قضايا و اراء

42237‏السنة 126-العدد2002يوليو28‏18 من جمادى الأولى 1423 هـالأحد

قضية الساعة
الأمم المتحدة بين الغياب والغيبوبة
الأزمة العراقية والموت الإكلينيكي للأمم المتحدة
بقلم : د‏.‏ جمال سلامة علي
خبير في الشئون السياسية للشرق الأوسط

حسب آخر معلوماتي‏,‏ فإن ميثاق الأمم المتحدة لم يلغ بعد‏,‏ وطبقا لما هو وارد في الفقرة الرابعة من المادة الثانية منه‏,‏ فإن علي أعضاء المنظمة الدولية الامتناع عن التهديد باستعمال القوة أو استخدامها ضد سلامة أراض‏,‏ واستقلال أي دولة‏,‏ وعلي ما أتذكر فإن الفقرة السابعة من نفس المادة لاتزال تنص علي أنه ليس في هذا الميثاق ما يسوغ للأمم المتحدة التدخل في الشئون الداخلية لدولة ما‏.‏
لذلك لا نجد أي تفسير لحالة الخرس التي تنتاب المنظمة الدولية إزاء التهديدات المعلنة والمؤكدة من جانب واشنطن تجاه غزو العراق وإسقاط نظام الحكم فيه‏.‏

فقد جدد الرئيس الأمريكي تهديداته المباشرة ضد العراق‏,‏ وأكد أن حكومته ستستخدم كل الوسائل المتاحة للإطاحة بالرئيس العراقي صدام حسين‏,‏ وكشف عن وجود خطة عسكرية وسياسية ومخصصات مالية لتحقيق هذا الهدف ـ مشيرا إلي أن مسألة تغيير نظام الحكم في العراق هي سياسة أمريكية قد تم إقرارها‏.‏ إن ما نشهده الآن لهو قليل ظاهر من كثير خفي‏..‏ فواشنطن لن تكتفي بتغيير نظام الحكم في بغداد‏,‏ ولكنها تستهدف تغيير الخريطة السياسية والجغرافية والديموغرافية للعراق‏,‏ بل ان الخطط والترتيبات التي تزمع أمريكا القيام بها لن تقتصر أثارها التخريبية علي العراق‏,‏ بل ستمتد لتهدد الوحدة الوطنية والسلامة الإقليمية في قلب الخليج العربي وتخومه ـ وقد يصاحب ذلك تغيير في الخريطة السياسية والجغرافية للمنطقة العربية‏,‏ وهو ما يشكل أهم تهديد للأمن والسلم الدوليين في الوقت الراهن‏.‏
ويبدو أنه لم يعد لميثاق الأمم المتحدة أي قيمة تذكر أكثر من قيمة القصاصات التي كتب عليها‏,‏ فالمنظمة التي أنشئت من أجل الحفاظ علي السلم والأمن الدوليين وأدرجت ذلك علي رأس مقاصدها كما جاء بالفقرة الأولي من الميثاق قد بدت منذ بداية ما أسماه بوش الأب بالنظام العالمي الجديد وكأنها ارتضت لنفسها أن تلعب دور المتفرج‏,‏ وهو أقصي دور سمحت به الولايات المتحدة‏,‏ ولم يعد مجلس الأمن يستخدم إلا لتطييب السياسة الأمريكية وإضفاء صفة المشروعية عليها‏,‏ وبذلك كان من المنطقي أن يؤدي فشل وغياب دورها إلي انتقالها من خانة الفعل إلي خانة التراث‏.‏

لقد بدت الأمم المتحدة وكأنها قد أصيبت بالشلل التام وفقدان المناعة‏,‏ فوقفت عاجزة فاقدة القدرة والرغبة علي مقاومة ما يجري من عملية تهميش أمريكي لدورها‏,‏ وسلب سلطاتها والسطو علي وظائفها واختصاصاتها‏,‏ لذلك لم يكن غريبا أن ينعكس هذا العجز والشلل علي أدائها بصدد القضايا التي تشكل تهديدا للأمن والسلم الدوليين‏,‏ رغم ما يصاحبها من سخونة وتصعيد ـ خاصة في الشرق الأوسط حيث الأوضاع التي تعد من أبرز أمثلة حالات تهديد الأمن والسلم الدوليين‏,‏ فقد تراوح موقف الأمم المتحدة بين الغياب والغيبوبة‏.‏
وبعد أن كانت المنظمة تكتفي بلعب دور الحاضر‏/‏ الغائب ـ نجد دورها الآن لا يخرج عن كونه دور الغائب‏.‏

بل اننا لا نبالغ حينما نؤكد علي أن منظمة الأمم المتحدة قد أصبحت في حالة موت إكلينيكي‏,‏ أو كما يطلق عليه الأطباء بموت جذع المخ‏,‏ وقد استبقت الولايات المتحدة الأحداث‏,‏ حتي قبل أن يموت الميت ـ فبدأت في الاستيلاء علي ميراث المنظمة‏,‏ فاستأثرت بالجزء الأكبر من التركة والمتمثل في مجلس الأمن‏,‏ الذي بات منذ ذلك الحين‏,‏ وكأنه إدارة من إدارات وزارة الخارجية الأمريكية‏,‏ وبات عجز وصمت أجهزة المنظمة المعنية بحفظ السلم والأمن الدوليين يعكس حالة غيبوبة الموت التي تنتاب المنظمة التي كانت دولية‏.‏
وكما انهارت عصبة الأمم من قبل‏,‏ فإن مصير الانهيار بات مصيرا محتوما يلقي بظلاله أمام هذه المنظمة المسماة بالأمم المتحدة لتلحق بسابقتها المأسوف عليها عصبة الأمم‏.‏

إن العالم الذي شهد بزوغ نجم هذه المنظمة يشهد الآن أفولها ولم يبق إلا إكرامها وتشييعها إلي مثواها الأخير‏,‏ مأسوفا أو غير مأسوف عليها‏..‏ ولا عزاء للمستضعفين‏.‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية