الكتاب

42146‏السنة 126-العدد2002ابريل28‏15 من صفر 1423هــالأحد

إبراهيم عيسي وأعماله الكاملة
بقلم‏:‏ فاروق شوشة

شكرا للشاعر أحمد سويلم الذي حرص علي القيام بوصية صديقه الشاعر ابراهيم عيسي عندما اشتدت به العلة في شهوره الأخيرة طالبا منه أن يتولي طبع أشعاره الكاملة ولم يكن قد نشر له في حياته إلا ثلاثة دواوين هي‏:‏ كلنا عشاق‏1989,‏ حبيبي عنيد‏1989,‏ شراع في بحر الهوي‏1990‏ لكن القصائد المخطوطة لابراهيم عيسي كانت تفوق ما سبق نشره في هذه الدواوين لذا فقد قام أحمد سويلم بتصنيفها وتبويبها وتقسيمها ـ موضوعيا ـ في أربعة دواوين أخري هي‏:‏ علي شاطئ النور من هموم العمر‏,‏ من حكايا القلب‏,‏ أنا والشعر والوطن‏,‏ وبهذا أصبحت مجموعة أعماله الكاملة تضم سبعة دواوين صدرت في مناسبة الذكري الأولي لرحيله‏.‏
وشكرا للدكتور سمير سرحان ـ رئيس الهيئة المصرية العامة للكتاب ـ الذي بادر الي الموافقة علي نشر هذه الأعمال تقديرا منه للشاعر وشعره وللدور الذي قام به ـ في حياتنا الأدبية والشعرية ـ قرابة قرن من الزمان كان في العقود الأخيرة منه رئيسا لجمعية شعراء العروبة‏,‏ ممثلا لأن لجنة الشعر بالمجلس الأعلي للثقافة‏.‏

في موسوعة أعلام الفكر العربي أن الشاعر ابراهيم عيسي ولد في‏19‏ فبراير سنة‏1927‏ بحي الدقي ثم انتقلت الأسرة الي حي روض الفرج بعد مولده بسبع سنوات مما أتاح للشاعر ان يتمثل في تكوينه الروح المختلفة في حي كان يميل الي الأرستقراطية وحي يميل الي الطابع الشعبي‏.‏ حصل ابراهيم علي الشهادة الابتدائية عام‏1938‏ والشهادة الثانوية عام‏1943‏ وخلال هذه السنوات تفتحت مواهبه بعد ان اتيحت له قراءة أمهات كتب الأدب والتراث وشعر كبار الشعراء القدامي من امثال المتنبي والبحتري والشريف الرضي وشاعر العصر الحديث أحمد شوقي لكن اكثر ميله وانجذابه كان الي شاعري الرومانسية الكبيرين علي محمود طه و ابراهيم ناجي‏.‏
التحق ابراهيم عيسي بكلية التجارة ـ جامعة فؤاد ـ وحصل علي شهادتها عام‏1949‏ عمل بعدها موظفا في بنك مصر حتي عام‏1961‏ ثم انتقل للعمل بجباسات البلاح وفي عام‏1974‏ أصبح مديرا لإدارة التفرغ بوزارة الثقافة وهو المنصب الذي ظل يشغله حتي إحالته الي المعاش عام‏1987‏

نشر ابراهيم عيس أولي قصائده ـ وكانت قصيدة وطنية ـ عام‏1948‏ ثم تابع نشر شعره في العديد من الصحف والمجلات ـ المصرية والعربية ـ منذ ذلك التاريخ وحتي رحيله في الأول من ديسمبر عام‏2000‏ عن ثلاثة وسبعين عاما‏.‏ وبالرغم من وفرة ابداعه الشعري وعدم انقطاعه عن الكتابه فإنه لم يفكر في نشر شعره في دواوين الا في زمن متأخر وهو في الثانية والستين من العمر عندما نشر في عام واحد هو عام‏1989‏ ديوانيه‏:‏كلنا عشاق وحبيبي عنيد استجابه لإلحاح عدد من أصدقائه الشعراء والنقاد والدارسين واقتناعا منه بأن النشر المتفرق لقصائده‏-‏ في الصحف والمجلات ـ لا يتيح لقارئها رؤية متكاملة لعالمه الشعري‏.‏
الذين عرفوا ابراهيم عيسي عن قرب ـ كما عرفته ـ أتيح لهم ان يعرفوا شاعرا من طراز فريد شعره لا ينفصل عن حياته وحياته لا تنفصل عن شعره والتداخل بين الاثنين‏:‏ الشعر والحياة يجعله يخلط بينهما ويضطرب كثيرا في التعامل مع الناس عندئذ يثور وينفعل ويخرج عن هدوئه السمح وشفافيته الندية ورقته الآسرة وكأنه عاصفة خرجت من إهابه الهادئ حين تصدمه تقلبات الدنيا وغدر الأصدقاء والإخوان وهو الذي يوشك ان يكون طفلا في وداعته صوفيا في وفائه وصفائه ورحابة قلبه وروحه وإنسانيته الفياضة الغامرة‏.‏
رأيته لأول مرة في دمشق عام‏1961‏ كانت المناسبة مشاركته‏-‏ ضمن شعراء مصر الكبار ـ في مهرجان الشعر العربي الذي اقيم في شهر سبتمبر من ذلك العام وكنت موفدا من الاذاعة المصرية لتسجيل وقائع المهرجان لإذاعة البرنامج الثاني البرنامج الثقافي الآن كان ابراهيم وقتها في أوج شبابه وتألقه ونضارته وتدفق روحه المرحة وجمال معابثاته مع رفاقه من الشعراء ومعارفه من الأدباء ولاحظت أن الشاعر صلاح عبد الصبور يختصه بمودة وتقدير واضحين وأن أحمد رامي وصالح جودت دائما المشاكسة له لاستثارته من أجل سماع تعليقاته اللاذعة التي يسوقها دوما في لغة أدبية عفة وصياغة بيانية بديعة‏,‏ ورأيت قدر سعادته وهو يستمع الي صلاح عبد الصبور يلقي قصيدته في المهرجان‏,‏ كانت قصيدة عمودية نزولا علي قرار العقاد ـ مقرر لجنة الشعر بالمجلس الأعلي للفنون والآداب في ذلك الحين ـ ووساطة يوسف السباعي لحسم الخلاف بين العقاد من ناحية وشعراء الشعر الجديد أو الشعر الحر من ناحية ثانية حتي لا تفوتهم المشاركة في مهرجان دمشق‏.‏ كان صلاح يلقي قصيدته الرحلة وهي قصيدة بديعة تصور علاقة الشاعر بالابداع او الحلول الشعري يقول في مستهلها‏:‏

الصبح يدرج في طفولته
والليل يحبو حبو منهزم
والبدر لملم فوق قريتنا
أستار أوبته ولم أنم
جام وابريق وصومعة
وسماء صيف ثرة النعم

وابراهيم عيسي الي جانبي يتمايل ويهتز اعجابا وهو يصيح‏:‏ الله الله يا صلاح‏!‏ ولم يكن الإعجاب بالقصيدة وحدها وإنما بالموقف الذي جعل الشاعر ـ وهو أحد رواد شعر التفعيلة ـ يلقي قصيدة عمودية لأن العقاد بسطوته واعتداده يرفض الاعتراف بهذا الشعر ويري تحويله الي لجنة النثر‏,‏ ويبدو ان موقف ابراهيم عيسي نفسه من هذا الشعر الجديد ـ كان قريبا من موقف العقاد ـ فهو لم يكتبه قط وكان يري ان الشعر العمودي يتسع لكل ما يريد الشاعر ان يقول وإن كان هذا الموقف لم يمنعه من مصادقة كثير من شعراء الشعر الجديد وفي مقدمتهم صلاح عبد الصبور نفسه والاعجاب ـ أحيانا ـ بما يبدعونه من قصائد لكن عشقه الوحيد والأثير ظل للقصيدة في إطارها العمودي وكان هذا موقفه حتي اليوم الأخير من حياته‏.‏
في لجنة الشعر بالمجلس الأعلي للثقافة وفي لجنة النصوص الغنائية بالاذاعة ـ علي مدار سنوات متعاقبة ـ ازدادت علاقتي بابراهيم عيسي عمقا وامتدادا وأصبحت صداقتنا واحة ظليلة في هجير عصر متقلب افسد الناس وأفسدوه لكن هذه الصداقة التي لم تشبها شائبة واحدة‏-‏ من نرجسية مريضة او ادعاء زائف أو تضخم للذات ـ ظلت ملاذا ومأوي وحوارا جميلا بهدف البحث عن الأجمل والأنقي والأبقي‏.‏ كانت ذائقة ابراهيم وحساسيته تمكنانه من التقاط الجمال والحماس له والتبشير به‏,‏ ولقد شهدته كثيرا في دهاليز الاذاعة ومكاتبها وهو يحتضن صوتا أدبيا بازغا ويدفع به الي مشارف الضوء من خلال توثيق علاقته بالبرامج الأدبية والثقافية وتقديمه بنفسه الي أصدقائه من العاملين في الاذاعة والتليفزيون‏.‏ لا يكل ولا يمل‏.‏ وهو الذي يستحي ان يقوم بشئ من هذا لنفسه لكنه من اجل صوت جديد او موهبة جديدة ينسي نفسه ويظل يطالب ويلح‏.‏ وليت بعض هؤلاء الذين حملهم ابراهيم علي كتفيه وسعي من اجلهم ليله ونهاره قدروا له هذا الصنيع فلم يكد بعضهم يصل الي بغيته حتي أدار ظهره لابراهيم متعاليا عليه وعلي شعره‏,‏ ويتجرع ابراهيم مرارة التنكر ويواصل مسيرته ـ نازفا ـ دون ان يحس بمعاناته احد‏.‏ وقد
كنت أشارك شقيقه الأصغر ـ الاذاعي الكبير علي عيس ـ في مكتب واحد بإذاعة البرنامج العام لسنوات طويلة أتيح لي من خلال تردده علي شقيقه ومشاكساتهما المستمرة ـ فقد كان علي ينتحل لنفسه بعض شعر ابراهيم ليقدم نفسه الي الناس شاعرا وابراهيم يقابل الأمر بالبشاشة والتندر ولا يبخل علي شقيقه الأثير وأقرب الناس اليه وجدانا وعقلا بأغلي ما يمتلكه وهو شعره بشرط الا يسرف في هذا الانتحال وان يعترف في الوقت المناسب بأن هذا الشعر الذي نسبه لنفسه هو استعارة مؤقته من أخيه الأكبر الشاعر الحقيقي ابراهيم‏.‏
هل جنت رومانسية علي محمود طه وابراهيم ناجي والهمشري والشابي وغيرهم علي ابراهيم عيسي فجعلته ـ في كثير من الأحيان ـ يمشي في طرق عبدوها من قبل ويتنفس أريجا سبق لهم التوقف امام زهوره وعطوره ويبحر في سفن نشروا أشرعتها وغامروا بها في آفاق روحية بعيدة أم أن طبيعته ـ الشديدة الرقة والحساسية والتوتر والاهتزاز ـ كانت من هذا النسيج الرومانسي نفسه الذي نطالعه دوما في الموقف الشعري والمعجم المقترن به واللغة الفراشية المهومة وتراسل الحواس وتجسيد المعنويات والذهول والانسحاق في محراب المحبوب واقتران المعجم الديني الروحي بالعاطفي كما فعل الشابي في صلواته في هيكل الحب وكما فعل ناجي في عودته

هذه الكعبة كنا طائفيها
والمصلين صباحا ومساء
كم سجدنا وعبدنا الحسن فيها
كيف بالله رجعنا غرباء

وواصل ابراهيم عيسي طقوس المشهد وتجليات المعبد وهو يقول في قصيدته الجميلة التي لحنها رياض السنباطي وتغنت بها وردة‏:‏

لا تقل لي ضاع حبي من يدي
يا حبيبي أنت أمسي وغدي
فترفق لا تحطم معبدي
إن في عينيك همس الموعد
لا تدعني أشتكي طول الطريق
ثم أغفو فوق وهم كالحريق
كغريق مستجير بغريق
ان قلبي بعد ان ذاق الرحيق
لا يفيق
يا حبيبي

حتي عندما أبدع علي محمود طه قصيدته ميلاد شاعر و الله والشاعر كان ابراهيم عيسي يشارف الأفق نفسه ويطرح العديد من الاسئلة الوجودية والكونية ـ التي لا اجابات لها ـ والتي شغل بها من قبله علي محمود طه وتدفقت عذوبة ابراهيم عيسي وهو يقول في قصيدته الشاعر والزمان

وتلتفت الأرض نحو السماء
وتسأل‏:‏ ماذا بها من بشائر
لمن ضجة العرس فوق النجوم
لمن في السماء تدق المزاهر
فغرد صوت الخلود ونادي
حنانك واستلهمي كل طائر
وبشراك يا ارض إن السماء
تزف الغناء لميلاد شاعر‏!‏

‏***‏
وسار الي الناس قلبا يغني
ويحمل بين يديه كتابه
يترجم بالشعر همس النفوس
ويعزف بين الحنايا ربابه
وينساب أغنية للحياة
ويفتح للنور والحب بابه
ويرجو الزمان حنان الأمان
فما فيه وحش وما فيه غابة‏!‏

ان صدور الأعمال الكاملة لابراهيم عيسي ـ عن الهيئة العامة للكتاب ـ بجهد احمد سويلم وتقديمه يتيح لقراء الشعر ان يعرفوا هذا الشاعر المخلص لفنه ونهجه الشعري وانسانيته معرفة اشمل واعمق ويتيح لنا ـ نحن الذين صادفنا في تقلبات الزمان والناس ـ بعض مرارته أن نري كيف عالج ذلك كله بالشعر العذب الجميل والغناء الصافي البديع والتأمل الطليق في الناس والحياة والكون عاشقا ومناضلا وصوفيا وقبل ذلك كله إنسانا يقطر صفاء ونقاء وعذوبة‏.‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية