قضايا و اراء

42120‏السنة 126-العدد2002ابريل2‏19 من المحرم 1423هــالثلاثاء

قضية الساعة
أيـام المخاض
بقلم: د‏.‏ جمال سلامة علي
خبير في الشئون السياسية للشرق الأوسط

أنظر في الوجوه ـ فلا أجد إلا وجوها تكسوها نظرة الحزن‏,‏ وأسعي إلي الآخرين مستلهما الثبات ـ فلا أسمع إلا بثا وأنينا لكلمات حجزها التألم علي ما يلم بأهلنا وأخوتنا في أرض فلسطين الحبيبة‏..‏ تلك هي المشاعر التي يبديها شعب مصر الحنون تجاه أخوة لهم يواجهون أخطر تحديات العصر وأشرس أنواع البشر‏,‏ وعلي ذلك قد لا يوجد وقت أكثر من هذا الوقت يحتاج المرء فيه إلي قبس إيماني يكشف عنه الغمة حتي تجتاز أمتنا محنتها‏,‏ فبالإيمان واليقين تتكشف الأمور وتنجلي كبياض الشمس ـ خاصة أن الصورة جد ليست بالقاتمة‏,‏ فما تجتازه فلسطين الحبيبة من محن وما تشهده من فورات إنما هي في مجملها آلام المخاض ـ هي تلك الآلام التي تسبق ميلاد النصر المبين‏..‏ فلك يا شعب فلسطين من الله خير التثبيت وأذكركم بقول ربنا إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله ما لا يرجون
فعلي مدي أكثر من‏55‏ عاما علي تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي لم يشعر المجتمع الصهيوني بالألم ولم يشعر بالتهديد المباشر أكثر من هذه الأيام‏,‏ فكل الحروب التي خاضتها إسرائيل كانت تدور خارج حدود ما يسمي بأرض إسرائيل‏,‏ وبالتالي لم يلمس المجتمع الإسرائيلي بشكل مباشر هول الخسائر البشرية‏,‏ أما الآن وقد تخلص الشعب الفلسطيني من عقدة الخوف وأسقط الأساطير التي نسجها الكيان الصهيوني عن نفسه‏,‏ فإن الحرب قد انتقلت إلي العمق الإسرائيلي‏,‏ وبفضل همجية شارون وعصابته أصبح أمن المستجلبين اليهود شيئا بعيد المنال‏,‏ وبات ما كان يسمي بأمن إسرائيل دربا من دروب الوهم‏.‏

وإذا كان شارون قد فشل فشلا ذريعا في وعده الكاذب بتحقيق الأمن لمجتمعه المظلم من خلال البطش والأعمال الإجرامية وأخرها محاصرته للرئيس عرفات‏,‏ فإن السحر قد انقلب علي الساحر وبات شارون نفسه أسيرا لهمجيته ويأسه‏,‏ وأصبح شارون محاصرا بإحباطاته وفشله وعجزه عن تحقيق زعم الأمن‏,‏ وكلما حاول الخروج من الورطة التي أدخل نفسه فيها ازداد تخبطا وسعارا وأقدم علي ارتكاب أفعال هستيرية تزيده حصارا وجنونا‏.‏
وإذا كنا قد ابتلينا لحكمة يعلمها الله بمواجهة خصم هو شر البرية بما جبل عليه من شراسة وما يحمله من كل مظاهر الشذوذ الخلقي والانحراف النفسي‏,‏ فإن من سوء طالع هذا الخصم أنه يواجه هو الآخر خصما لا يعرف القنوط أو الاستكانة‏,‏ فلقد كان السؤال الذي يثار في بداية تأجج الانتفاضة هو‏:‏ إلي أي مدي تستطيع الانتفاضة الاستمرار والصمود ـ إلا أن تصاعد العمليات الإستشهادية وما ألحقته من ضربات موجعة علي الجانب الإسرائيلي قد قلب السؤال رأسا علي عقب‏,‏ ليصبح التساؤل الأكثر بروزا هو‏:‏ إلي أي مدي يستطيع المجتمع الإسرائيلي تحمل ضربات المقاومة الفلسطينية ؟

لقد رأينا بأعيننا وسمعنا بآذاننا الأم التي تجهز ابنها للشهادة وتصور له شريطا يعلن فيه عزمه علي تنفيذ عملية استشهادية وهي تودعه مهنئة ومباركة‏,‏ ورأينا عروس الشهداء أيات الأخرس وهي تجهز نفسها للشهادة فداء لأمتها وقد آمنت وصدقت قول ربها‏(‏ أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولم يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين‏)‏
لقد قلب خيار المقاومة الأمور رأسا علي عقب ـ فلم تعد المسائل المطروحة للبحث فقط هي مدي قدرة إسرائيل علي السيطرة علي مناطق السلطة الفلسطينية بل تعدي ذلك إلي مسائل تتعلق بمستقبل واستمرارية الكيان الصهيوني نفسه

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية