الكتاب

42389‏السنة 126-العدد2002ديسمبر27‏23 من شوال 1423 هـالجمعة

بهـــــــدوء
مؤتمر لندن‏..‏ و الضلع المنتزع
من ثلاثية أبعاد التسوية السياسية‏!‏
بقلم‏:‏ إبراهيم نافع

في سياق الجهود المبذولة لدفع عملية السلام في الشرق الأوسط دعا رئيس الوزراء البريطاني توني بلير إلي عقد مؤتمر في لندن في منتصف يناير المقبل‏,‏ وأكد بلير أن الدعوة وجهت وستوجه إلي أطراف عديدة تشمل الفلسطينيين ومصر والسعودية والأردن‏,‏ وأعضاء اللجنة الرباعية التي تضم الولايات المتحدة وروسيا الاتحادية والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة‏.‏ وأوضح رئيس الوزراء البريطاني أن إسرائيل لن تدعي إلي المؤتمر لأسباب عديدة منها العملية الانتخابية التي ستجري هناك في الثامن والعشرين من يناير المقبل‏.‏
وقد أثارت دعوة رئيس الوزراء البريطاني تساؤلات عديدة حول الدوافع الحقيقية لها‏,‏ وما الذي يمكن تحقيقه في مؤتمر من هذا النوع لا تشارك فيه إسرائيل‏,‏ وما الجديد الذي يمكن لبريطانيا أن تقدمه بعد اختتام أعمال اللجنة الرباعية في الولايات المتحدة بتأجيل طرح خطة خريطة الطريق إلي ما بعد الانتخابات الإسرائيلية؟‏,‏ ثم تراجعت هذه التساؤلات بعد أن أعلن المتحدث باسم رئيس الوزراء البريطاني أن المؤتمر سيكون مخصصا لبحث التقدم الذي تحقق بالفعل في الإصلاحات الفلسطينية‏,‏ وكيف يمكن للمجتمع الدولي المساعدة في هذا الشأن‏.‏ وأن النقطة الرئيسية هي إصلاح السلطة الفلسطينية‏,‏ ومعرفة كيف يمكن تسريع الإصلاحات‏.‏

وبهذا بات واضحا أن القضية الرئيسية في هذا المؤتمر ليست البحث في عملية التسوية السياسية من خلال رؤية شاملة‏,‏ تهدف إلي تسوية الصراع‏,‏ وتعالج الأبعاد المختلفة التي كررناها مرارا في مقالات الأسابيع الماضية‏,‏ وأطلقنا عليها مثلث التهدئة والإصلاح والتفاوض‏.‏ كما يبدو واضحا أيضا أنه وفق هذه الرؤية فإن مؤتمر لندن‏,‏ المزمع عقده في منتصف يناير المقبل‏,‏ ينتزع أو يتعامل مع ضلع واحد فقط من أضلاع المثلث‏,‏ وهو ضلع الإصلاح‏,‏ ووفق تركيبة المؤتمر‏,‏ كما أعلن عنه رئيس الوزراء البريطاني‏,‏ فإن مفهوم الإصلاح يقتصر فقط علي الجانب الفلسطيني‏,‏ وهو أمر سبق أن حذرنا منه مرارا‏,‏ علي أساس أن وضع القضية علي هذا النحو يوحي بأن المشكلة توجد فقط علي الجانب الفلسطيني‏,‏ وأن تعثر عملية التسوية السياسية يرجع إلي خلل في هياكل وسياسات وأشخاص السلطة الوطنية الفلسطينية‏,‏ وبالتالي فإن إتمام الإصلاح علي الجانب الفلسطيني سيكون كفيلا بإنجاح جهود التسوية السياسية‏.‏
وفي تقديري أن النظر إلي مؤتمر لندن لا يمكن أن يتم بمعزل عما جري في اجتماع اللجنة الرباعية في واشنطن الأسبوع الماضي‏,‏ حيث عقد ممثلو الأطراف الأربعة‏:‏ الولايات المتحدة وروسيا الاتحادية والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة اجتماعا مطولا انتهي بفرض وجهة نظر واشنطن الخاصة بعدم طرح خطة خريطة الطريق بحجة عدم التأثير علي الرأي العام الإسرائيلي‏,‏ الذي سوف يذهب في الثامن والعشرين من يناير المقبل إلي صناديق الانتخاب لاختيار أعضاء الكنيست السادس عشر‏,‏ ومن ثم تحديد من سيشكل الحكومة الإسرائيلية الجديدة‏.‏ وقد رفضت الولايات المتحدة طلب الأطراف الثلاثة الأخري الأعضاء في اللجنة بإعلان خريطة الطريق حتي يعرف الرأي العام الإسرائيلي الحل الذي يقترحه المجتمع الدولي قبل أن يذهبوا إلي صناديق الاقتراع‏.‏ وأصرت واشنطن علي تأجيل إعلان خطة خريطة الطريق إلي ما بعد الانتخابات الإسرائيلية وتشكيل الحكومة الجديدة هناك علي النحو الذي طلبته حكومة شارون‏,‏ وعلي أساس أن الأولوية الآن لتكريس فكرة الإصلاح في السلطة الوطنية الفلسطينية والسير فيها‏,‏ وعدم جعل الخطة مثارا للجدل الانتخابي في إسرائيل‏.‏

وأحسب أن البيان الختامي للجنة الرباعية جاء معبرا عن وجهة النظر الأمريكية الأقرب إلي الرؤية الإسرائيلية بصفة عامة‏,‏ فبعد أن نص البيان الختامي علي دعم اللجنة الرباعية لتسوية سلمية قائمة علي أساس دولتين‏,‏ إسرائيل وفلسطين‏,‏ تعيشان جنبا إلي جنب بأمان‏,‏ عاد ليقول يجب أن ينهي كل الفلسطينيين‏,‏ أفرادا وجماعات‏,‏ كل أعمال الإرهاب ضد الإسرائيليين في أي مكان‏,‏ ومع عودة الهدوء يجب أن تنسحب القوات الإسرائيلية من المناطق الفلسطينية‏,‏ ويجب إعادة الوضع الذي كان قائما علي الأرض قبل الانتفاضة‏.‏ والواضح للعيان هو أن الفقرة السابقة قد تمت صياغتها وفق الرؤية الإسرائيلية وبالمخالفة للحقائق والوقائع علي الأرض‏,‏ وأيضا للمواثيق الدولية وقواعد القانون الدولي‏,‏ فالبيان تضمن وصف كل الأعمال الفلسطينية بالإرهابية‏,‏ ودعا إلي وقفهافي أي مكان‏,‏ والحقيقة التي يعرفها الجميع أن أعمال المقاومة الفلسطينية في الأراضي المحتلة وضد جنود الاحتلال والمستعمرين لا يمكن وصفها بأنها أعمال إرهابية‏,‏ وإنما هي أعمال مشروعة بموجب ميثاق الأمم المتحدة‏.‏ أيضا جرت صياغة الفقرة السابقة من بيان اللجنة الرباعية علي النحو الذي يحمل الشعب الفلسطيني مسئولية إعادة احتلال أراضيه منذ اندلاع الانتفاضة‏,‏ وأن وقف هذه الأعمال الفلسطينية يمثل الشرط المسبق لمطالبة قوات الاحتلال بالعودة إلي حدود ما قبل الانتفاضة‏.‏ وفي الوقت الذي وصف فيه بيان اللجنة الرباعية أعمال المقاومة الفلسطينية بالإرهابية‏,‏ كان محايدا تماما في وصف أعمال القتل والإرهاب التي تقوم بها قوات الاحتلال الإسرائيلي ضد أبناء الشعب الفلسطيني‏,‏ والقتل الوحشي للمدنيين الأبرياء بمن فيهم الأطفال والنساء والشيوخ‏.‏

وبعد ساعات قليلة من اختتام أعمال اللجنة الرباعية وصدور بيانها الختامي بتأجيل إعلان خطة خريطة الطريق‏,‏ استخدمت الولايات المتحدة الأمريكية حق النقض الفيتو في مجلس الأمن الدولي لمنع صدور قرار يدين إسرائيل بسبب قتل جنودها ثلاثة من موظفي الأمم المتحدة في الضفة الغربية وقطاع غزة الشهر الماضي‏,‏ وتدمير مخزن ضخم للمواد الغذائية تابع لبرنامج الغذاء العالمي في غزة‏.‏ بينما حظي مشروع القرار الذي تقدمت به سوريا بموافقة وتأييد‏12‏ دولة من بينها الدول الأربع الأخري دائمة العضوية في مجلس الأمن‏,‏ وهي فرنسا وبريطانيا وروسيا والصين‏,‏ وامتنعت بلغاريا والكاميرون عن التصويت علي القرار‏.‏ وبالتالي فقد جاء الفيتو الأمريكي الأخير ليثير استياء الدول العربية التي شعرت بخيبة أمل كبيرة تجاه الموقف الأمريكي‏,‏ حسب تعبير مندوب مصر الدائم لدي الأمم المتحدة السفير أحمد أبو الغيط‏.‏ ورأت السلطة الوطنية الفلسطينية فيه تشجيعا للحكومة الإسرائيلية علي مواصلة انتهاك قرارات الشرعية الدولية‏.‏
في خضم هذه التطورات والمشاهد المتلاحقة في المنطقة‏,‏ خرج رئيس الوزراء البريطاني بدعوته الأطراف العربية وممثلين عن اللجنة الرباعية إلي حضور مؤتمر في لندن يبحث فقط في إصلاح السلطة الوطنية الفلسطينية‏.‏ وبالإضافة إلي ما سبق فإن هذه الدعوة في حد ذاتها تمثل تجاوزا للحقائق وتعديا علي الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني‏,‏ فالدعوة البريطانية تقول ضمنا إن المشكلة الجوهرية والعقبة الرئيسية أمام جهود التسوية السياسية للصراع العربي ـ الإسرائيلي تتمثل في هيكل وأشخاص وأداء السلطة الوطنية الفلسطينية‏,‏ ولا حديث عن مسئولية الاحتلال في تدمير البنية التحتية الفلسطينية‏,‏ ولا ذكر لدور الإرهاب الذي تمارسه قوات الاحتلال في حفز التنظيمات الفلسطينية علي أن ترد عليه بعمليات مسلحة في أماكن مختلفة‏.‏ كما توحي دعوة رئيس الوزراء البريطاني بأن إصلاح السلطة الوطنية الفلسطينية سوف يساعد علي تهيئة الظروف أمام نجاح جهود التسوية السياسية‏,‏ وهو أمر ينفي أي دور لقوات ودولة الاحتلال في إضعاف السلطة الوطنية الفلسطينية والحد من قدراتها وتقليص مصداقيتها في الشارع الفلسطيني في مواجهة تنظيمات وفصائل المقاومة الفلسطينية التي تعلي من وزن الكفاح المسلح في
إدارة الصراع والتفاوض مع قوات ودولة الاحتلال‏.‏ وكنا نتوقع أن يضمن رئيس الوزراء البريطاني دعوته عناصر تطالب إسرائيل بوقف عدوانها علي أبناء الشعب الفلسطيني‏,‏ وأن تقوم‏,‏ ودون إبطاء‏,‏ بتحويل أموال السلطة الوطنية التي تحتجزها منذ فترة طويلة‏,‏ وترفض الإفراج عنها‏,‏ فهذه عناصر تساعد الجانب الفلسطيني علي إدخال الإصلاحات المطلوبة‏.‏
ونحن لانختلف علي أن عملية إصلاح السلطة الوطنية الفلسطينية أمر بالغ الأهمية‏,‏ ولمصلحة الشعب الفلسطيني قبل أي طرف آخر‏,‏ ولكن القضية لا يمكن أن تعالج علي النحو الذي ذهبت إليه دعوة رئيس الوزراء البريطاني‏,‏ وإنما تعالج علي نحو جذري‏,‏ ومن خلال ربط الإصلاح ببعدين آخرين غاية في الأهمية‏,‏ ولا قيمة للإصلاح علي الجانب الفلسطيني دون تحقيق حد أدني من التقدم بشأنهما‏,‏ وهما بعدا التهدئة والتفاوض‏.‏ وسبق أن كتبت مرارا في الفترة الأخيرة عما سميته ثلاثية‏:‏ التهدئة‏,‏ والإصلاح‏,‏ والتفاوض‏,‏ وقدمت التهدئة علي الإصلاح علي أساس أنها مطلوبة أولا‏,‏ باعتبارها مدخلا للإصلاح‏.‏ وطرحت فكرة أن تتم تهدئة علي الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي فتتوقف جميع أعمال العنف من الجانبين‏,‏ وأن تضمن الدول العربية مجتمعة التهدئة علي الجانب الفلسطيني‏,‏ مقابل أن تضمن الولايات المتحدة الأمريكية التهدئة علي الجانب الإسرائيلي‏,‏ وأن يجري تنشيط مسار التفاوض متلازما ومتزامنا علي بعدي التهدئة والإصلاح‏.‏

وأحسب أن مصر تبذل جهودها المكثفة للترتيب من أجل تقريب مواقف ووجهات نظر الفصائل الفلسطينية المختلفة علي النحو الذي يساعد في إنجاز التهدئة المطلوبة‏,‏ وذلك عبر استضافتها لحوارات متعددة بين حركتي فتح وحماس‏,‏ وأيضا من خلال الحوارات الثنائية مع التنظيمات والفصائل الفلسطينية المختلفة‏.‏ وكنا نتوقع أن تبادر الأطراف المعنية‏,‏ وتحديدا الولايات المتحدة‏,‏ بلعب دور فاعل في ضبط السياسة العدوانية لرئيس الوزراء الإسرائيلي أرييل شارون حتي نتمكن من إنجاز التهدئة علي الجانبين‏.‏ ولكن ما حدث عمليا هو أن الولايات المتحدة لم تقم بهذا الدور‏,‏ بل أن البيان الختامي الصادر عن اجتماع اللجنة الرباعية بواشنطن حمل الجانب الفلسطيني مسئولية وقف دوامة العنف‏,‏ واصفا أعمال المقاومة الفلسطينية بالإرهابية‏,‏ وبعد ذلك بساعات قليلة استخدمت واشنطن حق الفيتو لكي تمنع صدور قرار من مجلس الأمن الدولي يدين إسرائيل لقتلها ثلاثة من موظفي الأمم المتحدة وتدمير أحد مخازن الأغذية التابع لبرنامج الغذاء العالمي‏.‏
من هنا يبدو واضحا أن الولايات المتحدة لم تمارس دورها في ضمان التهدئة علي الجانب الإسرائيلي‏.‏ ونأتي بعد ذلك إلي الضلع الثالث في العملية‏,‏ وهو استئناف المفاوضات‏,‏ عبر وضع إطار عام لعملية التفاوض يوضح للطرفين الفلسطيني و الإسرائيلي أن عمليتي التهدئة والإصلاح سوف تقودان إلي استئناف المفاوضات‏,‏ وصولا إلي الحل المنشود القائم علي قرارات الشرعية الدولية‏,‏ وإعلان الدولة الفلسطينية المستقلة علي الأراضي الفلسطينية المحتلة في عدوان يونيو‏1967,‏ وفق مقترحات الرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون‏,‏ والتي تمت إعادة صياغتها في الخطة الأمريكية الأخيرة المسماة خريطة الطريق‏.‏ وكان المنطق يقتضي أن تعلن الخطة في ختام اجتماع اللجنة الرباعية‏,‏ والذي عقد بواشنطن‏,‏ وهو ما لم يتم‏,‏ حيث أصرت واشنطن علي عدم إعلان الخطة وقررت الانتظار إلي ما بعد الانتخابات الإسرائيلية في إسرائيل وتشكيل الحكومة الجديدة هناك‏.‏

بعد كل ذلك تأتي دعوة رئيس الوزراء البريطاني إلي عقد اجتماع في لندن في منتصف يناير المقبل‏,‏ ومن هنا نتساءل‏,‏ ما الذي يمكن تحقيقه من وراء عقد هذا المؤتمر؟ هل يراهن بلير علي إنجاز الإصلاح في السلطة الوطنية الفلسطينية من خلال هذا المؤتمر؟‏,‏ وهل هذا الإصلاح المنشود‏,‏ مع تقديرنا لأهميته‏,‏ يمكن أن يغير من الوضع القائم في الأراضي الفلسطينية دون تهدئة علي الجانب الإسرائيلي‏,‏ أي دون وقف العدوان الذي تمارسه قوات الاحتلال الإسرائيلي ضد أبناء الشعب الفلسطيني؟ وهل الإصلاح علي الجانب الفلسطيني‏,‏ يمكن أن يساعد في تحقيق تقدم ما دون أطر زمنية محددة لاستئناف المفاوضات وإعلان بنود وعناصر الخطة الأمريكية‏,‏ حتي يعرف الشعبان الفلسطيني والإسرائيلي الأسس العامة والخطوط الرئيسية للتسوية السياسية المقبلة‏,‏ فيقرر كل طرف في أي اتجاه يسير‏,‏ وأي ثمن سوف يدفع‏,‏ وأية ثمار سوف يجني ؟
لم تتجاوب واشنطن مع هذه الأفكار‏,‏ ولم تتوقف لندن أمام هذه الاعتبارات‏,‏ وقررت الدعوة إلي مؤتمر تشارك فيه أطراف عربية ـ مصر والسعودية والأردن ـ ودولية ـ اللجنة الرباعية ـ من أجل تحقيق الإصلاح علي الجانب الفلسطيني‏,‏ وهو أمر يدعو إلي الدهشة والتساؤل حول الأهداف الحقيقية لبريطانيا من وراء هذه الفكرة‏.‏

إن اتجاهات عديدة في العالم العربي تربط بين الدعوة البريطانية وجهود أمريكية وبريطانية حثيثة لتهيئة الأجواء لضرب العراق‏,‏ وأن غاية الدعوة إلي المؤتمر تتمثل في إعطاء الانطباع بأن هناك حركة قادمة علي مسارات الصراع العربي ـ الإسرائيلي‏,‏ بالإضافة إلي الرسالة المتضمنة في الدعوة‏,‏ والتي تقول إن الإصلاح بات مطلوبا من الجانب الفلسطيني فقط‏,‏ وإن هذا الإصلاح يمثل المدخل الرئيسي لبدء عمل حقيقي من أجل التسوية السياسية بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي‏,‏ لاسيما أن بيان اللجنة الرباعية أعاد تأكيد أن الحل سينهض علي أساس دولة فلسطينية مستقلة إلي جانب إسرائيل‏,‏ دون تحديد لأسس التفاوض‏,‏ أو دعوة لوقف أعمال الإرهاب التي تمارسها قوات الاحتلال الإسرائيلي بحق أبناء الشعب الفلسطيني‏.‏
والمؤكد هو أننا ندرك تماما أهمية مواصلة الإصلاح في السلطة الوطنية الفلسطينية‏,‏ ولكن الإصلاح هنا لا يعمل منفردا‏,‏ بل وفق رؤية متكاملة وشاملة‏,‏ تستند إلي ضلعين آخرين هما التهدئة والتفاوض‏,‏ وأنه ما لم يتم العمل في المجالات الثلاثة معا‏,‏ وبالتوازي والتزامن‏,‏ فلا جدوي من أي عمل في مجال واحد فقط مهما تكن قيمته ومهما تكن أهميته‏.‏ فهناك حالة من الارتباط والتداخل بين المجالات الثلاثة‏,‏ والتهدئة علي الجانبين‏,‏ وبضمانات قوية‏,‏ تحفز علي مواصلة الإصلاح مهما يكن الثمن‏,‏ ووضوح أسس التسوية والجدول الزمني للتفاوض يشجع علي مواصلة التهدئة‏,‏ والتعالي فوق أية تجاوزات ترتكب من قبل أطراف هامشية ترمي إلي عرقلة عمل الثلاثية المحددة‏.‏

وقد سار رئيس الوزراء البريطاني في المقال الذي كتبه خصيصا لـ الأهرام ونشر أمس الأول‏,‏ عدة خطوات علي طريق وضع عملية إصلاح السلطة الوطنية في السياق الشامل‏,‏ عبر ربطها ببعدي التهدئة والتسوية‏,‏ وتحديدا حينما قال‏:(‏ إنني أؤمن أنه أضحي من الأهمية بمكان أن نعمل جميعا علي معاودة تفعيل العملية التفاوضية بين الطرفين‏.‏ ومازالت اللجنة الرباعية تبذل جهودا حقيقية لتحقيق هذا الغرض‏,‏ ومن ثم تحدونا خطوة أخري للأمام‏.‏ إن خريطة الطريق هي أسلوب عملي لتحديد الخطوات التي تقود إلي إقامة دولة فلسطينية إلي جانب إسرائيل بحلول عام‏2005).‏
وعلي الرغم من هذا الوضوح يظل التركيز علي قضية الإصلاح علي الجانب الفلسطيني فقط‏,‏ أمرا يثير التساؤل‏,‏ فرئيس الوزراء البريطاني أشار في مقاله للأهرام إلي إحراز تقدم علي المسار الإسرائيلي سيكون محدودا علي المدي القصير بسبب جولة الانتخابات العامة في إسرائيل ولذلك دعا المجتمع الدولي إلي‏(‏ استثمار هذه الفترة الزمنية لتحسين فرص تطبيق مقترح خريطة الطريق بمجرد انتهاء الانتخابات الإسرائيلية وتسلم الإدارة الجديدة للحكم‏).‏

وأحسب أن الفترة التي تفصلنا عن الانتخابات الإسرائيلية وتسلم إدارة جديدة الحكم يمكن استثمارها في أكثر من مجرد دعوة الفلسطينيين لمواصلة عملية الإصلاح‏,‏ فيمكن أن تستثمر هذه الفترة أيضا في تحرك دولي فاعل لوقف العدوان الإسرائيلي علي الشعب الفلسطيني‏,‏ ووقف عمليات القتل التي تمارسها قوات الاحتلال‏,‏ ودفع الحكومة الإسرائيلية إلي اتخاذ قرارات لرفع المعاناة عن الشعب الفلسطيني‏.‏ كل ذلك إضافة إلي توجيه رسالة واضحة من اللجنة الرباعية إلي الرأي العام الإسرائيلي‏,‏ وهو علي أبواب انتخابات مهمة‏.‏ أعود وأكرر ما سبق طرحه من ضرورة طرح رؤية شاملة للتسوية في المنطقة‏,‏ ووفق جدول زمني محدد‏,‏ ويوضع الإصلاح علي الجانب الفلسطيني في موضعه الصحيح‏.‏
وهذا الوضوح أيضا فيما يخص أسس التسوية والجدول الزمني للتفاوض سوف يشجع الأطراف المعنية علي دفع ثمن الإصلاح مهما يرتفع‏,‏ علي أساس أن تخير الوطن وإقامة الدولة المستقلة يتقدم علي الاعتبارات الشخصية‏.‏

لكل ذلك فإني أحسب أن مبادرة رئيس الوزراء البريطاني قد جاءت في بيئة غير مواتية‏,‏ وأنها تفتقد التكامل المطلوب لتغطية الجوانب الثلاثة المستهدفة‏,‏ وهي‏:‏ التهدئة والإصلاح والتفاوض‏.‏
إن القضية ليست قضية ملء فراغ‏,‏ أو مجرد إعطاء انطباعات هلامية بأن هناك تحركا‏,‏ أو أن هناك جهودا تبذل تجاه الصراع العربي ـ الإسرائيلي‏,‏ إنما القضية هي قضية شعب عربي يجري إغتياله ماديا ومعنويا ليل نهار تحت سمع وبصر الرأي العام العالمي‏!.‏ أما دعوة كل من مصر والسعودية والأردن لحضور هذا المؤتمر‏,‏ فهذا هو الذي لم أفهم ولم أستوعب أهدافه أو النتائج المتوقعة منه‏..‏ وهذه قضية أخري‏.‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية