ثورة يوليو 50 عاما

42232‏السنة 126-العدد2002يوليو23‏13 من جمادى الأولى 1423 هـالثلاثاء

شهادتي للتاريخ
مشهور أحمد مشهور
ملحمة عودة الملاحة لقناة السويس

مشهور احمد مشهور
عقب كارثة العدوان الاسرائيلي في يونيو‏1967‏ ماتت الحياة في المجري الملاحي ومرافق قناة السويس لثماني سنوات كاملة ورغم ان هذا التوقف او الموت الكامل لم يكن الوحيد في سجل القناة منذ بداية عملها إلا ان هذا التوقف بالذات يعتبر جريمة العصر ـ كما سماه واحد من خبراء الملاحة في العالم بان ماجري في القناة خلال سنوات الحرب من‏5‏ يونيو‏1967‏ وحتي‏22‏ اكتوبر‏1973‏ يعتبر بكل المقايس اخطر جرائم القرن العشرين وهي جريمة ارتكبتها اسرائيل في حق العالم كله‏.‏
ويؤكد شهود العيان هذه الجريمة وفي مقدمتهم المهندس مشهور احمد مشهور رئيس هيئة قناة السويس خلال هذه الفترة العصيبة ورجاله الذين شاركوه المسئولية وقتها‏,‏ ان المجري الملاحي للقناة ومنشآت الإدارة في الاسماعيلية والادارات المساعدة في السويس وبورسعيد قد تحولت وقتها الي سلسلة متصلة من الخرائب والاطلال التي لاتصلح لشيء بل لقد تحول‏,‏ المجري الي بحيرة كبيرة للالغام والقنابل من كل الانواع والاحجام‏.‏

اما ضفتا القناة فكانت تحوي علي الاقل مليون لغم بهذه الصورة السريعة ويمكن القول ان عودة الملاحة في القناة كان يحتاج لمعجزة‏.‏
وكما يقول المهندس مشهور احمد مشهور كان تطهير القناة واصلاح منشآتها وبناء وحداتها من جديد ثم عودة الملاحة فيها كان يمثل حقيقة اكبر تحد واجه مصر والادارة المصرية للقناة‏,‏ ولم يكن امامنا جميعا الا ان نقبل التحدي مهما كان حجمه‏.‏

كانت البداية بعد عشرة ايام فقط من توقف القتال حيث جرت اول عملية استطلاع لمعرفة حقيقة ماحدث للقناة وتحدية حجم الخسائر والبحث عن نقطة بداية العمل‏.‏
حقيقة الامر ان الصورة كانت رهيبة‏..‏ فقد اصاب الدمار كل شيء ولم يبق موقع واحد لم يتعرض للتدمير خلال سنوات الحرب الشرسة‏.‏

لقد كانت هناك بداية‏10‏ عوائق كبيرة غارقة بين الكيلو‏9‏ من القطاع الشمالي بالقرب من بورسعيد والكيلو‏158‏ أقصي القطاع الجنوبي عند السويس وكانت هذه العوائق بالفعل تمثل واحدة من اكبر المشاكل للأجهزة وهذه العوائق هي السفينة الاسماعيلية والسفينتان مكه‏2.1‏ والكرامة‏23‏ والقاطرة منجد والكراكة ناصر والقيسون الخرساني والكراكة‏15‏ سبتمبر والقاطرة بارع والناقلة مجد والكراكة‏22‏ ثم كانت هناك‏120‏ قطعة اخري تمثل العوائق المتوسطة وهي عبارة عن صالات ولنشات ومعديات وقطع سيارات عسكرية اضافة الي حوالي‏500‏ عائق صغير من بقايا الطائرات وانفجارات القنابل واجسام حديدية واحجار وكتل خرسانية وغيرها‏.‏
ولعل اكبر العوائق واخطرها كان يتمثل في سد الدفرسوار الخرساني الذي اقامته اسرائيل وسدت به المجري الملاحي في مدخل البحيرات المرة حتي يكون الوسيلة الفعالة لتأمين انسحاب قواتها من الغرب الي الشرق ثم كانت هناك تلال الرمال التي اقامتها قوات اسرائيل علي الضفة الشرقية بطول القناة علي ارتفاع مابين‏18‏ الي‏20‏ مترا‏.‏

بعد ذلك كانت هناك عشرات الالاف من القنابل والالغام واخيرا كانت ارقام الخسائر في منشآت المرفق الملاحي والمعدات البحرية رهيبة وكان علينا ان نبدأ من الصفر‏,‏ وبمعني ادق من تحت الصفر‏.‏
كانت البداية في ديسمبر‏1973‏ حينما بدأت الايدي المصرية في انتشال العوائق والمعدات الغارقة بعد صدور الامر بعودة اجهزة هيئة القناة من مواقع التهجير في القاهرة والاسكندرية وقد استندت هذه العملية للسواعد المصرية بعد ان طلبت الشركات الاجنبية‏50‏ الف دولار عن كل يوم عمل وتقدم فريق الانقاذ البحري ليطلب القيام بكل مسئولية رفع وانتشال العوائق المتوسطة والصغيرة بل والاشتراك بصورة فعالة مع الشركة الامريكية التي ستتولي رفع العوائق الـ‏10‏ الغارقة في القناة‏.‏

ويسترسل المهندس مشهور في حديث الذكريات حول هذه الفترة العصيبة والتحدي الكبير ليقول بعد دراسات طويلة ومناقشات مع هذا الفريق الوطني واستعراضنا لتاريخه في الانجازات البحرية استقر الرأي علي اسناد العملية له وكان اول تكليف لهذا الفريق ـ الذي لم يكن يزيد علي‏25‏ رجلا هو انتشال‏3‏ سفن وناقلات من مدخل القناة الجنوبي لاعداده لدخول سفن التطهير‏..‏ ورغم كل المخاوف في البداية جاءت النتائج سريعة حيث تم انتشال ناقلة المياه الكونجو وسفينة الانقاذ الجمل وقاطرة اخري كبيرة في وقت قياسي أقل من الزمن المتفق عليه وبتكاليف اقل بحوالي مليون و‏200‏ الف جنيه عما كانت تطلبه الشركات الاجنبية وبمعدات اقل مايمكن ان توصف به انها بدائية‏..‏ ثم توالت انجازات الفريق حتي بلغت جملة ماقام هذا العدد البسيط من البشر بانتشاله وحده‏35‏ الف طن من القطع الغارقه تشمل‏120‏ عائقا متوسطا ومابين‏560‏ الي‏600‏ عائق صغير و‏99‏ عائقا من غاطس السويس وحده‏.‏

وفي فبراير‏1974‏ بدأت مشاركة القوات البحرية في عمليات تطهير القناة من الالغام حيث تم تشكيل فريق عمل من‏100‏ رجل من ذوي الكفاءة العالية عاشوا اغرب رحلة في التاريخ مع الالغام والقنابل والصواريخ وقاموا بتنفيذ‏95%‏ من عمليات التفجير تحت الماء او علي الشاطيء وانتشلوا‏420‏ من حطام وبقايا التي دارت عبر وفوق القناة وعاشوا‏180‏ الف ساعة تحت قاع القناة ونفذوا واحدة من اكبر واسرع عمليات التطهير في العالم وفي نفس الوقت يتولي رجال سلاح المهندسين في القوات المسلحة ازالة‏680‏ الفا من كل الانواع خلال اوسع عملية تطهير لضفتي القناة‏..‏ عملية اكدت قدرة الايدي المصرية وارادة الانسان المصري علي مواجهة وقبول التحدي‏.‏ ويتوقف المهندس مشهور برهة ليستريح من ذكريات تلك الايام العصيبة ليعود بعدها قائلا‏:‏ اما ازالة سد المدخر سواء الخرساني الذي كان يمثل قمة الحقد الاسرائيلي فكان وراءها ارادة وتصميم‏200‏ من المهندسين والعمال المصريين المتخصصين الذين بدأوا العملية ولم يكن هناك قطعة واحدة من معدات الهيئة صالحة للعمل ولكنهم رددوا وقتها شعارا حولوه من خلال العمل إلي حقيقة وهو أننا سنزيل هذا العائق الخطير حتي ولو استخدمنا اظافرنا لأنه كان يمثل العائق رقم‏1‏ في القناة والذي كان يتكون من‏8‏ الاف متر من الاتربة والاحجار فوق منسوب المياه و‏12‏ الف كتلة خرسانية زنة الواحدة‏4‏ اطنان و‏3504‏ كتل حجر طبيعي تصل زنة الواحدة منها اكثر من‏5‏ اطنان و‏19‏ الف متر من الصالات الحديدية المحملة بالاحجار امن هنا كانت اعادة المجري الي حالته الطبيعية عملية غاية في الصعوبة واستطاع الرجال بقيادة احد خبراء القناة العظام وهو المرحوم المهندس شلبي جابر بركات باستخدام ماتيسر حشده من معدات في تلك الظروف العصيبة‏,‏ وخلال مالايزيد علي‏6‏ شهور ان يحولوا هذا السد المنيع الغريب في ذلك الوقت الي تلال من الخرسانة والخردة علي الشاطئ الغربي في القناة بتكاليف لم ترد وقتها علي‏238‏ الف جنيه وقمنا وقتها ببيع الخردة الناتجة بحوالي‏100‏ الف جنيه اي ان التكاليف الحقيقية لم تزد علي‏138‏ الف جنيه وحقق الرجال بذلك وفرا‏4‏ ملايين جنيه كانت ستتقاضاها الشركات الاجنبية لو نفذت المشروع‏!‏ ويضيف رئيس هيئة القناة الاسبق والذي تحمل قيادة هذه الملحمة التاريخية قائلا‏..‏ اذا كنت قد اسهبت في سرد الدور المصري في هذه الملحمة فلابد ان اذكر ان‏3‏ من دول العالم وهي في الواقع اكبر دول الغرب من حيث القوة العلمية والخبرة العملية في مجال الكشف عن الالغام والقنابل والبحث عنها وتفجيرها واعني بها امريكا وفرنسا وبريطانيا التي قدمت لمصر كل ماعندها من المعدات الالكترونية المتقدمة للعمل في هذه المجالات واستطاعت مع القوات البحرية المصرية وسلاح المهندسين المصري ومن خلال‏3‏ عمليات خطيرة هي قمر السحاب وقمر الارض ونجم قمر الأرض خلال شهور قليلة ان تعلن للعالم ان قناة السويس هي أنظف مجري ملاحي في العالم‏.‏ ويختتم المهندس مشهور أحمد مشهور حديثه عن الملحمة التي سطرها ابناء ثورة يوليو‏..‏ وعودة الملاحة في القناة قائلا‏:‏ دعني اذكر ان حجم خسائر العالم خلال مرحلة توقف الملاحة في القناة وخلال ثماني سنوات بلغ مايعادل‏1700‏ مليون دولار سنويا تحملتها الدول التي تعتمد علي قناة السويس‏.‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية