدولة بحق البث الإذاعي والتليفزيوني الأرضي, والدفاع السلبي عن الهوية الثقافية, دون طرح بديل أو بدائل متفاعلة مع تحديات العولمة ثقافيا, وبالتالي فإن كثيرا من الجهود والممارسات الفعلية تبدو علي غير اتفاق مع الفرص والتحديات التي تتيحها العولمة, ومع ذلك فإن هناك حالة غير مبررة من الرضا عن أداء الإعلام المصري والإنجازات التي حققها.
ويمكن القول أن البيروقراطية وبطء الأداء ومحدودية هامش الحرية المتاح وغياب الرقابة والشفافية, وانتهاج سياسات تقليدية غير قادرة علي ترجمة التطور التقني في مجالات الإعلام والاتصال والمعلومات إلي خطوات تنفيذية.. كل ذلك قد أدي إلي ضعف استجابة الإعلام المصري لتحديات وفرض العولمة, وبالتالي ما يمكن أن يقدمه في مجال التنمية, سواء تنمية الخيارات الإعلامية والاتصالية أمام المواطنين, أو تحويل قطاع الإعلام المندمج في الاتصالات والمعلومات إلي أداة من أدوات كسب المعرفة وكسب تعظيم الثروة عبر الاستفادة من الطاقات والإمكانات المتاحة للقوي البشرية المصرية, وعلي سبيل المثال فإن مدينة الإنتاج الإعلامي لم تدمج في أنشطتها بين الإنتاج الإعلامي وتقنيات الاتصال والمعلوماتية, بينما نجحت مدينة دبي للإنترنت وقدمت نموذجا مميزا لقدرة قطاع الإعلام والاتصال والمعلومات علي إنتاج المعرفة وتوليد الثروة والإسهام في جهود التنمية. وبصفة عامة ظل قطاع الاتصال والمعلومات بعيدا عن الإعلام, وغير قادر علي الانطلاق والتطوير والمنافسة في إطار العولمة, حيث عاني هذا القطاع ضعف التمويل, وضيق السوق, وغياب السياسات الحكومية التشجيعية, وكثرة وتعارض القيود البيروقراطية, وهجرة الأيدي العاملة, ولعل هذه الأوضاع تفسر إلي حد كبير ضعف إنتاج البرمجيات, والاستخدام
المحدود للغاية للانترنت في الخدمات الحكومية, بل وفي شركات القطاع الخاص وقطاع الاعمال, مقابل زيادة مرضية في استخدامات الهاتف ووسائل الاعلام التقليدية والانترنت في المسابقات وبرامج التسلية والاعلان التجاري. ويقدم تقرير التنمية الانسانية العربية مؤشرات احصائية بالغة الخطورة, عن المكانة المتواضعة لمصر علي مقياس التنمية البشرية, ومؤشرات الفجوة الرقمية بين الدول العربية, حيث بلغ عدد الهواتف الشخصية الثابتة75 هاتفا لكل ألف مواطن عام1999 بينما كان في سوريا99, والاردن87, وبلغ عدد الحواسيب الشخصية لكل عشرة آلاف مواطن12 في مصر عام1999 مقابل14 لكل من سوريا والاردن, بينما بلغ عدد مواقع الانترنت موقعا واحدا لكل عشرة آلاف موقع, في كل من قطر والاردن وموقعين في السعودية واللافت للانتباه ان مصر تأتي دائما علي مقياس التنمية البشرية ومؤشرات الفجوة الرقمية في الثلث الأخير بين الدول العربية, وبعد دول مجلس التعاون الخليجي ولبنان وعمان وتونس. خلاصة القول إذا كان الاعلام في مصر عاجزا عن التواصل والاندماج مع قطاعي الاتصال والمعلومات فإن هذا الوضع يؤثر بالسلب علي فرص التنمية المتاحة, وعلي القدرة علي الاستفادة من الامكانيات البشرية المتاحة, الأمر الذي يعتبر نوعا من هدر الامكانية, ومثل هذا الهدر لاتتحمل مسئوليته وزارة الاعلام او اجهزة الاعلام المختلفة بل يمثل وجها من أزمة عدم قدرة المجتمع علي حشد وتوظيف ا مكاناته, والخطو بجد واجتهاد وبصيرة نحو انجاز التنمية في عصر العولمة. إننا في حاجة إلي نوعية جديدة من التفكير والعمل الذي يدمج بين الاعلام والاتصال والمعلومات والتنمية, التنمية التي تعتمد علي مفاهيم جديدة ومدخلات وموارد تتفق مع ثورة تكنولوجيا الاتصال والمعلوماتية ووسائل الإعلام الجديد, ومثل هذه النوعية الجديدة من التنمية تستفيد من تجارب ودروس الماضي ومن الآثار السلبية للعولمة وأيضا من المعطيات والفرص الاتصالية والتكنولوجية التي تتيحها العولمة. إن النوعية الجديدة من التفكير والعمل لابد ان تلتزم بأسس العدالة والمساواة والشفافية, مع الحرص علي تقليص الفجوة الرقمية بين الطبقات في مصر, وبين الحضر والريف, وتشجع في الوقت نفسه علي ايجاد اعلام حر وتدفق سريع وحر للمعلومات والاتصالات بعيدا عن قيود الرقابة او الاجراءات البيروقراطية التي تبدو في كثير من الأحيان بدون معني وبدون تأثير حقيقي في عصر عولمة الاعلام وثورة تكنولوجيا الاتصال والمعلومات.
واتصور ان المسألة أكبر من الاعلاميين, كما انها اكبر ايضا من خبراء الاتصال ومن ثم لابد من تشكيل هيئة من خبراء من تخصصات مختلفة تتوافر لديهم المعرفة والخبرة بما يجري في العالم وما تتيحه العولمة من فرص وتحديات علي صعيدي التنمية والاعلام التنموي, كما تتوافر لهؤلاء الخبراء القدرة علي التفكير الابداعي الخلاق الذي اصبح ضرورة امام كل محاولة جادة للتعامل مع العالم الخارجي, والاستفادة من قدرات وامكانيات المجتمع المصري الذي بات يحتل مكانة علي سلم التنمية البشرية اقل بكثير من تاريخه وقدراته وامكانياته المتاحه.
موضوعات أخرى |