تحقيقات

42252‏السنة 126-العدد2002اغسطس12‏3 من جمادى الآخرة 1423 هـالأثنين

الاستاكوزا تهدد أسماك النيل‏!‏

تحقيق‏:‏ إنعام أبو وافية ـ أحمد مهدي
لم يصدق أعضاء البعثة العلمية المصرية ـ أنفسهم عندما سمعوا عبارة مافيش فايدة‏!!‏ من خبراء مركز دراسة استاكوزا المياه العذبة بولاية لويزيانا بالولايات المتحدة الأمريكية‏,‏ الذي يعد الوحيد من نوعه في العالم‏,‏ ويصدر مجلة سنوية عن انتشار هذا الحيوان وأبحاثه‏..‏ لكنه عجز تماما عن الوقوف في وجه الاستاكوزا‏..‏ أو القضاء عليها‏!!..‏ وهي ظاهرة انتشرت في نهر النيل مع بداية التسعينيات وتوغلت داخل المجاري والترع والمصارف وامتدت من الاسكندرية إلي أسيوط‏,‏ وقطعت شباك الصيادين‏,‏ وهاجمت الأسماك والضفادع وهددت بهدم نظام الري في مصر‏!!‏
وكان الدرس الأول لأفراد البعثة العلمية التي سافرت خصيصا لمعرفة طرق مكافحة هذا الحيوان الشرس‏,‏ علي حد تعبير الدكتور مجدي توفيق أستاذ البيئة المائية بكلية علوم جامعة عين شمس هو التعايش مع الاستاكوزا بكل عيوبها‏,‏ وعدم محاولة محاربة هذا الكائن لأنه لايمكن القضاء عليه‏,‏ حيث فشلت كل المحاولات في أوروبا وأمريكا لأنه كائن قادر علي الحياة داخل وخارج الماء بالإضافة إلي انه مفترس وسريع التكاثر‏,‏ حيث تستطيع الأم الواحدة للحيوان أن تنتج من‏80‏ ـ‏150‏ بيضة في كل فترة تتراوح‏(‏ من‏7‏ ـ‏8‏ أشهر‏)‏ وخصوبته في مصر أعلي من أمريكا لأن في النيل مواد عضوية أعلي والجو حار‏,‏ وأضاف أن هناك نوعين من الاستاكوزا في النيل أحدهما يدعي وايت كراي فيشي‏,‏ أي الاستاكوزا البيضاء والثاني نوع أحمر وهو المنتشر حاليا في مصر‏,‏ لذلك لابد من تجريم هذه الفعلة الحمقاء التي أتت بهذا الكائن الغريب من بيئته وموطنه فغيرت من طبيعته حتي توحش وأنتشر بطريقة عشوائية‏,‏ والواجب من وجهة نظره هو التعامل مع الأمر الواقع كما حدث في لويزيانا حيث مركز الاستاكوزا هناك‏,‏ وهو حيوان رمي يأكل الحيوان والنبات والسمك الميت وعنده خياشيم ثانوية قادرة علي امتصاص هواء الج
و وتحويله إلي ماء للتنفس ويعيش لمدة شهر ونصف الشهر خارج الماء‏,‏ لذلك يجب التفكير في مزايا هذا الكائن المتعددة‏,‏ حيث تحتوي استاكوزا النيل علي كميات عالية من البروتين‏,‏ وهي صالحة للأكل‏,‏ وهناك طرق وأساليب سهلة لطهوها وإعدادها‏,‏ وهي طعام رخيص‏,‏ ويمكن أكلها وتصديرها وهي أفضل الطرق للحد من مخاطرها علي البيئة لأن فكرة القضاء عليها شبه مستحيلة‏,‏ وأوضح أن ما أشيع حول تشبع جسم الاستاكوزا بالمعادن الثقيلة كلام غير علمي علي الاطلاق ولو كان هذا صحيحا لانتقلت المعادن الثقيلة إلي أسماك البلطي والصحيح أن هذا الكائن يتعامل مع هذه الملوثات بصورة أفضل‏,‏ وأن القشريات الموجودة عليه تكون بمثابة فلتر أو مرشح لهذه المعادن الثقيلة ونحن بالطبع لا نأكل هذا القشر‏,‏ كما أن هذا الحيوان يجري عملية إنسلاخ من‏5‏ ـ‏6‏ مرات سنويا لكي يكبر مثل القشريات‏,‏ وهذا معناه أن الملوثات تستبعد مع القشريات‏,‏ ولاتدخل بداخله واذا وجدت ستكون بالخياشيم أو علي القشر‏,‏ كما أن من ايجابيات هذا الكائن أيضا قدرته علي مهاجمة قواقع البلهارسيا‏,‏ حيث يقوم بتكسيرها وقرقشتها مثل اللب‏,‏ لذا بدأنا مشروعا بالتعاون مع وزارة الصحة لمكافحة البلهارسيا باستخدامه لأنه يوقف دورة حياة البلهارسيا وأضاف أن سلبيات الاستاكوزا خطيرة جدا حيث تستطيع أن تحفر أنفاقا في الطين يصل طول الواحد منها إلي متر ونصف المتر داخل الأرض‏,‏ ومع كثرة الجحور وتزايدها تتحول جوانب الترع والمصارف وأساسات الجسور إلي تربة هشة مما ينذر بكارثة نتيجة تأكل حواف الترع والجسور وهو أمر يهدد نظام الري بالكامل وتظهر نتائجه خلال السنوات القادمة‏,‏ وينفي فكرة القضاء علي هذا الكائن بواسطة المبيدات لأن الاستاكوزا قادرة علي الاختباء داخل تلك الأنفاق المحفورة لمدة تزيد علي شهر ونصف الشهر بدون الحاجة إلي الأكل بعيدا عن المبيدات‏,‏ كما أن لها قدرة علي الخروج إلي البر في المدة نفسها علي أن تعود مرة أخري للنيل بعد زوال الخطر‏,‏ ولذلك فلن تضار من هذه المبيدات سوي أسماك النيل وكذلك الانسان الذي يتغذي علي هذه الاسماك‏.‏

تجفيف منابع النيل‏!!‏
وأضاف أن الأمل الوحيد يكمن في تجفيف النيل من منابعه وترعه ومصارفه وفروعه بالكامل لمدة ثلاثة أشهر حتي يمكن القضاء علي الاستاكوزا وهو بالطبع أمر مستحيل وغير معقول علي الاطلاق‏!‏
ومن جانبه يري الدكتور عبد الله إبراهيم أستاذ البيولوجيا المائية بكلية علوم عين شمس ورئيس الجمعية المصرية للحفاظ علي الثروة السمكية وصحة الانسان أن وجود الاستاكوزا أصبح أمرا واقعا لابد من التعامل معه وهو نوع مستوطن في لويزيانا بالولايات المتحدة الأمريكية وينتشر طبيعيا في البرك والأنهار والقنوات إلي جانب المزارع الخاصة‏,‏ وله سوق كبيرة هناك ويقبل عليه المستهلك نظرا لقيمته الغذائية العالية المشابهة لقيمة الجمبري‏,‏ كما تستخدم قشريات هذا الكائن كعلف للدواجن والأسماك ولها أسواق عالمية في دول كثيرة من العالم‏,‏ لهذا لايجب اعتبار الاستاكوزا أفة ونحن مجبرون علي التعامل معها والتعايش معها لذلك توصلت الجمعية المصرية لتنمية الثروة السمكية والحفاظ علي صحة الانسان بالتعاون مع الجمعية الاكاديمية والاتحاد النوعي للبيئة من عمل جوابي خاصة تسمح بصيد الاستاكوزا فقط وتخرج الأسماك وهي طريقة مثالية أثبتت كفاءتها في مساعدة الصيادين حتي لاتتمزق شباكهم‏.‏
وأشار إلي أن الغزو البيولوجي ليس مقصورا علي الاستاكوزا فقط وانما دخول أنواع حية إلي بيئة لم تكن بها سابق وجود لتلك الأنواع ثم تتحول تلك الأنواع الغريبة إلي مشكلة بيئية كما تعرف في الآفات وناقلات الأمراض أو مسببات الأمراض للانسان والحيوان والنبات‏,‏ أو ظهور صور من التنافس أو الافتراس أو حتي التهجين مع الأنواع المتوطنة‏,‏ مما يسبب الكثير من صور الخلل البيولوجي والأيكولوجي بعيد الأمد‏,‏ الذي قد يفضي إلي العديد من الأثار الضارة علي التنوع البيولوجي‏,‏ وعلي التوازن الطبيعي في الأنظمة الأيكولوجية‏,‏ كما يمكن اعتبار كل نوع غريب غازيا محتملا وحتي يثبت عدم تهديده للتنوع وسلامة البيئة‏,‏ وعليه فإن الغزو البيولوجي علي هذا النحو له أبعاد تاريخية وجغرافية‏,‏ وبيئية‏,‏ ومناخية‏,‏ واقتصادية‏,‏ وصحية بل واخلاقية وثقافية أيضا‏.‏

كيف يتم الغزو البيولوجي؟
وأوضح الدكتور عبد الحليم عبده أستاذ البيئة بعلوم عين شمس أن الحواجز الطبيعية ممثلة في البحار والأنهار والجبال والصحاري كانت تعمل علي مدي آلاف وملايين السنين علي تفعيل الانعزال الضروري للنظم الأيكولوجية‏,‏ وماتضمنه من أنواع حية مميزة لكل منها‏,‏ وظل الحال كذلك حتي عهد قريب‏,‏ وقبل الثورة الصناعية وتقدم الالات ووسائل النقل وتبادل السلع وسرعة الانتقال من بلد لآخر‏,‏ أصبحت تلك الحواجز غير فعالة في فصل الأنواع والنظم الأيكولوجية ـ كما تجمعت العديد من القوي العلمية والعوامل البشرية والتكنولوجية لكي تساعد الأنواع الغربية كي تسافر وتنتقل عبر المسافات البعيدة إلي بيئات جديدة عليها‏,‏ وتستقر فيها مع الزمن وتصبح أنواعا غريبة أو غازية ـ لاسيما في عالم الحيوان الذي تمتلك معظم أنواعه وسائل حركية متنوعة تمكنها من التحرك الذاتي‏,‏ وتخطي الحواجز الطبيعية أحيانا‏,‏ بل وقد تتحرك ضد التيار لتكسب مواقع جديدة وتزيد من انتشارها‏,‏ ومن أشهرها الأسماك والطيور والحشرات التي تركب الهواء وتصل بذلك إلي آفاق شاسعة ولاتعوقها قيود الحدود الحازمة أو الجمارك الصارمة وطرق الحجز المختلفة والتي تكونت في زمن مبكر لكي تحمي الانسان والبيئة من الأمراض والأفات‏,‏ فقد أصبحت وسائل غير كافية لصد جحافل الأنواع الغريبة الغازية‏,‏ والتي تهدد التنوع البيولوجي الوطني‏,‏ وأضاف أنه يشرف حاليا علي رسالة ماجستير تدرس سلوك الاستاكوزا وأثره علي الأنواع المختلفة في المياه العذبة‏.‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية