قضايا و اراء

42369‏السنة 126-العدد2002ديسمبر7‏3 شوال 1423 هـالسبت

آثار وأسرار
المتحف المصري‏..‏ قرن من الزمان
بقلم‏:‏ د‏.‏ زاهي حواس

نحن أمام مناسبة عظيمة‏..‏ ففي هذا الأسبوع تكون مائة عام من الزمان قد مرت علي إنشاء المتحف المصري‏.‏

ويعتبر المتحف المصري بالقاهرة أعرق متاحف الآثار المصرية القديمة في العالم‏,‏ نظرا لاحتوائه علي مجموعة ضخمة ونادرة من آثار مصر الفرعونية‏.‏ ويمتاز هذا المتحف بميزة فريدة لا تجدها في أي متحف من متاحف الآثار المصرية الأخري‏,‏ إذ إن المتحف المصري أنشئ منذ البداية كي يكون متحفا‏,‏ علي عكس معظم المتاحف الأخري في العالم‏,‏ التي كانت قصورا أو أبنية فخمة تحولت إلي متاحف بمضي الوقت مثل متحف اللوفر بباريس والمتحف البريطاني بلندن‏.‏
وتبدأ مصر هذا الأسبوع في الاحتفال بمرور مائة عام علي إنشاء المتحف المصري‏,‏ وقد استعد المجلس الأعلي للآثار لهذه الاحتفالية منذ عام تقريبا‏,‏ إذ ستصدر عملة تذكارية وميدالية فضية في هذه المناسبة العظيمة‏.‏ وسوف يقام معرض للآثار يضم قطعا مكتشفة حديثا من كل مناطق الآثار تعرض للمرة الأولي داخل بدروم المتحف‏,‏ ويطلق علي هذا المعرض اسم الكنوز الخفية‏,‏ وسوف تقام خيمة ضخمة بالجانب الغربي من المتحف‏,‏ تجري بها مراسم الاحتفال الذي سيشهد حفلا موسيقيا فريدا تحضره سبعمائة شخصية من مصر ومن دول العالم‏,‏ جاءوا للاحتفال بإنشاء المتحف الوحيد الذي تم افتتاحه في عام‏1902.‏ وقد تم طلاء المتحف بلونه القديم وأحيط بالأنوار من كل الجهات‏.‏

وسوف يعلن المتحف المصري عن بدء هذا الاحتفال الساعة الخامسة من مساء اليوم التاسع من شهر ديسمبر الحالي‏,‏ ويرسم الليزر أعلي المتحف صور الربات الحاميات إيزيس ونفتيس ونيت وسلكت‏,‏ تحتضن اسم مصر الحبيبة‏.‏ وهذا إعلان للعالم كله أن الحضارة والعلم والتكنولوجيا خرجت من هذا المكان منذ أكثر من خمسة آلاف عام‏,‏ فقد حكم المصري القديم العالم كله بالعلم والحب وترك لنا تراثا يحكي قصة هذا النجاح‏.‏ وتروي القطع الأثرية والتماثيل الموجودة بالمتحف قصصا كثيرة عن الفراعنة الأجداد‏.‏ وسوف يقدم تمثال الإله ماعت إله الحق والعدل والنظام الكوني إلي المكرمين في هذا اليوم‏.‏
ويشير هذا الرمز إلي تمسك الإنسان المصري القديم بالعدل والحق والنظام‏,‏ وكيف أنه استطاع أن يحكم بالعدل بين الناس وينشره في العالم كله‏,‏ وهذه إشارة كي يتعلم العالم اليوم ويعرف أن العدل هو الذي يرفع الأمم‏,‏ أما غطرسة القوة التي تستعملها بعض الأمم هذه الأيام فليس لها جمال ولا بقاء‏,‏ وكم شهد التاريخ بذلك‏,‏ وسوف يشهد أيضا‏.‏ وأعتقد أن المصري القديم يرسل هذه الرسالة من خلال المعارض الأثرية التي يرسلها المتحف المصري إلي العالم الآن‏.‏

وسوف يحضر علماء الآثار المصرية المتخصصون في فن المتاحف لعقد مؤتمر عالمي وإلقاء محاضرات عن عرض الآثار وطرق صيانتها والتربية المتحفية‏,‏ ويقام هذا المؤتمر داخل الخيمة المقامة بجوار المتحف‏.‏ وعلي هامش المؤتمر‏,‏ يفتتح معرض الحيوانات المحنطة داخل المتحف‏,‏ ومعمل جديد للترميم‏,‏ وقاعات جديدة لمدرسة المتحف المصري للأطفال وأخري للكبار‏,‏ وسوف تبدأ الدراسة بهما في اليوم الرابع من شهر يناير المقبل‏,‏ وسوف يحصل الدارس علي شهادة التخرج في المتحف‏.‏

وتستمر هذه الاحتفالات لمدة أربعة أيام ويعتبر يوم الحادي عشر من شهر ديسمبر المقبل هو الذي سوف يعلن فيه المتحف للعالم كله أن مصر تعتبر هذه الآثار ملكا للإنسانية كلها‏,‏ ونحن فقط حراس لهذه الآثار‏,‏ لذلك سوف يتم تكريم العديد من الرموز الأجنبية خاصة الفرنسيين الذين أسهموا في إنشاء المتحف والعديد من العلماء العظام خصوصا أحمد باشا كمال والراحل الصديق الدكتور جمال مختار الذي استطاع أن يحول مصلحة الآثار من المحلية إلي العالمية لأول مرة في تاريخها‏,‏ وأعطي حبه لهذا المتحف وكان أحب مكان إلي قلبه‏.‏ وقد أشرف علي إعداد هذه الاحتفالية شباب ورجال من المجلس الأعلي للآثار كل في تخصصه واستطاعوا في فترة وجيزة جدا أن يجعلوا هذا المتحف نقطة ساطعة في قلب القاهرة‏,‏ وسوف يحس بها كل إنسان في مساء يوم الاحتفال‏,‏ خاصة عندما نشاهد اللوحات التي تحمل كنوز المتحف والمطبوعات العلمية وغيرها التي سوف تصبح في متناول كل مصري كي يعرف تاريخ هذا البلد العظيم‏.‏ أما أهم المعارض التي سوف تقام داخل الخيمة‏,‏ فهو المعرض الوثائقي لتاريخ المتحف المصري‏,‏ ويسجل هذا المعرض أحداثا مهمة للغاية‏,‏ وسوف يعرض أيضا فيلم وثائقي أنتجته قناة ناشيونال جيوجرافيك مدته نصف الساعة‏.‏
وتاريخ المتحف عبارة عن قصة بدأت عندما كان القناصل الأجانب المعتمدون في مصر في مدينتي القاهرة والإسكندرية معجبين بالفن المصري القديم‏,‏ فعملوا علي جمع الكثير من الآثار المصرية‏,‏ بل لم يكتفوا بذلك‏,‏ فقاموا بإرسالها إلي المدن الأوروبية الرئيسية‏.‏

وبهذا بدأت التجارة المزدهرة في الآثار المصرية التي أصبحت بعد ذلك موضة أوروبية‏.‏ فقد كانت الهدايا من القطع الأثرية المصرية خلال القرن التاسع عشر كثيرة جدا‏,‏ وقد كانت التوابيت من بين أهم القطع الأكثر طلبا‏.‏
ولم يفهم المصريون في بداية الأمر تلك الدوافع التي كانت تجعل الأوروبيين يهتمون بالأحجار الموجودة في أراضيهم‏.‏ وقد كان من أهم الأشياء التي دفعت المصريين إلي التنقيب عن الآثار في المعابد والمقابر ـ تلك الشائعات التي كانت تقول إن ببعض هذه الآثار كنوزا خفية‏.‏

وفي ذلك الوقت كان يحكم مصر الوالي محمد علي باشا‏(1805‏ ـ‏1849),‏ الذي بدأ استراتيجية سياسية جديدة علي نطاق واسع‏,‏ كان أساسها أن تنفتح مصر علي العالم الغربي‏.‏
وفي عام‏1835‏ أصدر محمد علي باشا مرسوما يقضي فيه بإنشاء مصلحة الآثار والمتحف المصري وقام بإسناد إدارة تلك المصلحة إلي يوسف ضياء أفندي بإشراف الشيخ رفاعة الطهطاوي‏(1801‏ ـ‏1873),‏ الذي درس وعاش في باريس‏,‏ وأسهم بتفكيره الفلسفي في تحريك الضمير الوطني في مصر في أثناء القرن التاسع عشر وإعادة إيقاط الاهتمام بآثار الماضي‏.‏ ونجح في تحذير الرأي العام بقيمة الآثار وأمر بإصدار قرار في‏15‏ أغسطس‏1835‏ بمنع التهريب والاتجار في الآثار المصرية إلي الخارج‏,‏ بل ضرورة صيانتها والحفاظ عليها‏.‏ وقد كان مبني المتحف المصري في ذلك الوقت يطل علي ضفاف بركة الأزبكية‏.‏ وبعده تم إلحاقه بمدرسة الألسن‏.‏

وقد بدأ يوسف ضياء أفندي منذ أن تولي هذا المنصب بالتفتيش علي آثار مصر الوسطي التي كان يعثر عليها الفلاحون عند نقلهم للسماد من الأكوام الأثرية‏.‏ وفي عام‏1848‏ كلف محمد علي باشا لينان بك وزير المعارف بوضع بيان شامل عن المناطق الأثرية وإرسال الآثار المهمة إلي المتحف المصري ولم يكلل هذا العمل بالنجاح‏,‏ لأن المنية قد وافت محمد علي باشا عام‏1849.‏
وبوفاة محمد علي اضطربت الأمور مرة أخري وعادت ظاهرة الاتجار في الآثار المصرية إلي الظهور‏,‏ وأخذت المجموعة التي كان يضمها المتحف الذي أقيم في الأزبكية في الانكماش شيئا فشيئا حتي تم نقلها إلي القلعة في صالة واحدة بنظارة المعارف‏.‏ ومما زاد الأمر سوءا ما حدث في أثناء زيارة الدوق مكسميليان النمساوي‏,‏ حيث قام بزيارة قاعة الآثار بالقلعة وما إن ظهر اهتمامه بها حتي قام الخديو عباس الأول بإهدائها إليه دون أن يبقي علي شيء منها‏,‏ وهكذا طويت صفحة خالدة من تاريخ ومجد أول متحف ينشأ بمصر‏.‏

وتعرضت الآثار المصرية مرة أخري للسلب والنهب والدمار إلي أن أصدر الخديو عباس أوامره إلي مديرية المحافظات يوجه نظرهم إلي فرض رقابة شديدة علي الأجانب والمصريين الذين كانوا يقومون بسرقة الآثار الفرعونية وإخفائها وبيعها‏.‏
إلي أن جاء أوجست مارييت‏(1821‏ ـ‏1881)‏ الذي قام باكتشاف مدخل السرابيوم بسقارة‏,‏ كما قام بعمل حفائر في جبانة العجل أبيس استمرت قرابة ثلاث سنوات‏,‏ وقد سعي لإقناع أولي الشأن بإنشاء مصلحة للآثار المصرية ومتحف مصري‏.‏ وفي عام‏1858‏ وافق الخديو سعيد علي إنشاء مصلحة للآثار المصرية وقام بتعيينه مأمورا لأعمال الآثار في مصر وإدارة الحفائر وذلك في‏19‏ يونيو‏1858.‏ وعندما استقر له الأمر بدأ في عمل برامج مكثفة للبحث الأثري‏.‏ وقد واجه مارييت مشكلات عديدة خاصة في المرحلة الأولي لإنشاء تلك المصلحة وأنشأ مخزنا للآثار علي ضفاف النيل ببولاق‏.‏ وقد أصبح هذا المخزن متحفا عند اكتشاف كنز الملكة إياح حوتب في‏5‏ فبراير‏1859‏ بمنطقة دراع أبو النجا بطيبة‏,‏ وكان من أهم القطع المكتشفة التابوت الذي وجدت بداخله مجموعة من الجواهر والحلي والأسلحة التي كانت علي درجة عالية جدا من الروعة والفخامة‏,‏ حرضت الخديو سعيد علي التحمس بإنشاء متحف للآثار المصرية في بولاق‏.‏ وقد تم بناؤه في عهد الخديو إسماعيل وافتتح للزيارة للمرة الأولي عام‏1863‏ وكان المتحف في بدايته عبارة عن مبني ضخم يطل علي النيل‏,‏ وكان من نتاج هذا صدور أول مطبوعة أثرية وأعيد طب
عها ست مرات في الفترة ما بين‏1864‏ و‏1876‏ وقد تعرض المتحف لفيضان النيل في عام‏1878‏ حيث غمرت مياه الفيضان قاعات المتحف لدرجة أن مجموعة من المعروضات ذات القيمة الفنية العلمية قد فقدت‏.‏
وقد كان مارييت يعتبر متحف بولاق مكانا مؤقتا‏,‏ وبعد هذا الحدث وجد الفرصة سانحة للمطالبة بإنشاء مقر دائم للمتحف ذي قدرة كبيرة علي استيعاب مجموعة أكبر من الآثار‏,‏ وفي الوقت نفسه‏,‏ يكون بعيدا عن مسار الفيضان‏.‏

وبعد وفاة مارييت تولي لوجي فازيلي‏(1812‏ ـ‏1887)‏ الذي عمل مع مارييت قرابة عشرين عاما وتولي من بعده جاستون ماسبيرو‏(1846‏ ـ‏1916)‏ الذي حاول بقدر المستطاع أن ينقل المتحف من مكانه في بولاق‏,‏ لكن لم يحالفه النجاح في ذلك‏.‏
وفي عام‏1889‏ وصل الحال بالمبني الذي يحوي مجموعات الآثار إلي ذروة ازدحامه‏,‏ حيث لم تعد هناك حجرات كافية سواء في قاعات العرض والمخازن للمزيد من الآثار‏.‏ وكانت الآثار التي عثر عليها خلال حفائر هذا العام تترك في مراكب بمصر العليا لفترات طويلة‏.‏

ولقد أدي هذا الوضع المأسوي إلي تنازل الخديو عن إحد قصوره بالجيزة في المكان الذي تقع به حديقة الحيوان الآن‏,‏ ليكون المقر الجديد للمتحف‏.‏ وما بين صيف ونهاية عام‏1889‏ كان قد تم نقل جميع الآثار من متحف بولاق إلي الجيزة‏.‏
وفي يناير‏1890‏ كان المتحف الجديد جاهزا للافتتاح وفيما بعد تمت الموافقة علي تشييد مبني للمتحف‏,‏ حيث تنافس في ذلك ثلاثة وسبعون مشروع تصميم‏,‏ وفي النهاية تم اختيار تصميم المهندس المعماري الفرنسي مارسيل دورنون‏.‏ لقد كان البناء الذي صممه عملا إبداعيا خلال هذه الفترة وعلاوة علي ذلك‏,‏ فقد كان المتحف الأول في العالم الذي صمم وشيد ليكون متحفا وليس مبني تم تحويله إلي متحف فضلا عن ذلك‏,‏ فقد تم تطبيق أحدث أساليب التشييد والبناء في ذلك العصر‏.‏

وكانت الأنماط والعناصر المعمارية متأثرة بالفن والعمارة الكلاسيكية‏(‏ اليونانية‏),‏ ولم يحو أي تأثيرات للفن المصري القديم والمعابد المصرية القديمة سوي في تصميم حجراته أو في تصميم قاعاته الداخلية‏,‏ فمدخل القاعات يحاكي صروح المعابد المصرية القديمة أو يحاكي تصميم الحجرات من حول القاعة المركزية وهو موجود في تصميم حجرات معبد إدفو‏.‏
ولقد اثار فوز تصميم المهندس الفرنسي دورنون جدلا كبيرا‏,‏ خاصة بين أعضاء اللجنة الإيطالية والقاهرة التي بذلت جهدا كبيرا من أجل تمويل هذا المشروع‏,‏ حيث اعتبر الإيطاليون أن هذا النصر الفرنسي بمثابة هزيمة لهم وأقروا بأنهم قد خدعوا‏,‏ وربما لهذا السبب منح تشييد المبني للشركة الإيطالية‏.‏

ولقد بدأ حفر الأساسات لهذا المبني في يناير من عام‏1897‏ بموقع علي امتداد ثكنات الجيش البريطاني بالقاهرة عند قصر النيل‏.‏ واحتفل بوضع حجر الأساس في الأول من أبريل من العام نفسه في حضور الأمير عباس حلمي وعالم المصريات الفرنسي ماسبيرو الذي عاد في هذا الوقت لرئاسة مصلحة الآثار‏,‏ وتم الانتهاء من المشروع علي يد الألماني هرمان جرابو‏.‏
وفي نوفمبر‏1903,‏ عينت مصلحة الآثار المهندس المعماري الإيطالي إليساندرو بارازنتي‏(1858‏ ـ‏1917)‏ الذي تسلم مفاتيح المتحف منذ التاسع من مارس‏1902‏ ونقل المجموعات الأثرية من قصر الخديو إسماعيل بالجيزة إلي المتحف الجديد‏.‏ وتم استخدام خمسة آلاف عربة خشبية في عملية النقل‏,‏ أما الآثار الضخمة فقد تم نقلها علي قطارين سيرا ذهابا وعودة نحو تسع عشرة مرة بين الجيزة وقصر النيل‏.‏ وقد حملت الشحنة الأولي نحو ثمانية وأربعين تابوتا حجريا‏,‏ تزن ما يزيد علي ألف طن إجمالا‏.‏ إلا أن عملية النقل قد شابتها الفوضي بعض الوقت‏.‏ فعلي سبيل المثال‏,‏ لاحظ عمال وموظفو مصلحة الآثار اختفاء تمثال الملك حور الخشبي لحظة الانتهاء من نقل الآثار‏,‏ إلا أن لغز اختفاء هذا التمثال قد زال عندما عثر عليه في أحد أركان المخازن الموجودة بالبدروم‏,‏ إذ قام العمال بإخفاء التمثال خشية معاقبة موظفي الآثار لهم لما أصاب التمثال من دمار في أثناء عملية النقل‏.‏

وقد تم الانتهاء من عمليات النقل في‏13‏ يوليو‏1902,‏ حيث تم نقل ضريح مارييت إلي حديقة المتحف‏,‏ فلقد ترك مارييت وصية يعبر فيها عن رغبته في أن يستقر جثمانه بحديقة المتحف مع الآثار التي قضي وقتا طويلا في تجميعها خلال حياته‏.‏
وفي‏15‏ نوفمبر‏1902‏ تم افتتاح المتحف المصري رسميا‏.‏ وقد اعتمد المتحف الجديد علي أسلوب في العرض يقوم علي ترتيب القاعات ترتيبا تدريجيا ولم يؤخذ في الاعتبار تخصيص حجرات لفترات الاضطراب‏,‏ نظرا لأنها اعتبرت غير ذات أهمية تاريخية‏.‏ وقد صنفت الآثار بالمتحف حسب موضوعاتها‏,‏ إلا أنه لأسباب معمارية‏,‏ ثم وضع التماثيل الضخمة في الدور الأرضي‏,‏ في حين تم عرض الخبايا الجنائزية المكتشفة في الطابق الأول تبعا للتسلسل التاريخي‏,‏ وفي كل يوم يتم وضع وتجميع آثار في عدد من الحجرات وفقا لموضوعاتها‏.‏ وأصبح المتحف الوحيد في العالم المكدس بالآثار لدرجة أنه أصبح مخزنا وقد سألوا ماسبيرو عن السبب في ذلك‏,‏ فقال‏:‏ إن المتحف المصري هو صورة للمقبرة أو المعبد الفرعوني‏,‏ فقد كان يستغل الفنان كل جزء فيه لوضع لوحة مرسومة أو نقوش هيروغليفية‏,‏ بل إن المنزل المصري الحديث في ذلك الوقت كان يتم فيه وضع لوحات وصور بحيث يستغل كل جزء علي الحائط‏,‏ أي أن المتحف صورة للمصري الحالي والقديم‏.‏

وقد أدت الحاجة إلي وجود مكان مناسب لعرض القطع الأثرية الجنائزية التي خرجت من مقبرة الفرعون الذهبي الصغير توت عنخ آمون ـ التي بدأت في الوصول إلي المتحف في عام‏1923‏ ـ في إعادة تنظيم المعروضات في الدور الأول‏,‏ وذلك كي تتوافر لها حجرة لعرض الكنوز في خبيئة بالبر الغربي‏.‏
وعلي الرغم من أنه لم يحدث للأجزاء الداخلية والخارجية من مبني المتحف المصري أي تغييرات ذات تأثير كبير‏,‏ فإن المنطقة المحيطة بالمتحف قد شملها الكثير من التجديدات التي غيرت من شكل المنطقة كلها‏,‏ فبعد أن كان يلتف حول المعبد الكثير من الثكنات العسكرية البريطانية‏,‏ نجد الآن الكثير من المباني الفخمة الضخمة التي ترتفع حول المتحف مثل مبني فندق النيل هيلتون وكذلك مبني فندق رمسيس هيلتون الذي خلف المتحف المصري‏.‏

وسوف يأتي عام‏2003‏ لتغيير صورة المتحف المصري تماما‏,‏ حيث يصبح المدخل الرئيسي للمتحف عبارة عن باب لدخول الزوار فقط‏,‏ وسوف تزال كل منافذ البيع والكافتيريا‏,‏ وسوف يتم بناء مبني مكون من‏12‏ دورا بالجانب الغربي من المتحف‏,‏ منها ثلاثة أدوار أسفل الأرض‏,‏ وسوف يعتبر هذا المبني مكان خروج الزائرين‏,‏ حيث يجدون محلا لبيع الهدايا والكتب وكافتيريا‏,‏ أما المبني فسوف يوجد به متحف للأطفال وصالة بيع للنماذج ومكاتب الإدارة ومكتبة ضخمة‏,‏ وسوف تقام قاعات التربية المتحفية للكبار والأطفال‏,‏ كي يؤدي هذا المتحف رسالة ثقافية مهمة جدا كي نعرف حضارتنا من خلال قصص روائع المتحف المصري‏.‏
وعلي الرغم من أن المتحف الكبير سوف يحتوي علي مجموعة توت عنخ آمون‏,‏ ويحتوي متحف الفسطاط علي المومياوات‏,‏ فإن المتحف المصري سوف يظل متحفا للفن المصري القديم‏,‏ وسوف تقل المعروضات به وتنقل إلي متاحف أخري‏,‏ بحيث تكون قاعات العرض والآثار علي أحدث مستوي من العرض المتحفي علي أن يكيف هذا المتحف‏.‏

وأعتقد أن فلسفة بناء المتاحف في القاهرة سوف تقوم علي أساس أن المتحف مبني تعليمي ثقافي أثري‏,‏ ويجب أن يكون له دور كبير أهم من دور المدرسة أو الجامعة‏,‏ وهذه هي الرسالة التي سوف يقوم بها المتحف‏.‏ أما حكاية معرض الآثار الخفية الذي سوف يعرض داخل بدروم المتحف‏,‏ فموضوع المقال المقبل بإذن الله‏.‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية