قضايا و اراء

42093‏السنة 126-العدد2002مارس6‏22 من ذى الحجة 1422 هــالأربعاء

د‏.‏ فوزي هيكل‏(1935‏ ـ‏2002)‏
بقلم‏:‏ د‏.‏ رشدي سعيد

فقدت مصر بوفاة فوزي هيكل بمدينة واشنطن عاصمة الولايات المتحدة في شهر فبراير سنة‏2002‏ أحد أبرز أعضاء الجالية المصرية والعربية والذي كان محور كل لقاء ومحط كل زائر عربي بها ـ ولد فوزي هيكل في سنة‏1935‏ وتخرج في كلية الهندسة جامعة القاهرة تخصص هندسة المناجم في سنة‏1958‏ عندما عين معيدا بنفس الكلية ومساعدا للمرحوم الأستاذ الدكتور حامد البدري ألمع اساتذة قسم المناجم في ذلك الوقت وظل بها حتي خروجه في بعثة علمية إلي الولايات المتحدة في سنة‏1962‏ لدراسة اقتصاديات التعدين ـ وفي المناهج الاعدادية التي طلب منه الاستماع إليها في جامعة مينيسوتا حيث التحق طالبا بالدراسات العليا فتن فوزي بعلم الاقتصاد وقرر أن يتخصص فيه وأن يحول بعثته لدراسته ـ وعلي الرغم من صعوبة اتمام هذا التحويل في إطار البيروقراطية المصرية والفهم السائد فيها لتقسيم العلوم إلي أجزاء مستقلة لايجوز توليفها إلا أن فوزي استطاع أن يتم هذا التحويل وأن يقوم بدراسته بمنحة دراسية من جامعة كانساس انتقل بعدها للتدريس بجامعة مقاطعة كولومبيا بواشنطن العاصمة حيث عمل استاذا بها وحتي سنة‏2000‏ حين تركها للاعتكاف علي دراساته واهتماماته الخاصة ـ وكان فوزي معلما بطبعه يذكر فضله كل طلابه وقد حكي لي الكثيرون منهم عن الجهد والعطف والتفهم الذي كان يعطيه لهم للتأكد من وصول المعلومة إليهم في يسر‏.‏

وتربطتني صداقة قوية بفوزي هيكل منذ أن قابلته لأول مرة في مدينة واشنطن سنة‏1982‏ في أحد الإجتماعات التي كانت تقيمها الجالية العربية لنصرة قضية فلسطين ـ وفي هذه المقابلة الأولي أسر لي فوزي بأنه يعرفني من أعمالي العلمية التي كان يستخدمها عندما كان طالبا بكلية الهندسة يدرس علم المناجم ويعمل مع الاستاذ الدكتور حامد البدري ـ وأصبح فوزي ومنذ تلك الليلة أقرب الأصدقاء إلي ولم يكن لينقضي يوم واحد خلال هذه السنوات العشرين لم نتقابل فيه أو علي الأقل لم نتحدث فيه عبر الهاتف لمدد طويلة عن تطور الأحداث العالمية وانعكاساتها علي الوطن وكان فوزي قد سبقني للإقامة بالولايات المتحدة بسنوات طويلة قضاها راصدا العلاقات العربية الامريكية ومشاركا في الكثير من التجمعات العربية منذ أن كان طالبا نشيطا في منظمة الطلبة العرب التي كانت في أوجها في ستينات وأول سبعينات القرن العشرين ـ ولذا فقد كان فوزي موسوعة لامثيل لها في موضوع الصراع العربي الاسرائيلي جذوره وتطور أحداثه وتاريخ مختلف الشخصيات والجماعات وجهات الضغط التي ارتبطت به ومواقف وأهداف كل منها ـ كما كان علي معرفة كاملة بتوجهات السياسة الامريكية نحوه وبأعمال وأهداف مراكز اتخاذ القرار والفكر المهتمة به ـ وكنت أعجب بقدراته الهائلة علي استيعاب وتحليل الأحداث ومن صحة توقعاته وكثيرا مارجعت إليه لمعرفة خبايا السياسة الأمريكية ومراكز القوة فيها وأهداف كل منها والشخصيات الفاعلة فيها‏.‏

وقد نقل فوزي هذا الاهتمام إلي زوجته وحبيبة عمره كلير والتي كان قد تعرف عليها خلال سني دراسته بمنيسوتا وكانت كلير امريكية خالصة تنحدر من أسرة هاجرت من اسكندناوه عملت بالزراعة بالوسط الأمريكي وكانت عندما قابلها بعيدة كل البعد عن السياسة ولم يكن لها اهتمام بما يجري بما هو أبعد من بلدها وإن كانت تنتمي هي وأسرتها إلي الحزب الديمقراطي الذي أصبح له تأييد كبير بين الفلاحين منذ أزمة ثلاثينات القرن العشرين ـ وعندما تعرفت كلير علي فوزي في الستينات بدأت كالكثير من طلاب وطالبات ذلك العقد تنفتح علي العالم وتتساءل عن الاسباب التي دفعت بلادها للانغماس في حرب فيتنام التي لم يكن يبدو أن لبلادها مصلحة يستحق التضحية بشبابها وقد دفعها هذا التساؤل إلي مراجعة موقفها من الكثير من توجهات سياسة بلادها سواء علي المستوي المحلي أو العالمي وبدأت تشارك مع فوزي في حركة الحقوق المدنية وحركات التحرير وقضية فلسطين والتي بدت لشباب ذلك الجيل بأنها مترابطة ـ وأصبحت كلير كالكثير من شبان وشابات ذلك الجيل من أنصار قضية فلسطين وقضايا التحرر الوطني ـ وقد تم زواج فوزي وكلير بمدينة واشنطن في سنة‏1972‏ ـ وأصبحت منذ ذلك التاريخ عضوا هاما في كل التجمعات العربية والمصرية‏.‏
وكان فوزي يحمل هموم الوطن يعيش في الغربة بجسده فقط أما روحه وحياته كلها فقد كانت في مصر التي كان يتابع أخبارها عن كثب ويقضي وقته في التفكير فيها ـ وفي سنة‏1996‏ وأحداث الفتنة الطائفية في مصر في ذروتها جاءت أخبار هدم كنيسة قرية كفر دميان بمحافظة الشرقية مزعجة أشد الازعاج ومفرقة للصفوف فبادر فوزي في اجتماع عقد بالمركز الثقافي بواشنطن بالدعوة للتعاون مع لجنة الوحدة الوطنية التي تشكلت في مصر في أعقاب هذا الحادث رئاسة الاستا ذ ابراهيم نافع وسكرتارية الاستاذ منير فخري عبد النور وعضوية عدد من أفاضل الناس لرأب الصدع وجمع الأموال لإعادة بناء الكنيسة التي تهدمت بل واعادة بناء القرية كلها لتصبح نموذجا للعيش مع الآخر ووافق المجتمعون وشكلوا لجنة مؤقته لجمع التبرعات لإرسالها إلي لجنة الوحدة الوطنية بمصر واختارتني اللجنة المؤقتة رئيسا لها وكان فوزي المحرك الأول لها ـ وقد قامت لجنة واشنطن بحملة لجميع الاموال وأقامت من أجل ذلك حفلة ساهرة شارك فيها جميع المصريين الأمريكيين بحماس منقطع النظير وبأعداد لم يشهدها أي تجمع مصري أمريكي من قبل أو بعد هذه الحفلة ولم يحدث أبدا أن نال موضوع اهتمت به الجالية المصرية بكافة طوائفها بمثله وقد بلغ انبهار الاستاذ عاطف الغمري رئيس مكتب الاهرام في ذلك الوقت بهذا التجمع الحاشد وبالروح التي سادته بأن أرسل مقالا عن هذه الحفلة في صفحة كاملة وقد أفلحت اللجنة المؤقتة في جمع المال الذي حول بشيك مصرفي إلي سكرتير لجنة الوحدة الوطنية بمصر ومنذ ذلك التاريخ فان اللجنة المؤقتة لم تسمع كلمة واحدة عن مصير هذه الأموال فقد قيل لنا أن عمل اللجنة بمصر قد توقف وأن مشروعها لاعادة بناء القرية النموذجية قد أسقط بناء علي طلب من أجهزة الدولة التي لم يكن لها قبول للعمل الأهلي وكان لهذا الأخفاق في مساعدة مصر أثره علي الجميع تفرق بعده المصريون الامريكيون ولم يعد من الممكن جمعهم منذ هذا التاريخ حول أي هدف‏.‏

وأضاف هذا الحادث لفوزي ولي سببا آخر ليزيد من يقيننا بأن قضية مصر الأولي هي في بناء الوطن فالذين يقيمون خارجه لن يستطيعوا عمل أي شيء مفيد دون أن يكون وراءم وطن يبدأ بالمبادرة ويمكن الدفاع عن تصرفاته ـ وكنت أنا وفوزي قد وصلنا إلي هذه القناعة بعد سنوات طويلة حضرنا فيها وبصورة مستمرة الكثير إن لم يكن كل الاجتماعات والندوات وورش العمل التي كانت تعقدها مراكز الفكر والجمعيات والجامعات لمعالجة شئون مصر أو الشرق الأوسط توقفنا بعدها عندما رأيناها تكرر نفسها حتي أصبحت وكأنها آلية لامتصاص الغضب ولإيهامنا بأننا محل الاهتمام وإن كنا في الحقيقة أبعد الناس عنه وقد رأينا منذ سنوات أن حل قضية العرب يكمن في أيديهم وأن استجداء حلها من غيرهم أو عن طريق الوساطات والزيارات وإقامة المهرجانات لن يكون إلا علي حسابهم وحساب مستقبلهم وكانت قضيتنا هي الدعوة لكي يأخذ العرب أمورهم بجد وأن يبنوا أوطانهم أولا حتي يكون لهم وزن وصوت يؤبه به ـ فليس من المعقول لوطن لا يستطيع أن ينظم المرور في شوارعه أو أن يدير خطوط السكك الحديدية فيه أن ينتظر من أحد أن يقيم له الاعتبار‏.‏وكان فوزي مثالا للاستقامة وللالتزام بالمباديء والمثل العليا ومن العاملين في صمت وبعيدا عن الأضواء وقد رأيته بسبب هذا الالتزام يرفض القيام بأعمال كان من الممكن أن تدر عليه الكسب لأنه رآها في غير الصالح العام ـ وكانت الجامعات الأمريكية قد أدخلت في اقتصاديات السوق في ثمانينات القرن العشرين وأصبح مطلوبا من أساتذتها أن يتسوقوا الأموال لتدبير مصاريف أبحاثهم من أي مصدر يستطيعون الحصول منه عليها وهو الأمر الذي لم يستطع فوزي أن يقبله فد كان استاذ الجامعة عنده بمثابة الراهب في محراب العلم وعندما طلبت منه الجامعة التي كان يعمل فيها أن يستخدم صلاته بمصر لكي تمد نشاطها إليها حتي تنال جزءا من كعكة المساعدات الأمريكية التي تصل إلي مصر رفض فوزي القيام بهذا الدور فقد كان علي قناعة بأن ما طلب منه لم يكن في صالح مصر وكان ذلك أحد الأسباب التي جعلته يبكر في ترك العمل بالجامعة بل وبكل الجامعات‏.‏

وقد أضفي فوزي علي هذا الالتزام وهذه الاستقامة لمسة انسانية جعلته حبيبا لكل الناس ـ كان كالأب الحنون للأطفال والصديق الذي يركن إليه الشباب والرجال والابن البار والعون للمتقدمين في السن فقد منحهم جميعا الحب والاحترام العطاء بلا حدود ـ كان يجد السعادة في مساعدة كل محتاج وقد رأيته يتسقبل ويستضيف الطلاب والمهاجرين الجدد ويواسي المرضي ويحمل الرسائل للقريب ويأخذ بيد المريض ويصاحبه إلي الأطباء والمستشفيات ويقضي الساعات الطوال معه ولم يفارق فوزي سريري عندما اضطررت إلي اجراء عملية جراحية كما لم يفارق زوجتي وداد عندما ألمت بها أزمة صحية احتاجت إلي زيارات كثيرة للأطباء ـ ورأيته يذرع شوارع واشنطن ويقود سيارته لمئات الأميال ليصطحب سيدة عجوزا إلي الأطباء وإلي مختلف معامل التحاليل ـ كان فوزي معطاء دون أن ينتظر الجزاء كان يحتفل بعيد ميلادي كل عام وقد عجزت أن أعرف تاريخ ميلاده حتي لا يكلفني أية مشقة لقد فقدت بوفاته أعز صديق وأوفي صاحب ولم تعد واشنطن العاصمة التي أعيش فيها هي نفس المدينة التي عرفتها عن طريقه ـ لقد ترك فوزي فراغا لن يعوض ليس فقط لي ولوداد بل ولأصدقائه العديدين بل ولكل العرب الامريكيين‏.‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية