الكتاب

42145‏السنة 126-العدد2002ابريل27‏14 من صفر 1423هــالسبت

من الذي يدفع للزمار؟
بقلم‏:‏ عادل حمودة

كان يؤمن بأن المفكر هو سفير الكلمات الجميلة التي عليها أن تواجه القبح‏..‏ وتزيل الملح‏..‏ كان يؤمن بأن عدالة توزيع الخبز يجب أن تسبق عدالة فرض القانون‏..‏ كان يؤمن بأن السلطة عادة سيئة يمارسها الانسان‏..‏ ولا يقدر علي التخلص منها‏..‏ كان يؤمن بأن توقيع اتفاقيات الهدنة مستحيل بين الجلاد والضحية‏..‏ بين الديناصور وزهرة برية‏,,‏ بين الثروة وعرق الطبقة البروليتارية‏.‏
لكن‏..‏ هنري كوريل لم يحتفظ بأفكاره لنفسه‏..‏ لم يتركها تأكل بعضها البعض‏..‏ ولم يلفها في سجائر التبغ السوداء التي كان يدخنها بشراهة‏..‏ ولم يضعها فوق رف مكتبته لتعاني مرض العنوسة‏..‏ وهو مرض ثقافي شهير قبل أن يكون أزمة اجتماعية مزمنة‏..‏ لقد راح ذلك المفكر اليهودي الذي عاش في مصر سنوات طويلة يؤسس تنظيمات الحركة الشيوعية في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية‏..‏ وهي فترة كانت في حالة فوران تحتك فيها الأفكار والتيارات والقوي والمصالح ببعضها البعض‏..‏ وتصطدم أحيانا‏..‏ لتحدث من أثر ذلك شحنات من طاقة التجديد في عقول أجيال كانت جديدة في تلك الأيام‏.‏

ولا يمكن الشك في أن التنظيمات الشيوعية التي أسسها هنري كورييل كانت لا تقل قوة عن تنظيمات جماعة الأخوان المسلمين التي أسسها حسن البنا‏..‏ وقد كان مطلوبا التخلص منهما معا‏..‏ وربما كان مثيرا للدهشة أن الرجلين رحلا عن دنيانا بالاغتيال‏..‏ قتل حسن البنا في القاهرة‏..‏ ووجد هنري كورييل جثة هامدة في مصعد بيته في باريس‏..‏ ولوكان العنف الرسمي البدني سببا مباشرا للتخلص من التنظيمات الدينية فان فيروسات الشك وهواجس الريبة وعقدة الاتصال بأجهزة الأمن كانت أسبابا قوية لتفتيت التنظيمات اليسارية‏.‏
لقد روي هنري كورييل فيما نشر عنه‏:‏ إن الشيوعيين المصريين كانوا مصابين بمرض نفسي وسياسي مثير للشفقة وهو أن كلا منهم كان يتصور نفسه مناضلا وحيدا في محيط من الرفاق المخبرين المدسوسين عليه‏..‏ إن هناك قصة شهيرة تؤكد ذلك‏..‏ لقد غادر عضو في تنظيم شيوعي سري شقة كان فيها رفاقه يواصلون اجتماعهم‏..‏ وراح يهبط السلالم في حذر تعود عليه‏..‏ ولكن ما ان وصل الي باب البيت حتي لمح البوليس السياسي قادما للقبض علي التنظيم‏.‏ ورغم ان فرصته في النجاة كنت مؤكدة ورغم أن نجاته كانت ضرورة للحفاظ علي التنظيم ورعاية أعضائه وأسرهم إلا أنه خشي أن يتهم بأنه هو الذي وشي بهم فراح يصعد السلالم بسرعة ليقبض عليه هو أيضا‏..‏ وهكذا‏..‏ قضي علي التنظيم بسهولة‏..‏ وبضربة واحدة‏..‏ وبذرة شيطانية خبيثة زرعت في تربة التيارات اليسارية ولم تثمر الا التشهير والتفكك والايمان بالخرافات والحكايات الملفقة‏.‏

لكن‏..‏ الحركة الشيوعية لم تنته في العالم لنفس السبب الساذج الذي أجهز عليها في مصر وجعلها عاجزة عن مد جسورها الي اجيال جديدة كانت قادرة علي ان تجدد دماءها وتمنحها الحيوية وتخلصها من متاعبها النفسية‏..‏ كانت الحركة الشيوعية في العالم في حاجة الي مدفعية رأسمالية ثقيلة للقضاء عليها‏..‏ وهي مدفعية كانت من طرز وعيارات مختلفة لتناسب الحرب التي تقاتل فيها‏..‏ الحرب الباردة‏.‏
لقد وصفت الحرب الباردة بأنها حرب ولا كل الحروب‏..‏ فهي لم تشهد طلقة رصاص واحدة ساخنة بين طرفيها الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي‏..‏ وانما شهدت طلقات رصاص من نوع مختلف‏..‏ الدعاية‏..‏ التشهير‏..‏ اصطياد الجواسيس‏..‏ وتوسيع مناطق النفوذ‏..‏ واستقطاب الدول الصغيرة‏..‏ استخدام الفيتو في الأمم المتحدة‏..‏ التصريحات السياسية النارية والمثيرة للأعصاب‏..‏ لكن‏..‏ كانت هناك دائما خبايا وخلايا خافية تحت السطح‏..‏ بدأت تكشف أوراقها‏..‏ ورقة ورقة‏..‏ ولعل أخطرها وأكثرها اثارة ما جاء في كتاب الحرب الباردة الثقافية الذي كتبته فرانسيس سوندرز ونشر في نيويورك قبل عامين وترجمه لحساب المجلس الأعلي للثقافة طلعت الشايب وقدمه الدكتور عاصم الدسوقي‏.‏

وفرانسيس سوندرز باحثة وكاتبة قصة ومخرجة أفلام تسجيلية بريطانية تعيش في لندن‏..‏ ولدت في عام‏1966‏ ودرست الادب الانجليزي في جامعة أكسفورد التي تخرجت فيها عام‏1987..‏ في عام‏1993‏ قرأت مقالا عن علاقة المخابرات المركزية‏(‏ الأمريكية‏)‏ بمدرسة نيويورك للفنون التشكيلية‏..‏ وتساءلت عن العلاقة بين الظلال والألوان وبين جواسيس المعاطف والخناجر؟‏..‏ بين الابداع الراقي وبين المؤامرات الخفية؟‏..‏ فراحت لمدة سنة كاملة تتابع القصة وتحفر في تربتها لتصل الي جذورها وأثمر بحثها عن برنامج تليفزيوني خرج للنور بعنوان الأيدي الخفية ــ الفن والمخابرات المركزية‏..‏ عرضته القناة الرابعة في بريطانيا‏..‏ وكان مادة أولية لكتابها‏.‏ ورغم نجاح البرنامج فان مصيره مثل مصير غيره مما يبث علي الهواء‏..‏ النسيان‏..‏ فكان أن قررت أن تكتب لبرنامجها الخلود وتحوله الي كتاب‏..‏ علي أنها لم تكتف بما كان لديها وإنما واصلت البحث ثلاث سنوات أخري عثرت خلالها علي وثائق مذهلة وراجعتها مع مسئولين وعملاء سابقين في المخابرات المركزية‏..‏ ثم كان هذا الكتاب الذي نشرته في بلادها أول مرة بعنوان‏:‏ من الذي يدفع للزمار؟‏..‏
إن الجملة الأولي في الكتاب لوليم كونجريف‏:‏ أعرف أن ذلك سر‏..‏ لأنهم يتهامسون به في كل مكان‏..‏ وهي جملة موحية‏..‏ فالكل كان يعرف أن كثيرين من الأدباء والفنانين والصحفيين في كل أنحاء الدنيا كانوا يعملون في خدمة المخابرات المركزية‏..‏ لكن‏..‏ لا أحد كان يملك الدليل‏..‏ لا أحد يقدر علي أن يعلق الجرس في رقبة سمكة القرش المتوحشة‏..‏ علي أنه عندما سقط حائط برلين وسقطت معه الامبراطورية الشيوعية خرجت من تحت الركام والأنقاض حقائق مذهلة تصور أصحابها أنهم لن يحاسبوا عليها إلا يوم القيامة‏.‏

لقد ولدت المخابرات المركزية في أعقاب تحطيم الأسطول الأمريكي في بيرل هاربو بهجمات الطيران الياباني في عام‏1941..‏ كان اسمها في البداية مكتب الخدمات الاستراتيجية‏..‏ وكانت مهمته هو تجميع كل ما يصل من معلومات الي أجهزة الاستخبارات المختلفة لتلافي التناقضات وليكون القرار مركزيا‏..‏ وكان أعضاء هذا المكتب من أبناء الصفوة الحاكمة وكان كل منهم يحمل حقيبة صغيرة بها مسدس وقنبلة يدوية وعملات ذهبية وحبة سيانيد تقتله في غمضة عين‏..‏ أما شعاره فكان‏:‏ لا مكان للاخلاق‏..‏ كل شيء مباح‏..‏ لكن‏..‏ ما أن انتهت الحرب حتي ألغي الرئيس الأمريكي وقتها هاري ترومان هذه المنظمة السرية الملوثة بالعمليات القذرة قائلا‏:‏ إنه لا يريد شيئا يشبه الجستابو‏..‏ جهاز المخابرات الشرس في ألمانيا النازية‏.‏
علي أن عالم ما بعد الحرب الذي بدأ بهزيمة الفاشية سرعان ما أفرز صراعا جديدا بين الرأسمالية والشيوعية فعادت أمريكا لمنظمتها القذرة القديمة‏..‏ وخرجت للوجود وكالة المخابرات المركزية في يوليو‏1947‏ ــ التي وصفت بالفيل الهائج الذي يدمر ساحة السياسة العالمية المعشبة ــ لتتولي قيادة أركان الحرب الباردة بكلة أسلحتها الدعائية والسرية والسياسية والثقافية‏..‏ لقد أصبح الكتاب والفيلم والأغنية والصحيفة والقصيدة ــ بكل ما فيها من رقي وسمو ــ أسلحة قتال‏..‏ ووسائل للتصفية الفكرية والعقلية‏..‏ وتحول المبدعين والمثقفين والرسامين والنحاتين والموسيقيين والمغنيين والزمارين والطبالين في تلك الأيام الي مقاتلين مرتزقة بالريشة واللون والقلم والكاميرا وديوان الشعر وخشبة المسرح‏..‏ وكان منهم للأسف أسماء ونجوم لامعة مؤثرة يمشي وراءها الناس كالمنومين بالسحر‏.‏

وقد بدأت حرب المخابرات الثقافية عندما افتتح السوفيت مركزا ثقافيا في برلين الشرقية‏..‏ وكانت الرسالة السوفيتية عبر هذا المركز تصوير الولايات المتحدة كصحراء ثقافية‏..‏ مجرد دولة تعيش علي مصانع اللبان وقيادة السيارات المتهورة والجريمة المنظمة‏..‏ وهو ما أزعج الأمريكيون فكان أن سارعوا بافتتاح مراكز ثقافية في مختلف بلاد العالم لتقديم صورة الحلم الأمريكي بمختلف ملامحها التي حاولت هوليوود تصديرها عبر أفلامها‏..‏ صورة السيارة الكاديلاك وجوارب الفتيات القصيرة والهولاهوب وخلاطات الأطعمة وابتسامة سندوتش الهامبرجر علي وجهات التي تبيعه‏..‏ صورة مجتمع الوفرة‏..‏ هاديء البال‏.‏
وفي ديسمبر من العام نفسه تولت ادارة الخدمة السرية في وكالة المخابرات المركزية ــ وهي الادارة المسئولة عن الانقلابات والاغتيالات في الخارج ــ مسئولية النشاط الثقافي‏..‏ وحصلت علي حق تمويل الكتب السياسية والمجلات الثقافية والشبكات التليفزيونية والصحف اليومية والمعارض الفنية دون تقديم مستندات تكشف دورها او تدل علي بصماتها‏..‏ وكانت تؤمن بأن الكذبة تسافر حول العالم بسرعة البرق بينما الحقيقة لا تزال تلبس نعليها بعد‏..‏ ان الدعاية البارعة يمكن أن تنسي الناس الحقيقة مهما تكن ساطعة‏..‏ إنها أشبه بفرض الظلام وقت الظهيرة‏..‏ إنها حرب نفسية تشعل صراعا علي عقول واردات البشر‏..‏ وتفرض هذه الحرب مساحة شاسعة من السرية‏..‏ إن السرية لازمة لهذا العمل لزوم الرداء الكهنوتي والبخور المقدس للكنيسة أو لزوم الظلام وحبس الأنفاس لجلسات تحضير الأرواح‏.‏

وحتي يكون الغطاء مناسبا‏..‏ شكلت المخابرات المركزية في مايو‏1949‏ اللجنة القومية من أجل أوروبا الحرة لمواجهة النشاط السوفيتي في دول حلف وارسو التي خضعت لنفوذ جوزيف ستالين‏..‏ وكان بين أعضاء اللجنة‏:‏ المخرج والمؤرخ السينمائي سيسيل دي ميل‏..‏ ونجم سينمائي متوسط الموهبة هو رونالد ريجان الذي أصبح رئيسا للولايات المتحدة مرتين فيما بعد‏..‏ والدكتور هنري كيسنجر اشهر من تول وزارة الخارجية الامريكية فيما بعد كان هؤلاء يراجعون المسرحيات التي ستعرض في المراكز الثقافية الأمريكية الخارجية‏..‏ كان عليهم أن يرفضوا مسرحية يوليوس قيصر لوليم شكسبير لأنها تمجد الديكتاتورية‏..‏ وكان عليهم أن يرفضوا نشر رواية ليو تولستوي الجثة الهامدة لأنها توجه نقدا اجتماعيا لا يخدم الرأسمالية‏.‏ وكانوا وراء حرمان الشاعر الشيلي بابلو نيرودا من جائزة نوبل عام‏1964..‏ ولم يفز بها إلا في عام‏1971‏ حين كان سفيرا في فرنسا لحكومة سلفادور الليندي الديمقراطية والتي انتهت باغتياله بواسطة عملاء المخابرات المركزية‏..‏ لكنهم تحمسوا لعرض مسرحية الملك لير لوليم شكسبير لأنها تكشف ضعف السلطة عندما تتنازل عن الثروة‏.‏
وكانت هناك منظمة أخري هي منظمة الحرية الثقافية التي كان يديرها رجل المخابرات مايكل جوسلسون وكانت لها فروع في‏35‏ دولة مولت هذه المنظمة نشر أشهر المجلات الثقافية علي الاطلاق‏..‏ وكان عددها‏20‏ مجلة‏..‏ مثل كومنتري ونيوليدر وبارتيزان ريفيو وساينس أند فريدم وانكاونترا‏..‏ كما أنها أقامت المعارض الفنية ومنحت الجوائز السخية‏..‏ والمذهل أن أبرز المفكرين الذين أثروا فينا كانوا كتابا ومحررين في هذه المجلات مثل أرنولد توينبي الذي يوصف بمؤرخ القرن العشرين‏..‏ وبرتراند راسل الفيلسوف البريطاني الذي عرف بأنه رسول الحرية‏..‏ والروائي الشهير أرنست همنجواي الذي كان الأكثر وضوحا‏..‏ فقد كان يعمل مراسلا في جبهات القتال بالتعاون مع أجهزة المخابرات العسكرية الغربية‏..‏ لكن برغم ذلك فانه لم ينج من مراقبة مكتب التحقيقات الفيدرالية وتسجيل مكالماته التليفونية ولقاءاته الشخصية والغرامية‏..‏ وهو ما أصابه بالاكتئاب‏..‏ وكان الاكتئاب بداية طريقه الي الانتحار‏.‏

وبجانب التمويل الخفي للمخابرات المركزية لعمليات غسيل المخ الثقافية كانت هناك مؤسسات حقيقية وليست وهمية تسهم في التمويل‏..‏ مثل مؤسسة فورد‏..‏ ومؤسسة روكفلر‏..‏ ومؤسسة كارنيجي بخلاف‏170‏ مؤسسة أخري‏..‏ وكانت مؤسسة فورد وحدها في نهاية الخمسينات قد حققت أكثر من‏3‏ بلايين دولار فائضا وكان كل ما تنفقه في مجالات الدبلوماسية الثقافية يخصم من الضرائب‏.‏
وقد مولت وحدها نشر طبعات رخيصة من روايات جورج أورويل وهنري ميللر وهي روايات تواجه بضراوة الديكتاتورية الشيوعية‏..‏ وكان عائد كل منهما من بيع هذه الروايات المتواضعة القيمة لا يقل عن‏10‏ ملايين دولار‏..‏ وهو رقم يغري لينين شخصيا بتغيير أفكاره علي حد قول ألن دالاس مدير المخابرات المركزية في الخمسينيات‏..‏ وقد بقيت هذه المؤسسات التجارية والصناعية تشارك في تمويل أنشطة خارجية مثل الجمعيات الأهلية‏..‏ وجمعيات المجتمع المدني‏..‏ وفي الوقت الذي أنهت فيه المخابرات المركزية سيطرتها الثقافية والفنية والابداعية بسبب سقوط الامبراطورية السوفيتية التي كانت تصفها بامبراطورية الشر وجدناها تعيد الكرة من جديد في امبراطورية الشر الجديدة وهي التنظيمات والجماعات التي تصفها بالارهاب‏..‏ مع أنها في يوم من الأيام ــ أثناء تبنيها لجماعات الجهاد في أفغانستنان ــ أنفقت ما يزيد علي‏500‏ مليون دولار علي أنشطة دعائية ثقافية وصحفية وسياسية تروج للدفاع عن الاسلام والجهاد في سبيل الله وضد الكفار والملحدين والشيوعيين‏.‏

لكن‏..‏ الشيوعية لن تسقط بالأنشطة الثقافية والفنية المضادة للاتحاد السوفيتي‏..‏ كان هناك في داخل الكيان السوفيتي ورم سرطاني سببته الديكتاتورية والفاشية وعمليات قمع المعارضين والمبدعين‏..‏ وقد راح هذا الورم يكبر‏..‏ ويكبر‏..‏ وينتقل من مكان الي مكان في الجسد المترامي الأطراف حتي سقط الجسد متهالكا‏..‏ وهي قصة أخري تستحق الانتظار‏.‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية